من قرأ سورة الفاتحة بنية الفتح فتح له، وأول الفتح أن تكون من أهل الحمد، كأنما أمرت أن تكون أول عبادة تعرفك على الله أن تحمده، ألست ترى أول كلمة ليس فقط في سورة الفاتحة بل في المصحف كله هي الحمد لله رب العالمين، لذلك تسمى أيضا بسورة الحمد. ثم يتجلى عليك المولى بعالَمية ربوبيته، وهي عوالم لا تحصر، فالخالق سبحانه يخلق ما يشاء ويخلق بدون انتهاء، لا يحد قدرته زمان ولا مكان. هو رب العالمين سابقهم ولاحقهم، إنسهم وجنهم، جمادهم ومتحركهم، خفيهم وظاهرهم.
ثم إنه خلقهم ليرحمهم لا ليعذبهم، فكان الرحمان الرحيم، لذلك جعل يوم الدين تحت ملكه وسلطانه؛ لتطمئن أنت أيها العبد الضعيف إلى سابق رحمته وعدل ملكه، وتدين له بالعبودية وتقر له بذلك قائلا “إياك نعبد”. كل الصفات التي سبقت الإقرار بالعبودية هي صفات تطمئن العبد المسكين أنه متقلب في تجليات رحمته لذلك حق له أن يستعين به فكانت “إياك نستعين”.
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ: أنت الله وأنا العبد فأعني، أنت الخالق وأنا المخلوق، أنت القوي وأنا الضعيف، أنت المعطي وأنا السائل، أنت مانح الهداية وأنا طالبها، بك أستعين وبمن أستعين سواك؟ بك أستغيث، بك أحيا وبك أموت، بك أمشي في مناكب الأرض، بك أسير إليك.
بك أستعين فـٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ، لن أهتدي إن لم تهدني مولاي، وكيف لي أن أهتدي إن لم تحطني بهدايتك وأنت الهادي.
أما الصراط المستقيم فهو أقصر الطرق إلى الله عز وجل، كلما انعرج الطريق طال، كلما ارتمت فيه الأشواك تعثرت الخطى حتى تبرأ الجراح، كلما اتضحت الرؤية طويت الطريق، ومن طويت له الطريق فقد أنعم الله عليه.
الصراط المستقيم صراط لا غضب فيه، صراط الرضوان، صراط الفرح بما عند الله. وهو صراط لا ضلال فيه، إذ من عرف الله كيف يضل الطريق.
الصراط المستقيم صراط المنعم عليهم؛ أولئك الذين اصطفاهم الله ليبدؤوا رحلة السلوك إليه، إذ السير كله سير إلى الله.
سر إليه مستعينا به حتى يعرّفك عليه، فإن تفضل عليك المولى بكرمه فلا تغفل أن تكون من أهل الحمد كما أوصاك في بداية السورة، وقل ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ.