بيان المجلس الوطني للقطاع النقابي للعدل والإحسان: وثيقة نضج استراتيجي وواقعية نضالية ومسؤولية وطنية

Cover Image for بيان المجلس الوطني للقطاع النقابي للعدل والإحسان: وثيقة نضج استراتيجي وواقعية نضالية ومسؤولية وطنية
نشر بتاريخ

يمكن قراءة بيان المجلس الوطني المنعقد بسلا في 12 يوليوز 2026 بوصفه وثيقة تتجاوز وظيفة البيان الختامي التقليدي، لتؤسس لتحول نوعي في الوعي النقابي للقطاع، تختزله ثلاثية النضج الاستراتيجي، والواقعية النضالية، والمسؤولية الوطنية.

1- النضج الاستراتيجي، من إدارة المطالب إلى بناء الميزان

الجملة المفتاحية في البيان هي دعوته الصريحة إلى الارتقاء بالفعل النقابي “من منطق التدبير الجزئي للمطالب إلى الإسهام في بناء ميزان مجتمعي قادر على حماية الحقوق وصون المكتسبات”، هذه ليست صياغة إنشائية، بل إعلان عن فهم متقدم في تناول المسألة النقابية ذاتها، فالقطاع لم يعد يرى في المطلب القطاعي سقفا، بل يعتبره لبنة في مشروع أوسع لإعادة التوازن بين المجتمع والدولة. ومن هنا يكتسب مشروع “الجبهة النقابية الوطنية كنواة لجبهة اجتماعية موحدة” معناه الاستراتيجي، فهو ليس تكتيكا ظرفيا لمواجهة قانون بعينه، بل خيار بنيوي معلن بوصفه “خيارا استراتيجيا”، يقرأ المرحلة قراءة طويلة النفس تدرك أن المعارك الاجتماعية الكبرى لا تُكسب بالتشتت.

حين يعلن البيان الارتقاء بالفعل النقابي “من منطق التدبير الجزئي للمطالب إلى الإسهام في بناء ميزان مجتمعي قادر على حماية الحقوق وصون المكتسبات والدفاع عن الكرامة والعدالة الاجتماعية”، فإنه يجيب عمليا على سؤال قديم في الفكر النقابي: هل النقابة أداة تفاوض أم قوة تغيير؟

المنطق المطلبي التقليدي يقوم على معادلة بسيطة، ضغط يليه تفاوض وينتج عنه مكسب جزئي مقابل هدنة، وهو منطق أثبت محدوديته في السياق المغربي الراهن لسببين يشخصهما البيان نفسه:

·      أولهما أن الدولة لم تعد في موقع “المانح” الذي يُنتزع منه المكسب، بل انتقلت، بحسب توصيف البيان، إلى موقع “المهاجم” الذي يسترد المكتسبات التاريخية عبر التشريع (قانون الإضراب، قوانين التعليم، مخططات التقاعد..).

·      وثانيهما أن الحوار الاجتماعي بصيغته القائمة تحول من آلية إنصاف إلى آلية تدبير للاحتقان.

أمام هذين المعطيين، يصبح “التدبير الجزئي للمطالب” لعبا داخل ملعب يعاد رسم حدوده باستمرار على حساب اللاعب النقابي، ومن هنا يأتي مفهوم “الميزان”، فالمكاسب لا تُحمى بالمذكرات المطلبية بل بموازين القوى التي تجعل التراجع عنها مكلفا.

البيان ينقل بؤرة التفكير من “ماذا نطلب؟” إلى “ما القوة التي تجعل المطلب مسموعا أصلا؟”. وهذا هو جوهر التفكير الاستراتيجي: الاشتغال على شروط الفعل لا على الفعل وحده.

“من إدارة المطالب إلى بناء الميزان” ليست شعارا بلاغيا بل إعادة تعريف لوظيفة النقابة ذاتها، من وسيط تفاوضي يدير العلاقة بين الشغيلة والدولة، إلى فاعل تاريخي يشتغل على شروط تلك العلاقة نفسها، وقوة هذا التحول في وضوحه المفاهيمي وتدرجه البنائي وانفتاحه المشروط بالجدية، أما نجاحه الحقيقي فسيكون رهينا بقدرة مكونات الواقع النقابي، هيئات ونخب، على تفعيل وأجرأة مفهوم “النواة الجبهوية”.

يعزز هذا النضجَ الاستراتيجي الشعارُ المعتمد نفسه “شراكة في البناء، ووحدة في الموقف، وفاعلية مسؤولة في الميدان”. فالمفردات الثلاث، الشراكة والوحدة والمسؤولية، مفردات فاعل يفكر بمنطق البناء التراكمي لا بمنطق ردود الفعل اللحظية.

2- الواقعية النضالية، قدمان على أرض المعارك الفعلية

الواقعية النضالية ليست اعتدالا ولا تهدئة، كما أنها ليست نقيض الراديكالية بل نقيض الوهم، هي تعني أن يشتغل الفاعل على المعارك الموجودة فعلا، بالفئات الموجودة فعلا، ضمن القيود الموجودة فعلا، دون أن يتنازل عن سقفه، والبيان يجسد هذا التعريف في ثلاث ممارسات نصية يمكن رصدها بدقة:

·      التعيين: أخطر ما يصيب الخطاب النقابي هو الغرق في العموميات: “الدفاع عن الشغيلة”، “مواجهة الهجمة”، “التصدي للتراجعات”. هذه لغة لا تُحاسَب لأنها لا تَعِد بشيء محدد، والبيان يقطع مع هذا النمط قطعا شبه كامل، بتحديد النصوص القانونية وتعيين الفئات المتضامن معها.

