اليوم العالمي للمرأة: سياقه ودلالاته

Cover Image for اليوم العالمي للمرأة: سياقه ودلالاته
نشر بتاريخ

اليوم العالمي للمرأة، أو اليوم الدولي للمرأة، هو اليوم الثامن من شهر مارس من كل عام، وفيه يحتفل عالميا بالإنجازات الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية للنساء. وتقام فيه آلاف الأنشطة في جميع أنحاء العالم، بدءا من التجمعات السياسية، والمؤتمرات التجارية، والأنشطة الحكومية. ويتم عرض منتجات الحرف اليدوية النسائية المحلية، والآداء المسرحي، وعرض الأزياء وغير ذلك[1].

الإطار التاريخي

الاحتفال بالثامن من شهر مارس، جاء على إثر عقد أول مؤتمر للاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي، الذي عقد في باريس عام المرأة العالمي سنة 1945م[2].

وفي1856 م خرج الآلاف من النساء، للاحتجاج في شوارع مدينة نيويورك، ضدا على الظروف اللاإنسانية التي كن يجبرن على العمل تحتها، ورغم أن الشرطة تدخلت بطريقة وحشية لتفريق المظاهرات، إلا أن المسيرة نجحت في دفع المسؤولين السياسيين إلى طرح مشكلة المرأة العاملة، على جداول الأعمال اليومية. وفي الثامن من مارس عام 1908م، عادت الآلاف من عاملات النسيج، للتظاهر من جديد في شوارع مدينة نيويورك، غير أنهن هذه المرة حملن في أيديهن قطعا من الخبز اليابس، وباقات من الورود في خطوة رمزية لها دلالاتها، واخترن لحركتهن الاحتجاجية شعار ” خبز وورود”، وطالبت المسيرة بتخفيض ساعات العمل، ووقف تشغيل الأطفال، ومنح النساء حق الاقتراع[3].

شكلت هذه المظاهرات، بداية تشكيل حركة نسوية متحمسة، داخل الولايات المتحدة، خصوصا بعد انضمام نساء من الطبقة المتوسطة، إلى موجة المطالبة بالمساواة والإنصاف، رفعن فيها شعارات تطالب بالحقوق السياسية، وعلى رأسها، الحق في الانتخابات. وبذلك بدأ الاحتفال بالثامن من مارس، كيوم المرأة الأمريكية، تخليدا لخروج مظاهرات نيويورك سنة 1909م. وقد ساهمت النساء الأمريكيات، في دفع الدول الأوربية إلى تخصيص الثامن من مارس كيوم للمرأة، وتبني مقترح الوفد الأمريكي بتخصيص يوم واحد في السنة للاحتفال بالمرأة على الصعيد العالمي، بعد نجاح التجربة داخل الولايات المتحدة الأمريكية.

غير أن تخصيص هذا اليوم بالاحتفال، لم يتم إلا بعد سنوات طويلة، لأن منظمة الأمم المتحدة، لم توافق على تبني ذلك إلا في سنة 1977م. عندما أصدرت قرارا، يدعو دول العالم إلى اعتماد واختيار يوم معين من السنة للاحتفال بالمرأة. فقررت غالبية الدول اختيار الثامن من مارس.

هكذا تحول هذا اليوم رمزا لنضال المرأة، تخرج فيه النساء عبر العالم في مظاهرات للمطالبة بحقوقهن ومطالبهن[4].

لماذا يحتفل سنويا بيوم المرأة العالمي؟

على الرغم من أن المرأة، تشكل حوالي 50٪ من سكان العالم، نجد أن وضعها الاجتماعي في بعض البلدان سيء مقارنة بالرجل، ففي أنحاء عديدة من العالم، مازال هناك العديد من الممارسات التي تمارس ضد المرأة، تستوجب من المرأة مواصلة السعي لإثبات ذاتها، ووجودها البناء في المجتمع، وكذا الكفاح من أجل الحصول على الفرص السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية.

لذلك فيوم ثامن مارس، يعتبر مناسبة عالمية لمناقشة واستعراض الإنجازات التي تحققت للمرأة، وكذا الطموحات المستقبلية من أجل مزيد من التقدم. وللاحتفال بالسيدات اللواتي ناضلت من أجل الدفاع عن حقوق المرأة، وتنتهز ناشطات وقيادات في الحركة النسائية مناسبة الاحتفال، لتقييم حصيلة الحركة النسوية، حول مواطن الإنجاز والإخفاق.

شعارات ودلالات

نعود للإطار التاريخي لليوم العالمي للمرأة، لنفهم السياق الذي جاء فيه، ونستشف أن له أصل غربي وله صلة وثيقة بعمل المرأة، وبالأخص المرأة العاملة، وهو نتاج سنوات من العمل الدؤوب والمتواصل، للحركة النسائية الاجتماعية الغربية، في شخص النساء المقهورات، اللاتي كن يدافعن عن قضايا، وحقوق المرأة في جميع المجالات.

بيد أن هذه المطالب الحقوقية، تطورت لتصل إلى أبعد الحدود، “حق ملك الجسد، وحرية التصرف فيه”، وهو شعار نادت به مؤتمرات الأمم المتحدة.

