حين انحسر ماء الطوفان واستوت سفينة نوح على الجودي، لم تكن تلك مجرد لحظة نجاة من الغرق، بل لحظة ولادة جديدة للإنسان والتاريخ. الجودي صار رمزًا لرسوّ سفينة الحق بعد أن طغى الباطل وملأ الأرض فسادًا. كل إفساد يضرب البشرية إنما ينتهي بجودي جديد: أرض تستقبل الناس بسلام جديد، وعدل جديد، وعمران جديد.
اليوم تُبتلى فلسطين بإفساد لبني إسرائيل جديد: إفساد دم ودمار وحرائق، إفساد يُراد له أن يَطمس الأرض ومن عليها. لكنها ليست غريبة عن سنن التاريخ. لقد مر عليها إفساد كثير، وخرجت منه أصلب وأبقى، لأنها تحمل سرًّا مكتوبًا في قدر الله: إنه وعد الآخرة، أن تكون الأرض التي تتجرأ على الباطل وتستقبل العدل الآتي.
فلسطين… جودي التاريخ المتواصل
إذا كان الجودي مقامًا لنجاة البشرية بعد الطوفان الأول، فإن فلسطين كانت دائمًا مقامًا للجودي المتكرر عبر الزمن:
جودي الإيمان: منها بعث الأنبياء، وعليها تكامل الوحي، وفيها نزل القرآن أول ما نزل بالإسراء.
جودي العدل: دخلها الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلا دم ولا تطهير عرقي أو إبادة، بل بعهدة تحفظ للناس دينهم وأرضهم.
جودي الصمود: تعاقبت الإمبراطوريات، وبقي أهلها ثابتين لا يغادرون أرضهم.
تظهر الأجيال والكيانات وتغيب، وتبقى القدس شاهدة على أن هذه الأرض لا تخضع إلا للذين يأتون بحق.
جودي الحرية: يوم تخلص فلسطين من أغلال الاحتلال وتطهير المقدسات من رجز ورجس الصهاينة الأنذال.
الطوفان الحالي… تمحيص إلهي
ما يجري في فلسطين ليس مجرد صراع حدود، بل غربلة كُبرى:
غربلة للقوة: لتنكشف الجيوش المدججة ولا تنتصر.
غربلة للأخلاق: ليظهر ظلم الصهيونية عاريًا أمام العالم الذي لم يعد يخدع بسحر السرديات الصهيونية.
غربلة للأمة: ليميز الله الخبيث من الطيب داخل الأنظمة والمثقفين والنخب والعلماء..
طوفان الأقصى يفضح ويمهد:
يمهد لجودي جديد ستستوي عليه سفينة فلسطين.
سير الرجال… أشرعةٌ في وجه العاصفة
كما احتاج نوح إلى رجال آمنوا به في الطوفان، تحتاج فلسطين إلى قامات كبرى:
رجال ونساء من ترابها يقفون بصدورهم أمام الحديد.
شهداء يكتبون بدمهم ميثاق البقاء.
أحرار في العالم كلّه يحركون الضمير الإنساني.
هؤلاء هم أصحاب السفينة اليوم.
كما كانت سفينة الصمود لافتة لوحدة الضمائر الحية والإرادات الخيرة.
من سيدنا يوسف إلى سيدنا داوود إلى صلاح الدين إلى السنوار والضيف وهنية والبرغوتي… والعاقبة تتكرر.
فلسطين شهدت:
البلاء مع سيدنا يوسف، لكن مع البلاء التمكين
احتلال جالوت، لكن بعده انتصر سيدنا داوود
سقوط القدس، لكن بعده صلاح الدين، وكلما سقطت فلسطين قيد الله لها من الأبطال من يقاوم ويستأنف مسيرة التحرير الشامل.
الجودي القادم: فلسطين المحرّرة
حين يستنفذ الإفساد مداخله، ويبلغ الباطل غايته، يطلع الفجر من وسط السواد.
ذلك الفجر هو استواء فلسطين على جودي التحرر:
القدس بدون حصار ولا احتلال
الأرض لأهلها، والدماء لا تذهب هدرًا
عمران جديد قائم على العدل والأخوة لا العنف والكراهية
سلام يولد من قوة الحق لا من جور السلاح
إنه جودي المعنى: أن تقف فلسطين على قدميها بعد أن أرادوا لها الغرق.
لكن سفينة فلسطين لا تغرق لأن السفينة ليست خشبًا ومسامير… السفينة إيمان شعب لا يساوم على حقه.
والجودي ليس جبلًا فقط… بل مقام النصر حين يأذن الله.
بعد الطوفان، ستستوي فلسطين على الجودي
لأنها كانت دائمًا:
أرض البداية
وأرض النهاية
وأرض العاقبة للذين آمنوا.