·      الانخراط في المطالب المشتركة: اللافت للانتباه منهجيا أن قائمة الملفات المطلبية في البيان تتطابق مع مطالب الشغيلة والحركة النقابية المغربية.

هذا الاختيار محسوب بعناية، ويؤدي وظيفتين متكاملتين. الوظيفة الأولى تفنيدية تمثل الرد العملي على تهمة “توظيف النقابي لخدمة السياسي”، فحين تكون مطالبك هي مطالب الجميع حرفيا، يسقط الاتهام بالأجندة الخفية أو يضعف على الأقل، والوظيفة الثانية تمهيدية لبناء الأرضية المشتركة التي ستقوم عليها الجبهة المنشودة، فالجبهات لا تُبنى على المرجعيات بل على الملفات، والبيان يقول عمليا لباقي الفاعلين: ملفاتكم هي ملفاتنا، فما الذي يمنع التنسيق؟

بهذا المعنى، الواقعية النضالية هنا في خدمة النضج الاستراتيجي: تعيين الملفات المشتركة هو الإسمنت الذي سيُبنى به مشروع الجبهة.

·      إدارة القيد دون الاستسلام له: يمر البيان على وضعية القطاع المقيدة بعبارة واحدة شبه عابرة: الإشادة بجهود أبنائه “رغم ظروف التضييق والإقصاء”، وفي موضع آخر يطالب بإنصاف “الأطر المعفية والمرسبين بسبب انتمائهم السياسي والنقابي”. هذا الاقتصاد اللغوي في الحديث عن الذات المتضررة قرار بلاغي واعٍ وعقلاني، فالتنظيم الذي يعاني فعلا من القمع والتضييق كان بوسعه أن يجعل مظلوميته مركز البيان، وهو ما لم يفعله حين أدرج ملف المعفيين والمرسبين ضمن قائمة المطالب العامة (لا في فقرة شكوى خاصة) رفضا للتمييز على أساس الانتماء السياسي.

اللافت في البيان أنه لا يخوض معارك متخيلة ولا يرفع مطالب فضفاضة، بل ينخرط في الملفات النقابية الوطنية الملموسة كما هي مطروحة اليوم على كل الفاعلين: قانون الإضراب، مشروع القانون 66.23 الذي يستهدف استقلالية مهنة المحاماة وحصانتها وتنظيمها الذاتي، وكذا الأساتذة موقوفي الحراك التعليمي، وموظفي التعليم العالي، وعمال شركة سيكوم بمكناس، وملف صناديق التقاعد، وظاهرة المناولة والوساطة في التشغيل…

الواقعية النضالية في هذا البيان ليست نبرة بل منهج توثيقي يشمل قوانين بأرقامها، وفئات بصفاتها، ومقاولة باسمها ومدينتها، وهي واقعية تؤدي وظيفة مزدوجة، تفنيد تهمة التسييس وتمهيد أرضية الجبهة، وتدبير قيد التضييق بكرامة من يعطي رغم الحصار لا بلغة من يشكو.

3- المسؤولية الوطنية، الانحياز لقضايا الشغيلة لا للذات التنظيمية

·      يتحرك البيان في مستوى ثالث متجاوزا التنظيم والقطاع معا نحو الهموم الكبرى: الأمن الطاقي والغذائي، السيادة الاقتصادية، الخدمات العمومية الاستراتيجية، والحق في التعليم والصحة والشغل والسكن والحماية الاجتماعية “لعموم الشعب المغربي دون إقصاء ولا تهميش”. فالدفاع عن المرافق العمومية ضد التفويت ليس مطلبا فئويا يخدم منخرطي القطاع، بل موقف من نموذج الدولة ووظيفتها الاجتماعية.

·      حين يرفض البيان “تفويت المرافق والخدمات العمومية الاستراتيجية”، فهو لا يدافع عن مناصب شغل موظفي هذه المرافق فقط، وهذا هو المنطق الفئوي الكلاسيكي، بل عن وظيفة الدولة الاجتماعية ذاتها، أي عن المستفيدين من الخدمة قبل مقدميها.

·      والأمر نفسه في الإصلاح الجبائي: المطالبة بإصلاح “جذري وتشاركي” للمنظومة الجبائية تتجاوز سؤال الأجور إلى سؤال العدالة في توزيع الأعباء العمومية، وهو سؤال مواطنة لا سؤال نقابة.

·      وتتجلى المسؤولية الوطنية كذلك في لغة اليد الممدودة: فالبيان يعلن “استعداده للانفتاح على كل المبادرات الجادة” لتوحيد الجهود بين القوى النقابية والحقوقية والمدنية، أي أنه يقدم نفسه شريكا في مشروع جماعي لا وصيا عليه، ويشترط الجدية لا الهوية، وحتى في بعده الأممي: إدانة حرب الإبادة ورفض التطبيع، يعبّر البيان عن انسجام مع موقف وجداني مغربي وشعبي عام، ما يجعله ناطقا بضمير جمعي واسع لا بحساسية تنظيمية خاصة.

المسؤولية الوطنية في هذا البيان ليست ادعاء بل بنية خطابية متسقة، مطالب مركزها “عموم الشعب” لا المنخرطون، ونقد للدولة باسم وظيفتها الاجتماعية، ولغة شراكة تنزع فتيل خوف الشركاء من الهيمنة، وموقف أممي يلتحم بالإجماع الشعبي.

خلاصة:

بهذه العناصر الثلاثة، يقدم البيان نفسه وثيقةَ فاعلٍ نقابي بلغ مرحلة الرشد، يفكر استراتيجيا في الميزان لا ظرفيا في المطلب، ويناضل واقعيا في الملفات المسماة لا خطابيا في العموميات، ويتحمل مسؤوليته الوطنية بالانحياز لقضايا عموم الشعب ومد اليد لكل الشركاء.