الوجه الأدبي الخفي في سيرة المربي: الإمام عبد السلام ياسين شاعرا

Cover Image for الوجه الأدبي الخفي في سيرة المربي: الإمام عبد السلام ياسين شاعرا
نشر بتاريخ

في الحديث عن الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، يغلب على الذهن وجهُه الأشهر: الإمام المربي والداعية المفكر والمنظر لحركة مجتمعية ذات امتداد مغربي واسع. غير أن الاقتصار على هذا الوجه وحده يُفوّت على القارئ بعدا آخر لا يقل دلالة في تكوين الرجل: البعد الأدبي، وبخاصة الشعر؛ إذ إن الشعر عنده لم يكن ترفا لغويا ولا تزيينا للخطاب، بل كان، في مجموعه، أداة تربية وتذكير وبناء معنى، ونافذة على عمق وجدانه الروحي ومخيلته البلاغية.

ولأجل مقاربة هذا الجانب، عملت على تنظيم الكلام وفق الثلاثية التالية: نبوغ منذ الصغر، إبداعاته الأدبية، قيمتها العلمية الأدبية، مع تمهيدٍ منهجي يضبط السؤال ويُعرّف سياق التجربة وخاتمة جامعة.

تمهيد منهجي: لماذا نبحث في شاعرية الإمام؟

في إطار استقراء إنتاجات الإمام الفكرية وسيرته الذاتية، يلوح سؤال في أفق هذه التجربة الغنية: هل كان الإمام شاعرا أديبا؟ وما بصماته في هذا المضمار؟ وما قيمتها الأدبية؟

ليس السؤال سؤالا ثانويا؛ لأن الشعر في الثقافة العربية، قديما وحديثا، ليس مجرد فن القول، بل هو مستودع الحس الجمعي، ومختبر اللغة والرمز، وصيغة مكثفة لصناعة التأثير. وعندما يكتب عالم أو مرب شعرا، تتولد أمامنا ظاهرة مركبة: الشاعر العالم أو الشعر بوصفه معرفة، ودعوة ووسيلة للبلاغ؛ أي أننا أمام شعر يشتغل بالوجدان لكنه ينهل من المعارف الدينية واللغوية، ويقترح رؤية أخلاقية تربوية للعالم. وهذا المعنى يؤكد تجربة الإمام، رحمه الله تعالى، الشعرية باعتبارها تكشف نزعة معرفية في شعره، لا تُفصل عن مشروعه العام.

ومن هنا تُفهم شعرية الإمام بوصفها جزءا من “منهاج” لا جزءا من “هواية”، ورافدا من روافد خطابه الإصلاحي.

أولا: النبوغ منذ الصغر: القرآن الكريم واللغة العربية بوصفهما بنية تأسيس

 1 الجذر السوسي الحاحي والهوية المركبة

إذا كان انتماء الإمام رحمه الله تعالى، إلى قبيلة حاحا من سوس العالمة، فإن نشأته المبكرة ارتبطت بمراكش الحمراء تعليما وتكوينا، مما يوحي إلى فضاء ثقافي أمازيغي عربي مزدوج.

والدلالة هنا ليست جغرافية فقط؛ بل ثقافية أيضا، لأن المغرب الجنوبي السوسي معروف تاريخيا بإنتاج العلماء والفقهاء واللغويين، وبمحاضن التعليم العتيق، وهو ما يجعل عبارة بلاد سوس العالمة ذات سند ثقافي عام.

 2 القرآن الكريم: صحبة تأسيس لا مجرد حفظ

تجمع المصادر التعريفية بسيرة الإمام رحمة الله عليه، على أنه تعلم في مدرسة بمراكش ارتبطت بالعلامة المختار السوسي وتلامذته، وأنه أقبل على حفظ القرآن والعلوم الأولى في سن مبكرة.

وهنا تبرز نقطة منهجية مهمة؛ فقد كان أول عهده مع مصاحبة كتاب ربنا سبحانه الذي عزز جوانب النبوغ والتميز في شخصية صاحبه خاصة وقد حمله بقوة، ووعت أنفاسه كلمه المقدس وحرص على تمثل معانيه وأحكامه وتشرب قيمه.

إن صحبة القرآن الكريم عند المربين ليست حفظا فحسب، بل تشمل:

  • تهذيب اللسان من خلال التمكن من العربية.
  • تربية الذوق من خلال الانفعال بالأساليب القرآنية.
  • تشكل الحس الأخلاقي من خلال تمثل القيم، واستحضار المراقبة، واستلهام المقاصد.
    وهذا يفسر لماذا يظهر في كثير من شعره لاحقا نفس قرآني واضح: في المعجم (الآخرة، المصير، النفس، التوبة)، وفي البناء الإيقاعي الذي يميل إلى التقرير والتذكير، وفي الغاية التي تقصد إيقاظ القلوب قبل إبهار الأعين.

