مقدمة
إن الوفاء بالعهد، سواء مع الله أو مع الناس، جزء لا يتجزأ من البرّ والإيمان الحق، وإن المؤمن الصادق ليترجم إيمانه إلى سلوك واقعي، كما قال تعالى: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا، وأُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [سورة البقرة].
سأحاول في هذا المقال أن أسلط الضوء على مفهوم الوفاء وفضائله، مع ذكر نماذج من الوفاء، والإشارة إلى الوفاء في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين.
تعريف الوفاء
قال تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [سورة البقرة: 40].
وقال الإمام عليٌّ كرم الله وجهه: “الوفاء عهدُ الله في رقاب الخلق”.
وقال الغزالي رحمه الله: “هو الثبات على الحب وإدامته إلى الموت معه، وبعد الموت مع أولاده وأصدقائه، أو هو أداء الحق” [إحياء علوم الدين].
فالوفاء إذن هو تلك الصفة التي يتمتع بها الكرام، أصل الذوق السليم الرفيع الكريم. وهي صفة يشعر بها المرء دون أن يدركها إدراكًا ماديًّا، قال صلى الله عليه وسلم: «إن خيار عباد الله الموفون الطيبون» [رواه أحمد].
فضائل الوفاء
هو من صفات المؤمنين المفلحين الساعين إلى رضى الله والفلاح في الدنيا والآخرة، يربط بين العبد وخالقه، وبين أفراد المجتمع، ويضمن:
– استقرار العلاقات.
– حصول الطمأنينة النفسية.
– جلب محبة الناس وثقتهم.
– توثيق عُرى الصحبة والائتلاف والتعاون.
– حصول الأجر العظيم.
– إن الفرد الذي يفي بعهده مع الله يكون جزاؤه من جنس ما صنع، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [سورة البقرة].
– وهو خُلُقٌ عظيم، دالّ على التمام والإكمال.
نماذج من الوفاء
كان عليه الصلاة والسلام وفيًّا مع زوجاته، فحفظ لخديجة رضي الله عنها مواقفها العظيمة، وبذلها السخي، وعقلها الراجح، وتضحياتها المتعددة، حتى إنه لم يتزوج عليها في حياتها، وكان يُكرم صديقاتها، ويصل أقرباءها، ويذكرها بالخير بعد وفاتها، وهذا كله وفاء لها رضي الله عنها.
وكان صلى الله عليه وسلم وفيًّا لعمه أبي طالب، فلم ينسَ مواقفه في تربيته وهو في الثامنة من عمره، ورعايته له، فكان حريصًا على هدايته قبل موته، يستغفر له حتى نُهي عن ذلك.
الصحبة والوفاء
علاقة الصحبة بالوفاء علاقة جوهرية، فالوفاء هو أساس الصداقة الحقيقية، والصحبة الصالحة لا تكتمل بدونه.
الصحبة هي المجال الذي يُمارَس فيه الوفاء، والوفاء هو المعيار الحقيقي الذي يحدد حقيقة وجمال تلك الصحبة، فكلما زاد الوفاء ارتقت الصحبة وقويت.
الوفاء في فكر الإمام عبد السلام ياسين
يقول المرشد رحمه الله: “آمال الأمة لن تتحقق إلا إذا كان لكل عضو في جماعة الإيمان عهد مع الله وميثاق أن يستقيم على النصيحة، ويخاف عاقبة الغدر، فيقدم رعاية هذا العهد على عقد الإمارة، وعلى الاعتبارات الطارئة التي يبرر الناس بها تنازلاتهم عن الحق، حتى يهووا في نار جهنم بعد أن تسببوا في فشل الجماعة” 1.
أخذ الله الميثاق على رجال الدعوة من العلماء، فقال عز وجل: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران: 187].
فجند الله الوارثون الصادقون مخاطَبون بهذا القرآن، زمان انفراد الدعوة وزمان قيام الدولة. وهم مُحذَّرون من عاقبة الغدر، خاصةً منهم من وُلِّي من أمر جماعة الدعوة أو نظام الدولة مسؤولية. روى الإمام مسلم في صحيحه أنه صلى الله عليه وسلم قال: “لِكُلِّ غَادِرٍ لِواءٌ عِندَ اسْتِه يَوْمَ القِيامةِ، يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرِهِ، ألَا وَلا غَادر أعْظمُ غَدْرًا مِنْ أمِيرِ عامَّةٍ”.
خاتمة
إن الوفاء من مكارم الأخلاق وأجلِّها، إذ به تتحقق وتتقوى الصحبة في الله، وبه يتأتّى التغيير وإصلاح الأمة. ومن مظاهره أن نتذكر ونتدارس ونستنير بسير ومناقب من سبقونا بالإيمان، ونسير على دربهم في الجهاد والكينونة مع الصادقين، ونخصّ بالدعاء الخالص كل من أسدى لنا معروفًا، وأيُّ معروفٍ أعظم من الدلالة على الله بعد التيه والغفلة.