وتأتي الاحتفالات العربية بهذا اليوم، تقليدا في إطار تعاقدي بين الحركات النسائية والمواثيق الدولية، التي من بين بنودها اعتبار العمل المنزلي، “بطالة” لأن المرأة لا تتقاضى عنه أجرا، مما أدى بالمرأة إلى تثمين ما جاءت به البنود الأخرى، والتي في عمقها تستخف من الأمومة، والأسرة، والعلاقة الزوجية، باعتبارها تكرس مسألة العبودية والسجن والإذلال. وهي البنود التي جاءت، ضمن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة سنة 1979م، والمؤتمر الدولي للسكان والتنمية سنة 1924م، ومؤتمر بكين 1924 م،الذي ركز على قضية الحرية الجنسية، والإجهاض ومصطلح الجندر، وحقوق المرأة، كفرد ليست له علاقة بالأسرة، والمساواة المماثلة التامة بين الذكر والأنثى، والاستخفاف من الأمومة، وإلغاء مفهوم تمايز الأدوار[5].

تراكمات أوصلت المرأة الغربية إلى الشتات، الذي أصاب كيان الأسرة، بفضل تشبعها بأفكار هذه الشعارات، التي أصبح في ظلها الابن، لا يعير اهتماما لوالديه، والأم

لا تهتم باحتضان أبنائها، والزوج لا يقدر زوجته.

إن اليوم العالمي للمرأة، وما يدعو إليه من إكرام واحترام وحرية، لا يعترف إلا بتلك النموذج للمرأة الرائدة في عملها، في إطار المشاركة العامة، وتكريم الفاعلة منها والأكثر تأثيرا في محيطها، المبدعة في عملها. ويغيب النموذج الآخر، نموذج المرأة العادية المناضلة، التي تكافح بشكل يومي، والتي هي بدورها ينطبق عليها كل تلك المواصفات التي ذكرناها، إلا أن بساطتها وبعدها عن الأضواء، يحجبها عن التكريم والإجلال التي يقدم للأولى، وهو حيف من نوع آخر، تمارسه عالمية المرأة التي تقزم الدور الريادي للمرأة في يوم واحد، وكأنها لا تستحق الاهتمام والتكريم، إلا في ذلك اليوم.

إن اليوم العالمي للمرأة، هو تأكيد على أن الغرب في شخص الأمم المتحدة، تحاول أن تستنسخ النموذج الغربي للمرأة في العالم العربي الإسلامي، وتكريس نمطية الاحتفال به، وإقصاء من تكدح على أبناءها وبيتها، وهي التي ترفع شعار تحرير المرأة، وتناضل من أجل حقوقها كما تدعى . وهذا يدل على أن هذه المنظمات، إنما تعمل على استمالة المرأة الفاعلة في المجتمع، التي تستطيع أن تؤثر على الرأي العام من خلال موقعها، ولا يهمها من تعاني شظف العيش، من لا صوت لها .

نحن لسنا ضد العالمية، فالحكمة ضالة المؤمن أنا وجدها فهو أحق بها، ولسنا ضد الاحتفال بهذا اليوم، ولكن من المنصف أن نقرأ ما بين السطور، للسير على خطى ثابتة دون الذوبان، أو الارتماء في أحضان دعاوى لا تقبلها الفطرة، ولا العقيدة. ولا ننخدع بالشعارات الزائفة، التي تحمل بين طياتها الطعن في الإسلام، من خلال تبني قضية المرأة[6].

نحتفل بهذا اليوم بمرجعيتنا الإسلامية، وتاريخنا السباق لتحرير المرأة، ونستهدف كل النساء، ولا نقصي أحدا ونجعل كل أيامنا عيدا، نحتفي فيها بالمرأة زوجة، وعاشروهن بالمعروف[7].

والمرأة بنتا، “من عال جاريتين حتى يبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين، وضم أصابعه”[8].

والمرأة أما، وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما، وقل لهما قولا كريما، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا[9].

فيجب التنبه والحذر من كل ما يصاغ لنا، من قوانين ومواثيق، والأخذ بما يناسب ويوافق ثقافتنا الإسلامية .

وكل يوم، في كل عام، والمرأة في العالم بألف خير، حرة كريمة، يقظة فطنة.

[1] – مجلة المعرفة.

[2] – نفسه.

[3] – نفسه.

[4] – معتز الخطيب، “في اليوم العالمي للمرأة، يوم المرأة ” العالمية أم ” الغربية “».

[5]– معتز الخطيب ، « في اليوم العالمي للمرأة ، يوم المرأة ” العالمية أم ” الغربية “».

[6]- محمد سعيد رمضان البوطي، “المرأة بين طغيان النظام الغربي ولطائف التشريع الرباني”.

[7] – سورة النساء ، الاية 19.

[8] – سورة الإسراء، الآية 23.

[9] – أخرجه الامام مسلم في صحيحه ، كتاب البروصلة والاداب ، باب فضل الاحسان الى البنات، حديث رقم 2631، 2/ 1216.