بناتنا والحجاب |1|

Cover Image for بناتنا والحجاب |1|
نشر بتاريخ
الجماعة.نت
الجماعة.نت

بقلم: تورية البوكيلي

ما زالت تربية الأولاد تؤرق الكثير مِن الآباء والأمهات، وكلما كبر الولد وكبرت البنت بدأ القلق يزيد، كيف لا، ونحن في عالم شديد السرعة والتغير، كثرت فيه الفتن والإغراءات، وتصاعـدت تحدياتـه ورهاناتـه. كما أن أشـكال التطــور التكنولوجـي انعكـس علـى الوالدين، فغيـر مـن رؤيتهمـا وأسـاليبهما، وانعكـس كذلـك عـلى الأولاد، فغـير مـن توقعاتهـم وسـلوكياتهم، مما أدى إلى بروز العديد من الإشكالات التي تطرح نفسها بحدة. ومن القضايا التي أرقت الوالدين ومازالت تؤرقهم قضية الحجاب أو اللباس الشرعي كما نؤثر أن نسميه، حتى أصبح من أكثر المواضيع حساسية وتصدراً لعناوين النقاش في العصر الحديث.

قال رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم: “سوف يأتي على أمتي زمان المحافظ فيه على دينه كالقابض على الجمر..” (رواه الترمذي)، وذلك لكثرة الفساد والفتن والمغريات ولمشقة التمسك بالدين واتباع السنة، فأبناؤنا وبناتنا ليسوا استثناء، فهم يتعرضون لتحديات جمة، أهمها تحدي المحافظة على الالتزام بثوابت ديننا الحنيف، ومنها ارتداء الحجاب. فتصورات الفتاة للعالم من حولها مزيج من صور متعددة من التبرج، سواء ما يعرض عبر الفضائيات أو غيرها من وسائل الإعلام الجديد، أو ما تشاهده في المدارس أو الجامعات، بل حتى في دائرة الأسرة والأقارب، ومجموع هذه التصورات هو ما يشكل وعي الفتاة؛ فهي الآن في طور تشكيل القَناعة في اللاشعور لعدة محاوِر تتعلق بالحجاب؛ كالأهمية، والعمر الملائم، وطريقته أو أسلوبه، وغيرها.

والمشكلة أن الوالدين في غفلة عن هذا التشكيل غير المباشر، إذ نرى أن أمر ارتداء الحجاب من المسلّمات، وهو بعيد عن مسألة إقناع الفتاة به وبذل أي جهد في ذلك، وهذا غير صحيح في زمن العولمة والانفتاح. فالفتاة المسلمة تعيش اليوم حيرة كبيرة، عقيدةً وتصوراً وسلوكا، ومن أعظم أسباب هذه الحيرة التناقضُ بين ما ورثته وبين ما تعيشه، التناقض بين الموروث من التعاليم الدينية والقيم الحياتية. فأصبحن يستمعن إلى أقوال غريبة عن الحجاب، وعما يجب الالتزام به. فهناك من ترى في الحجاب إهانة للمرأة! ومن ترى أنه حرية شخصية تقدّرها الفتاة برغبتها! وأنه تخلف ورجعية، وأنه يغطي جمالها، ولا يمكن أن يجتمع مع الأناقة، وهو عادة اجتماعية ليس لها أي جذور دينية.

وهذه الدعاوى لا قيمة لها عقلا؛ فالإسلام قد اجتاز مرحلة التشكل والتطور إلى مرحلة الثبات والاستقرار، اكتملت فيها أركانه وتحددت معالمه، واستقر على ثوابت وأصول شكلت عموده الفقري، ونحن نرى أن اللباس الساتر باستثناء الوجه والكفين والقدمين عبادة؛ باعتباره من ثوابت الإسلام التي اتفق عليها المسلمون خلال أربعة عشر قرناً مضت.  فهذا المفهوم السامي والعظيم يجب أن يصل إلى قلب ووجدان الفتاة؛ وذلك تحقيقًا لمرضاة الخالق عز وجل وامتثالا لأمره.

