الوثيقة السياسية لجماعة العدل والإحسان في ذكراها الثانية.. تحديات وسياقات، هوية ومرجعيات

Cover Image for الوثيقة السياسية لجماعة العدل والإحسان في ذكراها الثانية.. تحديات وسياقات، هوية ومرجعيات
نشر بتاريخ

مقدمة:

تقف هذه المقالة عند الوثيقة السياسية لجماعة العدل والإحسان، وقد مرت على صدروها سنتان. ومرمى غايتها أن تذكر، والذكرى تنفع من تذكر، القارئ وعموم الباحثين والشعب عموما، بماهية الوثيقة، وسياقات إصدارها الدولية والوطنية، ومضامينها وبعضا من خصائصها ومقترحاتها لخلخة واقع الاستبداد العميق الذي تعرفه البلاد بفعل السياسات المتراكمة للتدبير السيئ للدولة المغربية منذ الاستقلال. ولعل إعادة طرح جملة هذه المعطيات تكون فرصة لإعادة التذكير أن الوثيقة قد قدمت عددا من المقترحات المهمة التي يمكن أن تكون منطلقا للإسهام الجماعي في إنقاذ البلاد.

تحديات الممانعة من خارج اللعبة النظامية

لم تكن لحظة “الربيع العربي” بآثارها وارتداداتها وتموجاتها المتلاحقة، لحظة عابرة في تاريخ الأمة العربية الإسلامية، ولم تكن مجرد حادث مضى وانقضى، ومر وانتهى، بل كانت لحظة كاشفة ودرسا مليئا بالعبر مكتنزة للدروس؛ بما كشفته من هذه البذرة وتلك الجذوة الكامنة في قلوب الجماهير التواقة للحرية والعدل والكرامة، وبما أظهرته من حجم التسلط الذي تضرب أطنابه نفسية وعقلية الحاكم العربي ليحب السلطة وليُبيد الشعبَ  كله من أجل حماية الكرسي، وبما فضحته من تمالؤ وتواطؤ الاستكبار العالمي في دعم الاستبدادات المحلية حفاظا على مصالحه الجيوستراتيجية ضاربا عرض الحائط شعاراته المرفوعة حول حقوق الإنسان والديموقراطية.

وتسري “تاريخية” هذا  الحدث على المغرب أيضا كما سرت على عديد من دول محيطه الإقليمي، فيضطر النظام المخزني المغربي في إطار تاريخه الماكر أن ينحني لعاصفة الحراك الشعبي في 20 فبراير 2011، وأن يوهم بإصلاحات دستورية وسياسية ممنوحة كالعادة ضاعت معالمها في طريق انتظار “التنزيل الديموقراطي” للدستور، وسمحت لفاعلين جدد بتصدر انتخابات متحكم في مدخلاتها ومخرجاتها كما مآلاتها، وليشهد المشهد السياسي المغربي القبول على مضض بصعود نجم تيار ذي مرجعية إسلامية، ولينبعث في الأفق عند من لم يعرف الجوهر التسلطي لبينة الحكم في المغرب أمل إمكانية إصلاح نظام سياسي عتيد متمرس في التلون والحربائية واللعب على كافة الحبال بحسب ما يستديم تسلطه ويخدم مصالحه. ولم يكن ذلك الانحناء الذي دبَّر من وحي الداعم الدولي بمكر لحظة “الربيع العربي” عبر إيهام مفضوح بتجديد “النظام” لنفسه، بل بـ”ثورته” على ذاته، ومنح دستور جديد صنع على يد خبراء “التحكم” و”التسييج” إلا حيلة مضطر لمجابهة عاصفة طموحات حركة 20 فبراير التي وسعت ونظمت الحركة الاحتجاجية، ورفعت من سقف المطالب الشعبية لإسقاط الاستبداد والفساد.

ستأتي لحظة “جائحة كورونا” وفعلها العام دوليا ومحليا، لتؤكد تأكيدا وتزيد تشديدا لمن صدق “أوهام تغيير” الوجه الكالح لنظام الحكم في المغرب، ولتبرز على السطح السمات البنيوية العميقة للدولة المخزنية المتجذرة والتي تُجمَع في وصف الاستبداد المتحكم في السلطة والمحتوش للمال، فتم استغلال الفرصة من أجل الحجر على المجتمع وتشديد التسلط على الفضاء العام، ومد مظاهر التحكم إلى مختلف مجالات الشأن العام، واسترداد ما قد اعتبر “حمى” تم التخلي عنه إلى حين بفعل ضغط الحراك الشعبي العارم المنذر بالانفجار في وجه الظلم والظُلاّم.

