بدع سياسية: 1-جبرية البيعة الصورية

لا نريد أن نفرع الحديث في البدع الكلامية التي حبلت بها المصنفات القديمة في الجانب العقدي ولا نريد الدوران في فلكها أو بعث الصراعات الكلامية من جديد، لاسيما إذا كانت رهينة بزمن معين وسياقات تاريخية محددة، لكنه لابد من التذكير بمسائل عف عنها الزمن وطويت ولكنها ما زالت ترمي بظلالها في الواقع الإسلامي الحاضر مما يقتضي من الباحث الوقوف عندها والتدقيق في جوهرها ليصل إلى ما يساهم في تقويم اعوجاج التصورات وبناء منظومات معرفية كفيلة بتزكية أنفس وتغيير عقليات واستشراف نهضة وازنة للأمة.
ولابد في ديدن المبادئ والتصورات والعقائد: التفريق بين الاجتهاد البشري والرؤية الذاتية للأشياء وحقائق التاريخ، وبين القطعي المنصوص عليه الذي ينحبس الفكر البشري تجاهه عند فريق من أهل الفهم، وإن رأى أناس ضرورة الاجتهاد في النص القطعي الجزئي ليتساوق مع الكليات والمقاصد الكبرى التي لم تثبت بدليل مخصوص على وجه مخصوص بل حصلت عند علماء كثر انطلاقا من مقيدات ومطلقات ومجملات ومخصصات وجزئيات خاصة في مواقع ومواضع مختلفة كما ذهب إلى ذلك الإمام الشاطبي في الموافقات.
أما أن تبنى عقائد انطلاقا من اجتهادات بشرية يعوزها النص القطعي ثبوتا ودلالة فضلا عن ابتعاد سحيق عن الفهم العميق لأسرار التشريع ودقائقه وما كان عليه الرعيل الأول الذي قاد عملية التغيير العالمي... فإن الأمر يستلزم نقدها وتمحيصها ومعرفة هناتها وجوهر الخلل الذي تحمله معنى ومنهجا.
ونرى لزاما التطرق إلى التصورات السياسية التي أثرت على جماهير الأمة سلبا وتركتها خانعة رهينة سيف مصلت على رقبتها لا تستطيع الفكاك عنه أو التخلص من وطأته خاصة إذا كانت خلوا من ثقل نافذ في الاقتناع بها أو الانجرار نحو التشبت بها عقديا.... على أساس أننا سنواصل نقد العقل الإسلامي في فروع من التصورات الأخرى إن سنحت الفرصة لذلك.
أولى البدع السياسية: جبرية البيعة الصورية
يذهب العلامة ابن خلدون في الفصل التاسع و العشرين من المقدمة في معنى البيعة إلى أنها
العهد على الطاعة، كأن المبايع يعاهد أميره على أن يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره، وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يديه تأكيداً للعهد... فأشبه ذلك فعل البائع و المشتري، فسمي بيعةً مصدر باع. وصارت البيعة مصافحةً بالأيدي... هذا مدلولها في عرف اللغة ومعهود الشرع، وهو المراد في الحديث في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وعند الشجرة وحيثما ورد هذا اللفظ)
.
ونحن نعرف أن من شروط عقد البيع وصحته التراضي بين الطرفين فضلا عن الخيار، أما الجبر والقهر والاضطرار والإكراه فإنها قواصم حقيقية تهد عقد البيع برمته، بل إنها تنسف أي تعامل بشري... ومن ثم فأساس البيعة عندنا وجوهرها حرية الشعب في اختيار الحاكم الذي تود مبايعته وتنصيبه حاكما عليها... نعم حرية حقيقية قبل الموافقة، وإلا غدت تلك البيعة صورية مباركة للاستيلاء والاستبداد وتوريث الأمة كمتاع للحاكم الآتي بدعوى إلزامها على أعناق الجماهير المستضعفة.
وإلزامية البيعة الصورية وإحكام الأمة داخل قيدها هو إمعان في إضعافها وتكريس لإذلالها وخلع لأهليتها في الاختيار، وسلخ لجوهرها وتقوية لنظام الاستبداد وإعلاء لراية القهر والظلم ونشر الفساد، وتساوق مع علماء السلاطين المتقنين لفن الإخضاع.
لاسيما وإن البيعة منذ ظهورها في النسق الإسلامي كبيعة العقبة والشجرة والنساء والسقيفة وغيرها تصرف اختياري بين حاكم ومحكوم يطبعه الحب والثقة والارتباط الوجداني والقيمي بينهما. لكنه أتى على الأمة حين من الدهر أصبحت البيعة سلاحا تقاد به الأمة قهرا من قبل الغوغاء المتسلطين والأغيلمة المتنفذين بل إنها الجودي التي ترسو عليه سفن أنظمة الاستيلاء والاستبداد وطغيان الفرد.
وقد أشار إلى هذا الملمح ابن خلدون كذلك حين وصف البيعة في صيرورتها الزمنية بقوله:وكان الإكراه فيها أكثر وأغلب، و لهذا لما أفتى مالك رضي الله عنه بسقوط يمين الإكراه أنكرها الولاة عليه، ورأوها قادحةً في أيمان البيعة، ووقع ما وقع من محنة الإمام رضي الله عنه. وأما البيعة المشهورة لهذا العهد فهي تحية الملوك الكسروية من تقبيل الأرض أو اليد أو الرجل أو الذيل، أطلق عليها اسم البيعة التي هي العهد على الطاعة مجازاً لما كان هذا الخضوع في التحية والتزام الآداب من لوازم الطاعة وتوابعها، وغلب فيه حتى صارت حقيقيةً عرفيةً).
لذلك نرى التحقيق في المصطلح وحمولته الحقيقية وإبعاده عن التقاليد الكسروية التي ألهَت (الفرد) ومكنت له وجعلت الأمة خاضعة لهواه، وما أحوجنا اليوم إلى الانعتاق من الأسر، واقتلاع الحرية من أشداق المستبدين وعملائهم الذين يزينون لهم فعال الإخضاع والإركاع وما يستتبعه الاستبداد من تجويع وتفقير وتجهيل وتمييع وهيمنة على الخيرات ومقدرات الأمة كلها.