الحجاب والجمال

إن الجمال قيمة من القيم الأساسية التي نطقت بها الآيات في الكتاب المسطور والكون المنظور كليهما. والمتأمل في النصوص الشرعية -قرآنا وسنة- يجد أنها تؤكد على العناية بالجمال باعتباره قيمة أساسية، سواء تعلق الأمر بجمال الظاهر أو جمال الباطن، وتعمل على تنمية الإحساس الجمالي لدى المسلم، وهذا ما يشير إليه قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: 8-6]، فالإنسان مخلوق على شكل معيّن وعلى صورة رائعة ومتناسقة تبين الجمال الإلهي في الخلق والإبداع. وكل ما خلقه الله عز وجل جميل يحمل في طيّاته الجمال الطبيعي الفطري، الذي يسمح للإنسان نفسه أن يستمتع به في أي وقت وفي أي مكان في حدوده الشرعية التي ضبطها الشرع الحنيف.

فطرَ الله النفوسَ على الإحساس بالجمال وحبِّه والميل إليه، وشرع من الدين ما يتمم هذه الفطرة الجميلة ويرعاها؛ ليزداد الإنسان جمالا إلى جماله، لذا فإحساس الأنثى بالجمال وحبِّها له أمر فطري، شريطة أن يقومه الإيمان. فجمال المرأة مثلا يؤدي إلى إثارة الشهوة لذلك أمر الله الرجل بغض البصر حتى لا يؤدي هذا الجمال إلى ما لا يحمد عقباه.  كما أمر أيضا المرأة بغضّ بصرها عن وسامة الرجل، فلا يحل لها التمعن في النظر خوفا من الافتتان والوقوع في الحرام، لذلك كانت الحدود والضوابط في هذا المجال ضرورة شرعية تقتضيها العلاقات الإنسانية.

لقد نظر الإسلام لجمال المرأة نظرة شاملة ونافذة إلى الأعماق، فحدد لها معالم الجمال التي تجمع بين جمال القلب والعقل والجسد، فتزداد المرأة جمالا على جمال بطيبة قلبيها، وصفاء روحها، ونفسها الطيبة، وبرجاحة عقلها وسرعة بديهتها، وبحسن تصرفها وسمو ذوقها. فالجمال المطلوب هو الذي يزين الإنسان من الداخل ويجعله قريبا من الله عز وجل، لأنه سيتشبع بمعاني الروح من خلال ما ازدانت به القلوب بالتقوى والورع، وتجملت الأعمال بالأخلاق الحسنة والقيم النبيلة، وابتعدت النفس عن الاشتغال بمظاهر الجمال الجسدي. وهذا ما أكده الحبيب المصطفى عليه السلام: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» (رواه مسلم).

الحجاب والأناقة

الأناقة، الموضة.. مفردات باتت حديث المجتمعات، بل إن الأمر تعدى ذلك وصار مادة خصبة ليس لها انتهاء في القنوات الفضائية والإذاعات والمجلات والمواقع الإلكترونية، ناهيك عن الأسواق التي تعنى بذلك، بل ومراكز ومعاهد ودور متخصصة في كل ذلك، حتى باتت هذه المفاهيم تسري متبخترة على قائمة اهتمامات بناتنا وأولوياتهن! وهنالك من يسأل: هل تأنق الفتاة المسلمة وطلتها تتعارض مع زيها الشرعي وضوابطه ومحدداته؟ بمعنى أدق؛ هل اهتمامها بهندامها وعصريته يخرجها عن التزامها الشرعي؟