وإذا كانت  لحظة “الربيع العربي” قد أبانت في سياقها العام عن حجم تطلعات وطموحات الشعوب إلى ما ينقذها من براثن الديكتاتورية والتخلف والضعف والتبعية والهزيمة، وكانت لحظة “جائحة كورونا” في السياق الخاص المغربي مبرزة لمحصلة جامعة تؤكد هشاشة “العقيدة” الديموقراطية لدى النظام المخزني الحاكم في المغرب واستعداده لنسف كل جهود “المرور الديموقراطي” للعودة إلى مربعات التحكم والتغول والفساد والقمع والمنع، فإن أهم ما كشفته الأحداث حجم التحديات المرفوعة أمام قوى الممانعة المجتمعية خاصة تلك التي تشتغل من خارج قواعد اللعبة السياسية النظامية الرسمية وبالأخص قوى الفاعل الإسلامي، وهي التحديات التي تقف ضد إسماع مشروعها التغييري وتنزيله على أرض الواقع.

لقد أفهم النظام الدولي المتقلب بحسب ما تمليه المصلحة أنه غير مستعد للتنازل عن حربه ضد الإسلام والإسلاميين، ومُضيّه في نعتهم بكل أوصاف الإرهاب والتطرف، وبل ودعم أشد الأنظمة العربية دموية ما دامت ترعى تلكم المصالح التي يتهددها وصول “اللحى” إلى سدة الحكم وإن من بوابات “الديموقراطية” المجيدة، كما أفهم النظام المخزني المحلي بما افتعله من أزمات وعراقيل “البلوكاج” لحكومة “المنتخبين الجدد” عن تجذر مكره التاريخي في التلاعب بالفاعلين الحزبيين والدائرين في فلكه، لتلميع باطن التحكم بظاهر الواجهات الديموقراطية التي سمحت بتمريغ “سمعة” الفاعل الذي سمح له بصعود صهوة “الديموقراطية” قبل الإلقاء به في “وحل” التشويه المجتمعي بعد استغلال “رأسماله” الرمزي في تمرير أشد القرارات فتكا بالوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للشعب ولفئاته المحرومة.

سيكون المستخلص العميق المستفاد من تفاعلات جملة هذه الأحداث على الساحة الدولية والإقليمية والوطنية، أنَّ توسط الفاعل الإسلامي أو غيره من قوى التغيير الجادة معمعان الحكم وإدارة شؤون الدولة ومجابهة السنوات الطوال من التدبير السيئ للشأن العام دونه إشكالات كبرى، وعقبات شتى تفرض ضرورة فهم أعمق للواقع، وتدقيق أكبر لتصور معنى التغيير المنشود، وتفصيلا يقوم بأجرأة كيفيات التنزيل وطرائقه المقترحة، وهذا إنما يسوق إلى القول إن التغيير المستحق لاسمه لا يكون ضربة لازب، وأن الحكم ليس نزهة، وأن التغيير الجذري سيحتاج إلى التربية، وأن التربية ستحتاج إلى عمل أجيال وأجيال. ولعل هذا ما كان جوهر ما دأبت على عرضه جماعة العدل والإحسان في طروحاتها ومقارباتها السياسية التي كانت تجمع بين البعد العدلي والبعد الإحساني في تصورها المجتمعي، وتمركز توزين العامل الذاتي للفاعل الإنساني في عملية التغيير، وتلح على الحاجة إلى “منهاج” يكون خطة تربط العلم بالعمل، والفكرة بالواقع، والتصور بالتنزيل.

