الوالد والولد (1)

Cover Image for الوالد والولد (1)
نشر بتاريخ
ذ. نورالدين الملاخ
ذ. نورالدين الملاخ

أزمة علاقة

أقسم الله عز وجل في سورة البلد بالوالد والولد. جاء القسم في كتاب الله لإزالة الشكوك، وإحباط الشبهات، وإقامة الحجة، وتوكيد الأخبار، لتطمئن نفس المخاطب إلى الخبر، لا سيما في الأمور العظيمة التي أقسم عليها.

إن الوالد والولد كلاهما من آيات الله عز وجل، كيف يخرج هذا المولود حيًّا سويًّا سميعاً بصيراً من نطفة من ماء، فهذا دليل على كمال قدرة الله عز وجل، هذا الولد السوي يخرج من نطفة أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ [يس: 77]، ليعيش في الدنيا مكابدا مقتحما سالكا نجد الخير أو الشر. يعيش الولد في حضن الوالد فترة ليكتسب منه منعة وقوة تمكنه بعد سن الرشد من الرشاد، في دفء أسرة ملتحمة تستهدي بنور القرآن وتعيش حلاوة الإيمان وتتشوف إلى مقام الإحسان.

لكن الأسرة اليوم تعرف مجموعة أزمات، تزداد حدتها بتراكم المشاكل التي تبدو صغيرة في ظاهرها لكن جرحها عميق لترابطها وتداخلها. واقع يشهد على تدني وترهل العلاقات الأسرية بين الأبناء والآباء.

علما أن الأسرة هي الوحدة الأساس لبناء المجتمع، والأسرة هي النواة العضوية؛ تتكون من زوجين وأبناء، تجمع بينهم المحبة والرحمة، لا يمكن بأي حال- حسب المنظور الإيماني- الاستغناء عن حلقة من هذه الحلقات الأساس. فقدان عنصر من عناصر هذا البناء يفقد الأسرة تماسكها وينشأ التنافر وتنطلق شرارة الكراهية..

الأسرة، في المجتمعات الغربية، تبعد الولد عن الوالد إن هو أطل على سن المراهقة بدعوى كونه وصل سن الرشد والقدرة على الاستقلال. ينتج عن ذلك علاقة تنافرية تطفو على سطح هذا البناء الذي يتصدع ثم ينهار.

لم آت بالنموذج الغربي في طريقة التعامل مع المراهق لندعي أن الأسرة العربية في أحسن حال، باعتبار مرجعيتها التي تستند إليها في التعامل مع الأبناء، إنما وضعت إطارا من أجل المقارنة لأتمكن من وضع “الأسرة المغربية” نموذجا تحت المجهر لاكتشاف مواطن الداء والبحث عن سبل الدواء.

فأغلب الدراسات الميدانية لواقع “الأسرة العربية”، تقف في الاستنتاجات والخلاصات على سؤال الهوية، لتنحرف بعد ذلك لمحاكمة سلم القيم وضرورة مراجعة المبادئ الكبرى والمرتكزات الأساسية التي اعتمدتها أسرنا التقليدية في معالجة قضايا الشباب ومشاكل المراهق التي تنوعت اليوم أشكالها وأفرزت سلوكات يعتبرها المجتمع التقليدي بالشذوذات التي تخرج عن الإطار المسموح به شرعا وعرفا.

حتى يصبح الخطاب أكثر وضوحا، ونخرج من التعميم إلى التخصيص، ومن الغموض إلى الواقعية، أذكر بعض الصعوبات التي يعاني منها المراهق في المجتمع عامة، معتمدا أسلوب أهل الاختصاص في علم النفس الاجتماعي حتى يتسنى للجميع فهم الخطاب القرآني وسر القسم بالوالد والولد.

أصنف معانات المراهق العربي إلى مستويين:

المستوى العلائقي: العلاقة بين الوالد والولد في مجتمعاتنا محدودة جدا، تقتصر على تلبية الحاجيات البيولوجية من أكل وشرب وملبس ليس إلا، وفي بعض الأسر يمكن أن ترقى هذه العلاقة إلى تلبية الحاجيات الاجتماعية والتي يمثل فيها الولد صورة في المجتمع للوالد. وعندما تطفو في السطح العلاقة الوجدانية، غالبا ما تنتهي مبكرا عندما يجنح الولد إلى الاستقلال المعاشي عن الوالد. ينتج عن هذا العوز العلائقي في الأسرة:

سوء الفهم: الآباء لا يفهمون أولادهم لأن اهتمامات وطموحات الأبناء تفوق في بعض الأحيان إدراك الآباء، خاصة والعصر الحديث عصر التكنولوجيا بامتياز والتواصل الاجتماعي يتم عبر الشبكة العنكبوتية والوسائط الإلكترونية، أي عبر الشاشات. بينما الأولاد لا يفهمون آباءهم، لأن لغة الخطاب وسرعته تغيرت كما أن سلم الأولويات انقلب رأسا على عقب.

التهميش: وذلك بعدم إشراكه في صناعة القرار.

سوء التقدير وضيق أفق الاندماج في عالم المسؤولية.

كل ذلك يؤدي إلى أزمة علاقة بين الوالد والولد، نتيجة سوء فهم طبيعتها ووظيفتها. في حين، يقصد بالعلاقة ذاك التعامل التفاعلي الإنساني بين الوالد والوالد اللذان يوجدان بالضرورة في وضعية جماعية، تلزم الطرفين بالتعايش والتكافل والتواصل بجميع أشكاله ومستوياته الوجدانية العاطفية والتعليمية على قاعدة المحبة والوضوح. إنها علاقة تتأسس على مبدأين اثنين هما: الطبيعة الإيجابية للذات الإنسانية، وقدرتها على تسيير نفسها بنفسها.

المستوى الذاتي: باعتبار فعل وانفعال وتفاعل الذات يتم على ثلاثة مستويات متكاملة:

العاطفي- الوجداني: في أغلب الحالات، لا يدرك الوالد مواقف وجدانية، ولا يتقبل السلوكات الناجمة عنها، بل لا يضع استراتيجيات مناسبة لحل المشاكل الناتجة عنها بتقوية العلاقات المساعدة والمناسبة لطبع الولد المصنف – حسب علماء النفس – إلى الفرد الاجتماعي والفرد المساير والممتثل والفرد المستقبل.

الحركي: وهو انعكاس مرتبط بطبيعة وشدة الجانب الحسي لدى الولد. ردود فعل سلوكية متباينة يود الوالد تنميطها وتحويلها لسلوكات شرطية تخضع لقوانين المحيط المكتسبة ضدا على قوانين الذات الفطرية.

العقلي: فالعقل هو الذي يترجم الرسالة الحسية إلى رسالة حركية فهما وإدراكا وتأويلا.

عدم إدراك أبعاد هذه البنية العلائقية والنفسية أفرزت معاناة الأسرة وضيق أفق المجتمع المنغلق على نفسه، والمتهم لمرحلة المراهقة بكل أنواع الاتهامات الجزاف من أنها مرحلة قلق واضطراب وعنف وانفعال وتيه وانحراف.

يتبع..