للإجابة على هذه السؤال، لا بد لنا أن نعرف أن حاكمية هذا الموضوع تكمن في معرفة معايير الأناقة ومحدداتها، إذ نلاحظ أن الإعلام وبحثه عن المكاسب المادية ومن خلفه مدعّو التحرر والمدنية، قد وصفوا الزي الإسلامي المحتشم بأنه مبتذل موروث، وأن المرأة التي تلتزمه غير مهتمة بنفسها ولا تعي مفاهيم التحضر والتمدن. في حين أن حفاظ المرأة على أناقتها ونظافتها وجمالها إنما هو ما تندب إليه الشريعة، فلم يثبت لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما يناوئ أو يجانب مفاهيم الاهتمام بالذوق السليم والهندام اللائق، إلا أن كل ذلك كان مشروطا بمراعاة الضوابط الشرعية. فحدد الشرع شروطا للباس الإسلامي، فحث على طهارة الثوب ونظافة الجسد وأناقة المظهر.

إن الإسلام قد حرص كل الحرص على مجاراة فطرة المرأة في الاهتمام بجمالها ومظهرها، بل إنه اهتم بزينتها وأناقتها بشكل خاص، ومنحها الرخصة في ذلك أكثر مما منح قرينها الرجل، خصوصا في موضوع لبس الحرير والذهب، وهو بذلك قد جارى نداء أنوثتها، ولبى ميل نفسها نحو التزين والتأنق. من هنا نعلم أن الأناقة والجمال والنظافة والترتيب سنة ربانية، وتربية نبوية، يحسن بالمسلم أن يأخذ بها.

الحجاب والحرية

الحرية في الإسلام وصف فطري أساسي في الإنسان، وقد خلقه الله تعالى على هذه الصفة الكريمة تكريماً له، وإعدادا له لحمل مهمتي العبادة والإعمار، وهذه الحرية لا تعني أن يفعل الإنسان ما يشاء ويترك ما يريد، ولكنها تعني أن يفعل الإنسان ما يعتقد أنه مكلف به، وما فيه الخير لصالح البشر أجمعين. ويدخل تحت هذه القاعدة كل فرض أمرنا به الله عز وجل وحثنا عليه رسوله الكريم، ومن هذه الفروض الحجاب وشروطه التي فرضت على المرأة، والتي لم تكن إلا لسد ذريعة التفسخ الذي ينتج عن التبرج بالمبالغة في الزينة، وهذا ليس تقييداً لحريتها، بل هو وقاية لها من كل ما يمكنه أن يضر دينها وأن يخدش كرامتها.

فالإسلام لم يمنع الفتاة أن تمارس حياتها كما تحب، بل إنه لم يطالبها أبداً بالزهد الكامل في الدنيا، فهو يطلب منها أن تكون من خيرة الشباب وأفضلهم، وأن يكون لديها علم ووعي وثقافة في مختلف العلوم، وأن تكون كذلك من خيرة الناس وأقدرهم على فعل الخيرات. ويطالبها كذلك بأن تعرف ما لجسدها من حقوق كالغذاء والرياضة فتؤديها، ويتيح لها الترويح عن نفسها بالتسلية والمتعة بالحلال وفي غير محرم. كما يطالبها بمعرقة حق أهلها وتأدِيته بحسن رعايتهم وصحبتهم، وبتأدية حق المجتمع بالعمل بكل ما هو لصالح الإسلام والمسلمين.. وفوق كل هذا وذاك يطالبها بمعرفة حقَّ الله بحسن عبادته وطاعته.

فالحجاب لا ينافي الحرية، بحيث لا يتقيد بلباس معين، وإنما هو كل ما يستر العورات ولا يصفها أو يشف عنها، فللفتاة أن ترتدي ما يناسب حرية حركتها مما يحقق شروط الحجاب الشرعي، ولنتذكر جميعا أن أمهات المؤمنين والصحابيات كن يتحركن بكامل الحرية: يسافرن، ويحاربن مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ويعالجن الجرحى، ويمارسن شتى الأنشطة في الحياة، دون أن يعيقهن الحجاب عن الحركة.