تلقيت دعوة لحضور تأبين صديق عزيز علينا اختطفه حمام الموت في عز شبابه. غير أن المفارقة كانت في تزامن المناسبة مع مباراة للمنتخب المغربي أمام البرازيل. وجدت نفسي أمام سؤال لم أتوقعه: هل أحضر التأبين أم أتابع المباراة؟
في البداية بدا السؤال بسيطا، بل ربما ساذجاً. فما وجه المقارنة بين مناسبة لتأبين صديق رحل إلى الدار الآخرة وبين مباراة لكرة القدم؟ لكن كلما اقترب الموعد اكتشفت أن الأمر أعقد مما ظننت.
فمن منا لا يهوى كرة القدم؟ ومن منا لا يشعر، مثل ملايين المغاربة، بشيء من الانتماء العاطفي للمنتخب الوطني؟ ففي مثل هذه المباريات يتقاسم الناس التوتر والأمل والفرح وخيبة الأمل. وحين يكون الخصم منتخباً بحجم البرازيل، تزداد جاذبية الحدث ورمزيته.
في المقابل، لم يكن التأبين مجرد واجب اجتماعي أو ديني تجاه أسرة الفقيد. كان يتعلق بصديق عرفناه بنموذجه السلوكي ورمزيته الأخلاقية، وأحببناه في الله. رجل كان بيننا بالأمس، يشاركنا أحاديثنا وهمومنا وآمالنا، ثم أصبح فجأة ذكرى ودعاءً وترحماً.
وجدت نفسي بين نوعين مختلفين من الحضور: حضور مع الأحياء الذين اجتمعوا لاستعادة سيرة فقيدهم ومواساة أهله، وحضور مع ملايين المشجعين الذين يتابعون حدثاً رياضياً استثنائيا.
غير أن هذه الحيرة قادتني إلى سؤال آخر أعمق: هل كان هذا السؤال سيطرح نفسه قبل عقود؟
ربما لا. فقد كانت أخبار المباريات تصل متأخرة، وربما لم يكن يتابعها إلا عدد محدود من الناس. أما اليوم فقد أصبحت الرياضة جزءا من اقتصاد عالمي ضخم قائم على جذب الانتباه واحتلال الوعي. تُعلن المباراة عن نفسها قبل أسابيع، وتلاحقك أخبارها في الهاتف والتلفاز ومنصات التواصل الاجتماعي. أحياناً تشعر أن العالم كله ينتظر انطلاق المباراة بعد صفارة البداية.
أما الموت، وعلى الرغم من أنه الحقيقة الأكثر يقيناً في حياة الإنسان، فقد أصبح هامشياً في المجال العام. نتحدث عن الانتقالات الرياضية أكثر مما نتحدث عن الراحلين. نحفظ أسماء اللاعبين أكثر مما نحفظ سير الرجال الذين مروا في حياتنا وتركوا فيها أثرا طيبا.
لهذا وجدت نفسي أتساءل: هل الحيرة التي أشعر بها نابعة من أهمية المباراة فعلاً، أم من قوة الآلة الإعلامية التي تجعل بعض الأحداث أكبر من حجمها الحقيقي؟
في النهاية أدركت أن القضية لا تتعلق بالمباراة أو بالتأبين فقط، بل بمراجعة ترتيب الأشياء داخل النفس. ماذا يحتل مركز الاهتمام؟ وما الذي أصبح على الهامش؟ وهل أمتلك أولوياتي فعلا، أم أن أولوياتي يعاد تشكيلها كل يوم بواسطة الشاشات والخوارزميات؟
أدركت أيضا أن المباراة ستنتهي مهما كانت نتيجتها. سيحتفل الفائزون ساعات أو أياما، ثم تبدأ مباراة أخرى وحكايات أخرى ومقاطع أخرى. أما الوقوف لاستحضار ذكرى صديق رحل، فهو من اللحظات النادرة التي تذكر الإنسان بحقيقته، وبحدود عمره، وبقيمة العلاقات التي نسجها خلال حياته، وبالرابطة القلبية التي جمعته بمن أحبهم في الله.
ولم يكن الأمر بالنسبة إلي اختيارا بين حب الوطن والوفاء لصديق. فالمؤمن لا يُطلب منه أن يكره الرياضة ولا أن يتخلى عن مشاعره الوطنية. إنما كان اختيارا بين حدث يمكن تعويضه لاحقا، وحدث يحمل معنى إيمانيا وإنسانيا لا يتكرر بالطريقة نفسها.
وربما كانت أعظم فائدة خرجت بها من هذه النازلة أنني اكتشفت مدى حاجتنا إلى استعادة التوازن في عصر الفرجة المستمرة والمتجددة. ليس لأن الرياضة مذمومة، بل لأن كل شيء يصبح خطيرا عندما يكبر في وعينا أكثر من حجمه الحقيقي.
انتهت المباراة حامية الوطيس بين المنتخب الوطني وغريمه البرازيلي بالتعادل هدفا لمثله. بذل اللاعبون أقصى ما لديهم من جهد، وامتلأت الشوارع بالهتافات والأعلام الوطنية والأقمصة الحمراء ودوي أبواق السيارات.
أما أنا، فبقي يرافقني صوت واعظ صامت من مجلس التأبين، وصدى مرثية مؤثرة ألقاها الشاعر الكريم الصادق الرمبوق في ختام الحفل تحت عنوان “غيث خفي”، يرثي بها أخانا البشير اجويد رحمه الله.
وفي خضم ضجيج الفرجة، ظل صدى تلك الأبيات يذكرني بأن بعض الرجال لا تصنعهم الأضواء، بل تصنعهم أعمال خفية لا تنكشف إلا بعد الرحيل:
مَا زَالَ يَكْتُمُ إِخْلاَصاً لِبَارِئِهِ … حَتَّى تَكَشَّفَ بَعْدَ الْمَوْتِ مَا سَتَرَا
فَارْفَعْ مَقَامَ خَفِيٍّ ظَلَّ غَيْثَ نَدىً … سَمْحَ الْخَلِيقَةِ رَبِّي وَاسْقِهِ نَهَرَا
أَحْسِنْ صَنِيعَكَ فِي أَهْلٍ وَفِي وَلَدٍ … أَنْتَ الْوَكِيلُ فَجَلِّلْ فِيهِمُ الْأَثَرَا
أَكْرِمْهُ مِنْكَ قَبُولاً يَوْمَ يَشْفَعُ فِي … حَشْرِ الْبَرِيَّةِ طَهَ يُنْقِذُ الْبَشَرَا
صَلَّى عَلَيْهِ إِلَهُ الْعَرْشِ مَا سَطَعَتْ … شَمْسُ الرِّجَالِ وَذِكْرٌ فِي الْعِبَادِ جَرَى”
المباراة انتهت بالتعادل، أما درس ذلك المساء فلم ينته بعد، بل له امتداد في حياة كل إنسان إلى لقاء ربه يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.