 الوثيقة السياسية لجماعة العدل والإحسان في سياقاتها المؤطرة

منذ تأسيس جماعة العدل والإحسان عام 1981، والتي كانت تسمى “أسرة الجماعة” آنذاك، والعدل يُشكل إحدى القضيتين الأساسيتين في تصورها ومسارها. تجلى ذلك في ما كانت تشمله برامج الجماعة من خطط للتوعية والتدافع، ووسائل لمواجهة الظلم ونصرة المظلومين والمستضعفين. وازداد الأمر وضوحا ورسوخا بعد الانتقال من اسم “أسرة الجماعة” إلى اسم “جماعة العدل والإحسان” عام 1987. فبهذه المناسبة، وجه الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله رسالة إلى عموم أعضاء الجماعة بيّن فيها دواعي تغيير الاسم، وأكد فيها على أهمية الجمع بين العدل والإحسان. في هذا السياق كتب رحمه الله: “قضيتا العدل والإحسان أمر الله تعالى بهما أمرا عازما في قوله تعالى: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان””. وكتب أيضا: “نحمل إخوتي شعار العدل والإحسان ليكون لواؤنا بين الدعوات ثائرا خفاقا بخفقان حب الله في قلوبنا، وخفقان الحب في الله، والذلة على المؤمنين، وحب المساكين، والجهاد في سبيل الله والمستضعفين، وليكون عنواننا في السياسة منشورا مشهورا، له أصالته من القرآن وله واقعيته من غضبنا لما تنتهكه الطبقة المترفة المستكبرة من حقوق الله وحقوق العباد”.

 وبعد أن عرفت الجماعة في تلك المرحلة بعض التغييرات على مستوى مؤسساتها وبرامجها، للملاءمة مع شعار “العدل والإحسان” من جهة، ومع ما عرفته الجماعة من توسع عددي وتنظيمي بحمد الله من جهة أخرى، شهد عام 1998حدثا هاما تمثل في تأسيس الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، لتكون جهاز الجماعة المتخصص بقضايا الشأن العام، تخطيطا وتأهيلا وحضورا وحوارا. وبالفعل، شكلت الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، على امتداد حوالي ربع قرن، ولا تزال بحمد الله، إضافة نوعية؛ ليس فقط على مستوى المسار الخاص للجماعة، ولكن أيضا على المستوى الوطني، وذلك عبر مشاركتها في العديد من المبادرات السياسية، وحضورها المتواصل في المشهد السياسي، وكلمتها الصريحة في النقاش العمومي، من خلال تقارير وحوارات وتصريحات وأوراق، يمكن الاطلاع على بعضها في الموقع الإلكتروني للجماعة. على هذا الأساس؛ أساس الانطلاق من شعار العدل والإحسان، ونسجا على نفس المنوال: منوال الأصالة والوضوح مع الذات والآخر، وسيرا على نفس الدرب: درب الإسهام، إلى جانب غيورين آخرين، في مستقبل العدالة والكرامة والحرية، يأتي إصدار هذه الوثيقة التي حملت عنوان “الوثيقة السياسية”.

تصدر هذه “الوثيقة” عن قناعة لدى جماعة العدل والإحسان بضرورة بسط آرائها السياسية في مضمار المشهد العام من منطلق كونها دعوة مجتمعية فاعلة، ومن منطلق الرغبة في الإسهام الإيجابي في صناعة التحول المشهود والتغيير المراد. فهو عمل إذن يقتضيه واجب الأمانة أمانة حمل الرسالة والتبليغ عن الله وعن رسوله في حمل هم الفرد والأمة على السواء. كما تصدر عن داعي الحاجة إلى تطوير وتفعيل تصورها للفعل المجتمعي وبناء القوة المجتمعية، ضمن جملة دعواتها المتتالية إلى رص الصف وتوحيد الجهود وبناء الجبهة المجتمعية وهو ما يفرض التوفر على أرضية تصورية لإنقاذ البلاد.

في السياقات التي صدرت فيها الوثيقة تتبدى الملامح العامة لسياق دولي عام تحكمه آثار ما بعد التعافي من جائحة كورونا، والمستجدات العالمية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا وملامح الصراع الدولي حول إعادة ترتيب النظام العالمي وصعود عودة التوجه نحو إعادة نظام الأقطاب، والتحديات المتسارعة للصراعات الاقتصادية والعسكرية للدول الكبرى، مع تفاعلات تصاعد مد الطغيان الصهيوني وتأثيرات التحالفات في الشرق الأوسط، وأثر ذلك كله على القضية الفلسطينية، وعلى الحرب ضد الإرهاب، وعلى مواجهة المد الإسلامي المتنامي، وهي التفاعلات التي تتسم على حد تعبير الدكتور عبد الواحد متوكل بسمات تصف النظام العاملي بالصلف والجشع وضياع المعنى. وإن ما يموج به هذا العالم من حولنا إقليميا ودوليا ومحليا مما يحدثه الله في كونه يفرض ضرورة التعامل مع اللحظة التاريخية بحكمة، خاصة وأن مجموع الوقائع تدعو الحركة الإسلامية للاستفادة من إخفاقات “الربيع العربي” لتقديم نموذج ماثل لما يجب أن تكون عليه تدبير المراحل الانتقالية على أرضية التوافق والتعاون على برنامج حد أدنى لمجابهة السلطوية.

