يعد الوفاء بالعهد ركيزةً أساسية من ركائز الإسلام، التي تقوم عليها علاقة العبد بربه وأخيه ومجتمعه؛ لأنه علامة على صحة الإيمان، في حين يعتبر نَقضُه صفة من صفات المنافقين.
وتجد هذه المكانة الجليلة أساسها النصي والروحي في آيتين كريمتين تتوسطان قلب التشريع القرآني في هذا الموضوع، وهما قوله تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا سورة الإسراء 33، وقوله سبحانه: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ سورة الأحزاب 23؛ حيث تجسدان البُعدَيْن الكوني والوجودي للوفاء: المسؤولية المطلقة أمام الخالق، والصدق الجوهري مع الذات، لتمثِّلا معًا الدائرتين المتكاملتين اللتين ترسيان الأسس لتلك العلاقة الإيمانية والاجتماعية.
المحور الأول: الدائرة الكونية.. الوفاء مسؤولية أمام الخالق
السياق القرآني للآية
يتجلى البُعد الكوني للالتزام في قوله تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا؛ لأن العهد والوعد ليس اتفاقًا بين طرفين فقط، بل هو أمانة ومسؤولية مُلقاة على عاتق الإنسان، سيُحاسَب عليها أمام الله. هنا يرفع الإسلام من مكانة الوفاء بالعهد، ويعرج به من عُرف اجتماعي إلى عبادة وطاعة، الشيء الذي يجعله تجسيدًا حيًّا لمراقبة الله في السر والعلن. حيث إن هذه الآية جاءت في سياق عدد من الوصايا الإلهية تضمَّنتها سورة الإسراء، التي تُوجِّه الإنسان في تعامله مع الآخر، مثل (بر الوالدين، والإحسان إلى ذي القربى واليتامى والمساكين…). هنا يبرز الوفاء بالعهد كقيمة مرتبطة بالعدل والإحسان، مما يؤكد على أنه التزام أخلاقي وديني.
دلالات الآية ومفرداتها
• وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ: الأمر بالوفاء يشمل جميع أنواع العهود، سواء كانت بين الإنسان وربه كالالتزام بالعبادات والطاعات، أو بين الإنسان وأخيه كالعقود التجارية والزواج والصلح والمواثيق الاجتماعية والسياسية.
• إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا: هذه الجملة تذكير بالمسؤولية الناتجة عن العهد، حيث سيسأل الله تعالى الإنسان يوم القيامة عن عهوده: هل وفى بها أم نقضها؟ وهي صيغة تحذيرية تزيد من شعور المؤمن بقدسية الالتزام بالعهود.
مجالات تطبيق الوفاء بالعهد
• العهد مع الله: وهو ذلك الالتزام بأوامره واجتناب نواهيه، والوفاء بالنذور والعهود الشخصية مع الخالق.
• العهد مع الناس: الوفاء بالوعود، واحترام العقود، والحفاظ على الأسرار، والالتزام بمواثيق العمل والجوار.
• العهد مع المجتمع: يتجلى في احترام القوانين العادلة، والحفاظ على الممتلكات العامة، والوفاء بالاتفاقيات الدولية في حالة الحرب والسلم.
آثار الوفاء بالعهد على الفرد والمجتمع
• على المستوى الفردي: يورث الوفاء بالعهد طمأنينة النفس و يزيد من تقوى المؤمن كما يقول عز و جل: بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ[سورة آل عمران. الآية 76]، ويكسب صاحبه الاحترام والثقة، ويقوي علاقته بربه وبالناس.
• على مستوى المجتمع: يُعد الوفاء بالعهد أساسًا للاستقرار واستمرار التعاون والعدل، ودرءًا للفساد والخصومات؛ وتتجلّى هذه الحقيقة في أسمى صورها الميثاق الغليظ الذي يجسّده زواج المؤمنين، كما يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: “زواج المؤمنات والمؤمنين يُسبِغ عليه جلال الميثاق الغليظ قدسية، وتجلله الأمانة الإلهية، وتعظم من شأن تبعاته الكلمة. إن حفظت المرأة وقام الرجل بأعباء الميثاق الغليظ اكتست كل أعمالهما، وما يتبادلان من معروف، وما يتبادلان من عطاء، صبغة العبادة والتقرب إلى الله عز وجل….” 1
المحور الثاني: الدائرة الوجودية.. الوفاء صدق مع الذات
السياق القرآني للآية
كما ترسِّخ الآية الأولى قاعدة المسؤولية الخارجية، تأتي الآية الثانية من سورة الأحزاب: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾. نزلت هذه الآية عند ما اشتد الحصار على المسلمين في غزوة الأحزاب، حين بلغت القلوب الحناجر وزاغت الأبصار، فأنزلها الله دواء للقلوب وطمأنة للنفس. فكانت آية تخلد نمطًا فريدًا لحياة الإنسان، ليس لأنها تصف حال المؤمنين فقط، بل تصف حال قلوب المؤمنين؛ إنها عهد باطني مع الله، عهد تقوى وإيمان واستقامة. هذا هو جوهر الوفاء الوجودي الذي يترجم إلى استقامة في السلوك. فالوفاء بالعهود الظاهرة للآخرين هو انعكاس طبيعي لوفاء داخلي. هكذا تُبنى علاقة العبد مع نفسه على أساس النزاهة والانسجام الداخلي.
التخصيص والتكريم: “مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ”
• التخصيص: ليس كل المؤمنين بل رجال خاصون
• “رِجَالٌ”: تشير إلى القوة والثبات، فالوفاء يحتاج إلى رجولة وأخلاقية.
• “مِنَ”: لتبعيض مما يدل على أن هذه مرتبة عالية لا يبلغها جميع المؤمنين
الصدق الوجودي: “صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ”
• “صَدَقُوا”: لم يوفوا فقط، بل صدقوا في الوفاء. هنا حالة داخلية قبل أن تكون فعلاً خارجيًّا.
• “مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ”: يشمل:
– عهدًا عامًّا: وهو الإيمان والطاعة.
– عهدًا خاصًّا: كالنذر والالتزامات الشخصية مع الله.
– عهدًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: كبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي بيعة لله.
لا تعمل هاتان الدائرتان بمعزل عن بعضهما، بل تتداخلان في نسيج أخلاقي واحد لتكمل إحداهما الأخرى، مُشكِّلتين وفاءً متكاملاً. فالأولى ترسي للمبدأ الكوني الخارجي (مسؤولية مطلقة) وهي اختبار إلهي، حيث سيسأل العبد عنه أمام الله، مما يجعل الوفاء واجبًا يتجاوز العلاقات الاجتماعية. بينما تأتي الآية الثانية لتنفذ إلى الجوهر الوجودي الداخلي، فالصدق في العهد مع الله هو محكّ النفس الحقيقي. يتحول الوفاء من أداء شكلي إلى حالة قلبية من الإخلاص والنزاهة الباطنية. وهذا التداخل بين المسؤولية والصدق يخلق وفاءً راسخًا؛ فالمسؤولية تذكر بالرقيب الخارجي الله، والصدق يُصلح داخِلِيَّة القلب. فلا يكفي أن نوفي خوفًا من السؤال، بل يجب أن نوفي لأننا صادقون مع أنفسنا وعهدنا. وهكذا لا يكون الوفاء مجرد التزام بقانون، بل تصحيحًا للنية، وتزكيةً للضمير، وبناءً لشخصية المؤمن المتكاملة التي تجمع بين العبادة والمعاملة، والنزاهة والمروءة.