 3 تعلم الشعر وعلوم العربية

تذكر المصادر أن الإمام رحمه الله تعالى، تعلم علوم العربية ومنها كتابة الشعر على أيدي تلامذة المختار السوسي في سن الثانية عشرة 1، وهذه الإشارة ثمينة لأنها تربط النبوغ ببيئة تعليمية كان فيها الشعر جزءا من صناعة اللغة، لا مجرد انفعال عابر.

 إن النبوغ الذي نقصده لا يفهم باعتباره ذكاء فرديا مجردا، بل بنية تأسيس قوية تجمع بين ثلاثية مميزة: القرآن الكريم، اللغة العربية مع البيئة علمية، ثم تتسع القراءة ويشتد الوعي مع الزمن.

ثانيا: إبداعاته الأدبية: ما الذي تركه الإمام في الشعر تحديدا؟

ترك الإمام عبد السلام ياسين نتاجا شعريا منشورا في أكثر من وعاء، ومن ذلك:

1 المنظومة الوعظية:

وهو عبارة عن ديوان شعري تربوي، يقول عنه الإمام الشاعر بلسان الأديب المتواضع: “إن كنت سميتها منظومة وعظية فلقصوري عن تعطير نظمي بشذى شعري، ولقصوري عن بث النكهة المنعشة من استعارة خفيفة، وإشارة لطيفة في متن نظمي” 2.

وهي متوفرة ضمن كتبه المطبوعة، وفي نسختها الرقمية ضمن موسوعة سراج 3، ويُشار فيها إلى بيانات طبعية تُثبت أنها صدرت سنة 1996  بعنوان: “المنظومة الوعظية” لعبد السلام ياسين.

والمنظومة، كما يوحي اسمها، ليست ديوان غزل أو وصف، بل نص ذو مقصد وعظي تربوي يشتغل على إيقاظ الهمم، واستحضار الآخرة، وتوجيه السلوك نحو معرفة الله تعالى.

 2 قطوف، سلسلة دواوين:

تظهر “قطوف” بوصفها مجموعة شعرية متسلسلة من عشرة أجزاء، ألفها الإمام رحمة الله عليه، سنة 1989، واستمرت السلسلة في الصدور بأجزاء لاحقة، وأدرج القطف العاشر ضمن موسوعة سراج بمناسبة ذكرى الوفاء التاسعة، كما تعرض موسوعة سراج تصنيف الدواوين، وتذكر ضمنها المنظومة الوعظية وقطوف بأجزائه العشرة.

واللافت في قطوف هو دلالة الاسم: قطف من بستان المعنى؛ أي وحدات شعرية كأنها ثمار متفرقة يجمعها مقصد القلب والسلوك، ومناهضة المترفين…

3 المجموعة الشعرية:

صدر عمل بعنوان المجموعة الشعرية للأستاذ عبد السلام ياسين، الجزء الأول، في حدود 380 صفحة 4.

وهذا الرقم من حيث الكم وحده كاف لإخراج المسألة من باب الشذرات العابرة إلى باب التجربة التي تستحق الدراسة.

 4 ملامح فنية عامة في شعر الإمام الأديب

لشعر الإمام رحمه الله تعالى خصائص أسلوبية عددها ثلة من الباحثين، أهمها:

  • المباشرة والوضوح.
  • جمالية النظم والرسالة البليغة دون تعمية رمزية مفرطة، وهذا ينسجم مع طبيعة الكاتب المربي؛ فالشعر عنده ليس لغزا، بل خطاب هداية بلسان موزون.
  • النظم المتأمل بنبرة جهادية دعوية.
  • عمق العاطفة وقوة الفكرة.
  • المعاني التربوية الإيمانية والمقاصد التجديدية.
  • العناية بالمصير الفردي والمصير الجماعي.
  • بناء الفرد وتعبئة الأمة.
  • ليست بصمة الإمام الشعرية قصيدة واحدة مشهورة، بل جسم شعري متنام في تعميق التربية وتقديم العظة، وإيقاظ الهمم، والعناية بقضايا الأمة… في تناغم مذهل وربانية مشرقة.

ثالثا: قيمتها الأدبية والعلمية

أركز على القيمة الأدبية الفنية والقيمة العلمية المعرفية.

1 القيمة الأدبية الفنية الجمالية

يمكن الإمساك بها إجمالا عبر مؤشرات مثل:

  • سلامة اللغة ووضوحها.
  • الالتزام بالبنية الإيقاعية العربية حيث حضور الشعر العمودي والوفاء للبحور.
  • الصدق الوجداني: وهو معيار نقدي مهم، يظهر حين تكون القصيدة امتدادا لتجربة روحية لا صناعة لفظية فقط.
    لكن ينبغي أيضا تسجيل ملاحظة نقدية مهمة؛ ذلك أن شعر الوعظ غالبا ما يتعمد تقوية الدلالة على حساب التعقيد الفني؛ أي أنه يرجح في وضوح تبليغ الرسالة وخدمة المقصد، وإن تجاوز أحيانا مساحة الرمزية أو المغامرة الأسلوبية. مما لا يعد، بالضرورة، نقيصة، بل اختيار جمالي مرتبط بوظيفة الشعر في مشروع صاحبه التي لا تفسد “المضمون جريا وراء الجمالية والصنعة والتنميق الفني” 5.