السياق الوطني لصدور الوثيقة تحكمه جملة سمات هي التغول المخزني واستمرار دعايته لأوهام التغيير والنموذج التنموي والنهضة التربوية، والفساد العام والاستنزاف المالي لمقدرات البلاد وتأثير ذلك على الوضع الاجتماعي، وترويض المجتمع عبر استهداف قواه الحية، وتفكيك مؤسسات الوساطة المجتمعية، ثم تمييع المجتمع والشباب بضرب القيم والأخلاق، وكذا بالصهينة المطبعة مع الكيان الصهيوني وتمكينه من الاختراق العام للثقافة والسياحة والدين والتربية والتعليم والإعلام. وإن ما يعتمل في المغرب من تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية قد تمضي بنا إلى انهيار وتصدع النظام الاجتماعي، مما يطرح علينا تحدي الاشتغال على واجهة تقديم الجواب عن الملاذ الأخلاقي والسياسي يكون بمستوى الانهيار السريع للمنظومة المجتمعية العامة.

الوثيقة السياسية: الماهية، والمرجعية، والخصائص، والمضامين

 في ماهية الوثيقة، تعد هذه “الوثيقة السياسية” تعبيرا عن مشروع عملي يصانع الواقع لبناء مستقبل الأمة. إنها وثيقة رسمية تقترح فيها جماعة العدل والإحسان من منطلق تصورها المرجعي في نظرتها للإنسان إحسانا وفي بنائها للمجتمع عدلا، مشروعها وتصورها السياسي، وتقدم من خلالها مجموع ما تقترحه على الإنسان والمجتمع بالإجابة عن الأسئلة الملحة والقضايا المعروضة في مجال تدبير الشأن العام كما هي مظروفة في المرحلة، لكن بمنطلقات منهاجية أساسية ترسم توجهات العمل ومفاصله وحدوده.

وستتخذ الوثيقة تكأة مرجعية تصورها العام لمشروع التوبة للإنسان، لمعنى الإنسان ومصيره، ومعنى دلالته على الله الحق وحقه في معرفته، مشروع الهداية والتغيير العميق، مشروع الخلاص الفردي تربية وتعليما وتغييرا، ثم مشروع تغيير ما بالأمة بعد تغيير ما بالإنسان مشروع الخلاص الجماعي، مشروع العمران الأخوي.

ستطرح الورقة الكليات الكبرى المرتبطة بهوية الجماعة وبتصورها للنظام السياسي وللنموذج التنموي مستحضرة المنحى السياسي والنفس الإيماني، وقد أرادتها أن تكون وسطا لا تصدر عن نزعة تنظيرية مجنحة في سماء الفكر، كما لا تسقط في نزعة تجريبية متوحلة في الحريق السياسي اليومي. فهي على هذا تكون في منطقة الوسط بين العمومية التي لا تؤدي إلى التجريد، وبين التجزيء الذي لا يغرق في التفاصيل، مع استحضار السياق السياسي، والجمع بين الكلي المذهبي والراهني الواقعي مع تحقيق الانسجام بين الموقف العام من النظام السياسي وبين الممانعة المشتغلة في قلب المجتمع، مع استحضار الجانب القيمي، وتجاوز الارتهان للتفكير بشروط الفتنة والتوجه نحو المستقبل بفهم متحرر وإرادة متوثبة.

تتميز هذه الوثيقة إذن بنفسها الاستشرافي ومضمونها الاقتراحي، ليس فقط من خلال عرض أهداف استراتيجية وخطوط عامة، ولكن أيضا، وأساسا، من خلال عرض مقترحات عملية للمرحلة. لا تزعم أنها بصدد برنامج تفصيلي دقيق يعلم العقلاء أن وضعه رهين بالوجود في المواقع التي تمكنك من معرفة المعلومة بشكل كامل ودقيق وصحيح، وبعيدا عن ذلك، يبقى الحديث عن برنامج تفصيلي دقيق مجرد دعوى وضحك على الذقون. لا تزعم ذلك، ولكنه اجتهاد، وبذل للوسع، حسب ما هو متاح، لبلورة توجهات ومقترحات، تُشكل مستوى وسطا؛ بين مستوى الخطاب الاستراتيجي العام والمستوى التنفيذي التفصيلي. فمما لا شك فيه أن السلطوية أوصلت البلد إلى حالة غير مسبوقة من الجمود والتكلس والانحباس على كل المستويات، الأمر الذي يفرض على كل الغيورين تحمل المسؤولية في فتح مسارات قابلة للتحقق في المرحلة من أجل إيقاف النزيف والتأسيس لمستقبل الحرية والكرامة والعدالة.

