نظمت الجمعية المغربية مكارم للأخلاق والقيم يوم أمس الأحد 21 يونيو 2026 بالدار البيضاء، ندوة علمية عن: “التحولات البنيوية للأسرة المغربية” باعتبارها الركيزة المركزية في بناء المجتمع وصناعة الأجيال. وقد توقف المشاركون عند التحولات المتسارعة التي تعيشها هذه المؤسسة، مما يفرض ضرورة التأمل والفهم والنقاش حول أبعاد هذه التغيرات وتأثيراتها. وقد ركزت المداخلات في الندوة التي أدارتها الأستاذة وديان البخاري؛ على تشخيص واقع الأسرة من زوايا ديموغرافية واجتماعية وقيمية، مع البحث عن بدائل عملية لتعزيز استقرارها.
د. القسطاسي: الأسرة هي الفضاء الأول للتنشئة الاجتماعية
اعتبر الدكتور يوسف القسطاسي الباحث في الفقه المقارن، في أولى مداخلات هذه الندوة، أن الأسرة هي المؤسسة الاجتماعية الأكثر تأثرا في استقرارها واستمرارها، لكونها الفضاء الأول للتنشئة الاجتماعية وإعادة إنتاج القيم الثقافية والدينية والجماعية. وأشار إلى أن الأسرة المغربية ظلت عبر تاريخها الطويل تتميز ببنية تضامنية وتكافلية قوية، إلا أن العقود الأخيرة شهدت تحولات عميقة مست أبعادها الديموغرافية والاجتماعية والثقافية.
وأضاف المتدخل أن الإحصاء العام للسكنى لسنة 2024 كشف عن دخول المغرب مرحلة متقدمة من الانتقال الديموغرافي، حيث انخفض معدل النمو السكاني إلى أقل من 1%. موضحا أن هذا التراجع يتزامن مع تقلص حجم الأسر وارتفاع متوسط العمر المتوقع، مما يضع المجتمع أمام تحديات ديموغرافية جديدة.
وشدد القسطاسي على أن معدل الخصوبة في المغرب تراجع ليصل إلى 1.97 طفل لكل امرأة، وهو رقم يقع “دون عتبة الإحلال المطلوبة لتعويض الأجيال السابقة”. ونبه إلى أنه في حال الاستمرار على هذا النحو، فإن المغرب قد يواجه مستقبلا “خطر الدولة الفارغة من المواطنين”، وهو مسار يشبه ما عرفته دول أوروبية وأسيوية ولكن بسياقات تنموية مختلفة.
دة. آيت لوحي: الأسرة تمر بمرحلة انتقالية كبرى
من جهتها تحدثت الدكتورة إكرام آيت لوحي الباحثة في قضايا القيم والأخلاق، عن الأسرة المغربية باعتبارها مؤسسة اجتماعية محورية تتجاوز وظائفها مجرد إعادة الإنتاج البيولوجي لتصل إلى التنشئة الاجتماعية ونقل القيم والمعايير الثقافية من جيل إلى آخر. وأوضحت أن هذه المؤسسة لم تكن بمعزل عن التحولات العميقة التي شهدها المجتمع المغربي، مما انعكس مباشرة على النسق القيمي والأخلاقي الذي يؤطر العلاقات الأسرية.
وأضافت المتدخلة أن الأسرة تمر حاليا بمرحلة انتقالية كبرى تتأرجح فيها بين الحفاظ على رصيدها القيمي التاريخي الأصيل وبين الانخراط الفعلي في مقتضيات العصر. واستشهدت بمقولة المفكر مالك بن نبي بأن أزمة المجتمع لا تكمن في نقص وسائله المادية، بل في تحلل شبكته القيمية التي تعد الأسرة محضنها الأول.
ووقفت آيت لوحي على تحديد مفهوم القيم باعتبارها الغايات والمبادئ العليا الموجهة للفعل الاجتماعي، بينما تمثل الأخلاق الترجمة السلوكية والإجرائية لتلك القيم في الممارسة اليومية. وأشارت إلى أن هذا النسق “يشكل العقد غير المكتوب الذي ينظم الحقوق والواجبات” ويحفظ الهوية الثقافية للمجتمع عبر الأجيال.
د. سلمي: في حاجة مراجعة شجاعة للمسلمات التعليمية
وفي ثالث مداخلات الندوة، أكد الدكتور محمد سلمي الأستاذ الباحث في علم الاجتماع، أن التقرير الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط حول واقع الأسرة المغربية قدم أرقاما صادمة للكثير من المتتبعين والمهتمين. وأكد على ضرورة أن يواكب تفكيرنا وأدوات بحثنا سرعة التغيرات العالمية المفرطة، محذرا من الجمود الفكري والبحث عن الحلول الجاهزة التي لم تعد صالحة للواقع الحالي.
وأضاف المتدخل أن من أبرز المعطيات الصادمة “ظاهرة العش الفارغ”، حيث يغادر الأبناء بحثا عن الاستقلال أو بسبب الهجرة، مما يفرغ الأسرة من أدوارها الاحتضانية والتربوية. وأوضح أن هذا التحول نحو الأسرة النووية يأتي أحيانا كمطمح للهروب من سلطة الوالدين سواء من جهة الزوج أو الزوجة، مما يضع الزوجين وجها لوجه أمام ضغوط الحياة وغياب المعين.
ولفت سلمي على أن المقاربة العملية لإصلاح واقع الأسرة تحتاج إلى شجاعة لخلخلة الكثير من المسلمات، وخاصة فيما يتعلق بجدوى المنظومة التعليمية الحالية التي قد تساهم في تأخير سن الزواج دون تقديم مخرجات حقيقية. ودعا إلى التفكير خارج الصناديق مع استحضار الخصوصية الحضارية والثقافية والدينية للمجتمع المغربي بدلا من التقليد الأعمى لنماذج أعلنت إفلاسها في مواطنها.