 2 القيمة العلمية المعرفية

في الأدب الحديث، هناك اتجاه نقدي يدرس البعد المعرفي للأدب كيف ينتج معرفة أو يستهلك معارف عصره. ومن يقرأ شعر الإمام يجد كثافة في:

  • المفاهيم القرآنية (النفس، التوبة، الآخرة، الإخلاص).
  • المعجم التربوي (المجاهدة، الهمة، الصبر، الصحبة).
  • توجيه الإرادة الجماعية (استنهاض الأمة، نقد الغفلة).
    فالشعر عند الإمام رحمه الله تعالى، حامل معرفة، ووسيلة البلاغ بطريقة أخرى، بل إن الإمام نفسه، لعنايته به، كان يعقد مجالس تطرح فيها المدارسة للشعر العربي ويبرز جمال اللغة العربية ومكانة الشعر في الثقافة، كما في حديثه عن كعب بن زهير والمعلقات وبلاغة المدائح النبوية، كما كان رحمه الله تعالى، يستدل بأبيات شعرية في خضم حديثه الشفوي، أو كتاباته المنشورة؛ وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن علاقته بالشعر ليست كتابة فقط، بل وعي نقدي ووظيفي كذلك، غايته تبليغ “كلمة لها مغزى تحمل معنى، تبلغ رسالة، لا أداة تسلية وبضاعة استهلاك” 6.

3  ما قيمة هذه التجربة في المشهد المغربي والإسلامي المعاصر؟

يمكن تلخيص الإضافة في ثلاث نقاط:

1. توسيع صورة العالم/الداعية من خطيب ومؤلف إلى أديب يملك أداة التأثير الوجداني.

2. إحياء الوظيفة التربوية للشعر داخل خطاب إسلامي معاصر، دون القطيعة مع الشكل العربي الموروث.

3. تقديم وثيقة وجدانية تعين الباحث على فهم المشروع من الداخل؛ فكتب المنهاج تُعرفك بالتصور، أما القصيدة فتعرفك بنبض التجربة.

الخاتمة:

إن تتبع الأثر الأدبي في شخصية الإمام عبد السلام ياسين لا يراد به تزيين السيرة ولا صرف النظر عن منجزه الفكري والتربوي، بل يراد به الكشف عن المنبع الجمالي الذي غذى ذلك المنجز. فالقرآن الذي صَحِبه منذ الصغر لم يصنع عالمًا بالمعاني فحسب، بل صاغ ذائقة تُحسن سماع الإيقاع وتذوق البيان، ثم جاء الشعر ليكون لغة ثانية للمشروع: لغة القلب حين يضيق عن النثر، ولغة الدعوة حين تريد أن تمس الروح قبل العقل. ومن هنا تغدو دراسة نبوغه المبكر، ورصد دواوينه ومجموعاته، وتقويم قيمتها الأدبية والمعرفية، مدخلا أصيلا لفهم الإمام الإنسان: الذي كتب ليقنع، ونظم ليوقظ.


[1] https://yassine.org/en/imam-yassines-journey
[2] سراج، المنظومة الوعظية، ص 25،  https://siraj.net/assets/books/pdf/20.pdf
[3] سراج، المنظومة الوعظية، https://siraj.net/assets/books/pdf/20.pdf
[4] يضم الدواوين الشعرية الخمسة التي صدرت إلى حدود 2013، وهي: ديوان شذرات، والمنظومة الوعظية وقطوف 1 و 2 و 3، والكتاب الذي صدر عن مطبعة صفا كرافيك، الطبعة الأولى 2013م -إلى جانب قرص سمعي بصري- هو من فكرة وإعداد الأستاذ عبد الفتاح ازبير، الذي قصد من عمله “إبراز وجه مشرق غير معروف عند كثيرين في شخصية الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، وممَّا يُعرِّف الناس به شاعرا أديبا، وقد عرفوه ردحا من الزمن” مربيا وعالما ومُفكرا وسياسيا وصاحب نظرية في التغيير. يتكون الكتاب من 380 صفحة مع مقدمة للكاتب الشاعر الأستاذ منير الركراكي. https://ar.yassine.net/%D8%A5%D8%B5%D8%AF%D8%A7%D8%B1-
[5] سراج، مصدر سابق، المنظومة الوعظية، ص 26.
[6] موسوعة سراج، المنظومة الوعظية، ص 15.