وإن جماعة العدل والإحسان وهي تتقدم بهذه الوثيقة في ظل هذه السياقات الضاغطة، إنما تفتل في مشروعها المجتمعي القائم على السعي لتأسيس مجتمع العمران الأخوي، بعرض تصوراتها وتقديم مقترحاتها وتفعيل آليات التجديد والابتكار والمبادرة لتقديم أفكارها التغييرية في طموح مشروع للإسهام مع الغير في إنقاد البلاد ولم الشمل، قصد توسيع مساحات العمل المشترك والاشتغال على توسيع فرص إنضاج شروط الالتقاء على أرضية عمل جماعي مشترك يجمع الجهود، حتى لا تترك الفرصة للمخزن ولأوليائه لمنع التقاء إرادات الصادقين، ولتوسيع دائرة الحضور الميداني والنقاش المجتمعي برفق وحنو يستنهض الكل لتحمل مسؤولية إنقاذ المغرب من قبضة الاستبداد والفساد والتطبيع مع الصهينة والاختراق القيمي للمجتمع.

تتضمن هذه الوثيقة أربعة محاور، يتعلق أولها بمنطلقات منهاجية باعتبار المنهاج النبوي هو أساسها المرجعي الأول. فما تم بسطه ليس مفصولا عن المشروع المنهاجي الذي أسسه وأثله الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله، بل هو بناء على أساسه. كما من الخطأ والخطل اختزال المنهاج النبوي في المجال السياسي الذي تعرضه الوثيقة. لذلك كان الهدف من المحور الأول التعريف بأهداف المشروع السياسي وخصائصه وأولوياته انطلاقا من المشروع العام، العلمي والعملي، للجماعة، الذي هو المنهاج النبوي. وكان المحور الثاني هو المحور السياسي، الذي تم تأطيره بشعار: حرية وعدل وحكم المؤسسات، وتم التطرق فيه للعديد من القضايا، من أهمها: الدولة والدستور والسلطات الثلاث؛ التشريعية والتنفيذية والقضائية، والعلاقات الخارجية، والعمل الحزبي والنقابي والجمعوي. وتم تخصيص المحور الثالث للسياسات الاقتصادية والاجتماعية، تحت شعار: عدالة وتكافل وتنمية مستدامة، وشمل العديد من القضايا الهامة، من قبيل: النسيج الاقتصادي، والاقتصاد الرقمي، والسياسة الطاقية، والتجارة الداخلية والخارجية، والفلاحة والثروات المعدنية، ومنظومة التمويل، والصحة العامة، والحماية الاجتماعية، والتنمية الجهوية. أما المحور الرابع فهو المحور المجتمعي، تحت شعار: كرامة وتضامن وتربية متوازنة، وتم فيه طرق مجموعة من القضايا المجتمعية، كالسياسة الدينية والأسرة والطفولة والمرأة والشباب والتعليم والثقافة والفن.

خاتمة

تأتي “الوثيقة السياسية” إذن التي تتقدم بها جماعة العدل والإحسان إلى الفاعلين المجتمعيين والسياسيين، وإلى الشعب المغربي عموما ومختلف قواه لتكون إسهاما جديدا وطرحا متجددا وعرضا آخر يمد اليد إلى العقلاء وذوي المروءات والفضلاء من أجل “إنقاذ البلاد”. 

إن خطاب التيئيس والتبئيس اللذين تقودهما الآلة الدعائية المخزنية بأن لا أفضل مما هو كائن، وأنه إما “المخزن” أو “الفوضى”، يفرض على الفاعلين المجتمعيين الغيورين أن نتوجه للتصدي للخطاب المستثمر في خيبات الأمل لصالح التوجه نحو أمل المستقبل، وإن التعويل على الله الكريم الوهاب توفيقا وسدادا، ثم على ذكاء ومروءة وغيرة الصادقين تعاونا وتناصرا، وكذا على “الفطرة والسلامة القلبية” لهذا الشعب سندا شعبيا لهو السبيل للنهوض الجماعي لصنع مستقبلنا وابتكار نظام حكمنا. وإن مما ترجوه جماعة العدل والإحسان أن تكون هذه الوثيقة، بما تضمنته من توجهات ومقترحات عملية، خطوة على هذا الطريق.