الوثيقة السياسية للعدل والإحسان وسؤال التوافق: لماذا تأخرت الجبهة السياسية؟

Cover Image for الوثيقة السياسية للعدل والإحسان وسؤال التوافق: لماذا تأخرت الجبهة السياسية؟
نشر بتاريخ

مرّت سنتان على صدور الوثيقة السياسية لجماعة العدل والإحسان، دون أن تُترجم الدينامية التي أحدثتها إلى جبهة سياسية معارضة، تنقل القوى المعارضة من تقاطعات خطابية وتنسيق ميداني ظرفي إلى أرضية توافقية واضحة بآليات تنسيق منتظم. وكان من المنتظر أن يُسهم صدور الوثيقة في اتخاذ خطوات في هذا الاتجاه لأسباب متعددة، منها: وزن الجهة المُصدِرة داخل المشهد السياسي، ومضمون الوثيقة نفسه بما حمله من انفتاح ووضوح ملحوظ، ثم الحاجة السياسية الملحّة إلى التأسيس لتوافق ينسق الجهود ويمنح مشروع التغيير سندا سياسيا قويا.

لا يختلف كثيرون حول الوزن السياسي للجماعة بوصفها أحد أكبر التنظيمات المعارضة في البلاد. كما يعرف المتابعون أن الجماعة ليست من الهيئات المُكثِرة من الكلام السياسي التفصيلي، فهي تميل إلى ضبط خطابها أكثر من إغراقه في التصريحات. لذلك، حين تصدر وثيقة بهذا الحجم، وتعرض فيها -بتفصيل لافت- تصوراتها للتغيير السياسي للمرحلة، يمكن قراءته بوصفه مؤشرا على استعداد أكبر للتواصل والسعي إلى توفير شروط التوافق. وقد عزّزت هذا الاستنتاج التصريحات التي رافقت صدور الوثيقة، حين شدد عدد من قياديي الجماعة على مركزية التوافق في تصورهم لمسار التغيير.

وفي الاتجاه ذاته، يلاحظ أن الوثيقة تجنبت اللغة الصدامية التي قد تستفز الخصوم أو تستدرج معارك مجانية، واعتمدت بدلا من ذلك خطابا هادئا وحازما في آن: حازما في تشخيص ما تعتبره أعطابا جوهرية، وهادئا في اقتراح مخارج تراعي التدرّج وتتجنب الحلول الصفرية. كما تفادت لغة الإقصاء تجاه أي مكوّن سياسي، مهما كانت خلفيته السياسية والأيديولوجية. ويمكن فهمه باعتباره سعيا إلى توسيع دائرة المشترك بما يمنح مشروع التغيير فرص النجاح والثبات، ويَحُول دون تحوّل أي انتقال ديمقراطي محتمل إلى انتقال هشّ ومرتبك.

ومع ذلك، مرّت سنتان دون أن تتبلور هذه الجبهة، رغم أن الوثيقة أثارت نقاشا إيجابيا شارك فيه سياسيون ومفكرون وإعلاميون، اختلفوا في نقاط، واتفقوا في أخرى، وفتحوا ملفات حيوية حول: طبيعة الدولة، شكل النظام السياسي، الحقوق والحريات، موقع المرأة في المجتمع، التعددية السياسية…

والمتابع لتلك النقاشات لا يكاد يلمس خلافا جوهريا حول الحدّ الأدنى الممكن الاتفاق عليه بين الفاعلين المصنَّفين ضمن القوى المعارضة للسلطوية، ولا نقصًا في الوعي بأهمية الجبهة السياسية الموحدة. وهو ما يجعل البحث في أسباب التعثر في ترجمة هذا النقاش إلى إطار جامع يتجاوز سؤال الانسجام السياسي إلى ما يُرجَّح أن يكون ضعفا في عنصر الثقة، خصوصا مع وجود رواسب صراعات أيديولوجية تُبقي بعض الفاعلين أسرى حساسيات قديمة وتُضعف مستوى التعقّل السياسي المطلوب.

