على شكل عوارض مركزة، أقدم في هذه القراءة تحليلا لخطاب الكلمة التي ألقاها عبد الكريم العلمي، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، ورئيس مجلس الشورى، في افتتاح الدورة الرابعة والعشرين لمجلس الشورى، الذي انعقد بتاريخ السبت والأحد 9 و10 شوال 1447 موافق 28 و29 مارس 2026.
أولا: من لغته وأسلوبه وقضاياه، يبدو جلياً أنه خطاب تغييري مركب، لا يقتصر على التعليق السياسي، وإنما يحوّل الحدث التاريخي إلى رؤية، والرؤية إلى تكليف، والتكليف إلى برنامج تربية وفعل وتنظيم.
ثانياً: ينطلق الخطاب من مرجعية المنهاج النبوي، ويعيد تفعيل مفاهيمه المركزية: التربية، الجهاد، القوة، الأمانة، همّ الأمة… في أفق وصل الإيمان بالفعل التاريخي، ورفض الفصل بين النجاة الفردية والنهوض الجماعي.
ثالثاً: لحظة طوفان الأقصى، لا تُقرأ في هذا الخطاب بوصفها حدثاً عسكرياً فقط، بل كاشفاً حضارياً وأخلاقياً ومعرفياً فضح زيف الخطاب الغربي، وأسقط أقنعة القيم المعلنة، وكشف البنية العميقة للتحالف الصهيوني الغربي.
رابعاً: يقوم البناء الحجاجي للخطاب على ثنائيات حادة من قبيل: الحقيقة / الزيف، الصدق / الكذب، الأمانة / الارتهان، الحرية الحقيقية / الواجهات البهلوانية… وبذلك يتحول الصراع من مجرد تنازع سياسي إلى مواجهة أخلاقية وتاريخية على المشروعية والمعنى والمصداقية الحضارية.
خامساً: لا ينحبس الخطاب في مستوى التشخيص الكوني، بل ينقل أثر الحدث مباشرة إلى الواقع المغربي، حيث يجعل من التطبيع وربط مصير البلاد بالكيان الصهيوني جناية على السيادة الوطنية والمستقبل التاريخي، لا مجرد خيار دبلوماسي قابل للاختلاف.
سادساً: يوسّع الخطاب دائرة النقد لتشمل الاستحواذ على الثروات، وتشييءَ الوطن بوصفه “ضيعة مشتركة”، والمتاجرة بالقطاعات الحيوية، وتفريغ الديمقراطية من مضمونها، وتسميم التعليم؛ ومن ثم فهو يربط بين الاستبداد السياسي والفساد الاجتماعي والاختراق الثقافي في بنية واحدة، وصلاً بلا فصل.
سابعاً: يربط الخطاب بين الصدق مع الله والصدق مع الشعب، فلا يحصر التدين في الوعظ أو التعبد الفردي، بل يترجمه إلى حرية وعدالة وسيادة وتعليم سليم وإرادة سياسية حقيقية؛ وهنا تتبدى قوته في وصل ما يُفصل “عادةً” بين الدين والأخلاق والسياسة والتربية.
ثامناً: الشخصية النموذجية التي يستدعيها الخطاب هي “الشاهد القوي الأمين”، الفاعل الذي يجمع بين العلم والخبرة من جهة، والخوف من الله والوفاء بالعهد من جهة أخرى؛ لذلك يرفض الخطاب “الورع القاعد”، ويجعل النهوض مشروطاً باجتماع الكفاءة العملية والأمانة الإيمانية.
تاسعاً: الرهان الاستراتيجي للخطاب هو الجهاد السياسي التربوي البنائي، أي بناء تغيير طويل النفس قوامه الصبر والمرابطة والرفق، لا الانفعال العابر ولا الشجب المجرد؛ ومن ثم فالتربية ليست فيه ملحقاً للسياسة، بل أصلها المُؤسِّس.
عاشراً: الخطاب موجَّه إلى دوائر متعددة في آن واحد: الداخل التنظيمي، والرأي العام الوطني، والوجدان الإسلامي، والضمير الإنساني؛ وهذا ما يمنحه طابعاً تداولياً متعدد الطبقات، يسمح له بأن يكون في الوقت نفسه خطاب تأطير، وخطاب موقف، وخطاب استنهاض.
في المحصلة، قيمة الخطاب لا تكمن فقط في مضامينه السياسية المعلنة، بل في معماره العميق الذي ينسج بين تشخيص الراهن، وإدانة الاختلال، وصناعة الذات القادرة على التغيير. لذلك فإن المسافة التحليلية الأكاديمية ضاقت لتفسح المجال أمام القوة التعبوية والتركيبية، وبمنطق أخلاقي طاغ بحرارته المرتفعة المناسبة للهاجس التعبوي المؤسَّس على رؤية، أكثر منه دراسة وصفية محايدة.