ما معنى “الثقة” في السياسة؟ يمكن فهمها بوصفها علاقة قائمة على ما يسميه “هاردين” بالمصلحة المُغلَّفة، أي إن الفاعل يثق في الآخر لأنه يعتقد أن لهذا الأخير مصلحة في أخذ مصلحته بعين الاعتبار. فالثقة في السياسة ليست إحسان ظنٍّ أخلاقيا، بل توقّعٌ عقلاني مبني على قراءة دوافع الطرف المقابل وحساباته.

وفي سياق التحالفات السياسية، يعني ذلك أن الثقة تنشأ من اقتناع كل طرف بأن استمرار العلاقة يخدم مصالحه الاستراتيجية. فإذا غابت المصلحة المتبادلة الواضحة، ضعفت الثقة مهما كان الخطاب ودّيًا.

وعودة إلى سياقنا، يبدو أن هناك اتفاقا حول الأهداف المشتركة المرحلية المتمركزة في مقاومة السلطوية، وأن الفاعلين يدركون حاجتهم المرحلية المتبادلة إلى بعضهم بعضا، غير أن الإشكال ما يزال قائما حول الأهداف البعيدة، إذ يجد الفاعلون ذوو الخلفيات الأيديولوجية المختلفة تباينا بشأنها، بما يجعل المعلن في المستوى المرحلي يبدو – لدى بعضهم – مجرد تكتيك غير مضمون الديمومة.

ولا شك أن التباين الأيديولوجي حاصل، لكن حنكة السياسي تتجلى في قدرته على تحليل الآخر وفهم دوافعه ووزن مدى صدق التزاماته، وألّا يُترك التقدير رهينا لانفعالات الانتماء. وتظهر أهليته كذلك في جرأته على بناء التحالفات التي تقتضيها المرحلة، وألّا يسجن نفسه داخل خيارات “مثالية” غير واقعية، بدعوى “النقاء الأيديولوجي”، وكأن هذا النقاء شكلي لا يصمد إلا بالانكفاء على الذات، وغير قادر على تحمّل الاختلاف.

وإذا كانت الثقة – كما يذهب بعض الباحثين – تتعزز عبر إشارات موثوقة، أي عبر أفعال أو التزامات يصعب التراجع عنها دون كلفة، فيمكن اعتبار الوثيقة السياسية للجماعة إشارة مهمّة، إذ قيّدت الجماعة نفسها بإعلان مكتوب يوضح ويفصل توجهاتها ويجعلها أقرب إلى الالتزام القابل للمساءلة.

وقد أسهم ذلك في رفع منسوب الثقة، إذ بات ملحوظا أن جزءا من النخب المعارضة صار أكثر استعدادا للاشتغال المشترك، لكن ذلك ما يزال دون المنتظر من نخبة يُفترض أن تقود التغيير المنشود.

بعد سنتين، قد تكون القيمة الأهم للوثيقة أنها قدّمت مادة صريحة ومفصلة تساعد على تبديد سوء الفهم بين القوى الحية، وتتيح – إذا أُحسن التقاط الفرصة – بناء جسور حوار تتجاوز الاستقطابات الأيديولوجية. فالقضايا التي أثارتها الوثيقة ليست “قضايا أيديولوجية خاصة بالجماعة” بقدر ما هي أسئلة عمومية تهم الجميع: من يحكم؟ كيف تُوزّع السلطة؟ وما سبل تحقيق الكرامة والعدالة في السياسة؟ وكيف تُحمى الحقوق السياسية والاقتصادية للشعب؟

لعل الأيام القادمة تكون أقل تردّدا وأكثر حكمة وشجاعة، فالتحديات المقبلة كبيرة، ولا تُواجه إلا برؤية سياسية واسعة، وبقدرة على استثمار “المشترك” في تنسيق فعّال للجهود.