النوار بنت مالك الأنصارية.. نموذج الأسرة القرآنية

Cover Image for النوار بنت مالك الأنصارية.. نموذج الأسرة القرآنية
نشر بتاريخ
مومنات نت
مومنات نت

تمهيد

نهلت الصحابية الجليلة النوار بنت مالك الأنصارية من التربية النبوية الشريفة، فبلغت درر الكمال والرفعة، وسارت على خطى الكاملات من بني جنسها، كما بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه؛ قال: {كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون. وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام} (1).

اعتنقت سيدتنا النوار الإسلام مع الرعيل الأول، قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فلامس الإيمان شغاف قلبها الطاهر، وأرضعته لبنا خالصا سائغا لأسرتها، فكانت بحق نموذج المرأة الورعة، المربية، المجاهدة. ويكفيها فخرا أنها أنجبت ورعت الصحابي الجليل سيدنا زيد بن ثابت، فنالت شرف لقب أم جامع القرآن.

فمن تكون هذه الصحابية الجليلة؟ ماهي مناقبها الشريفة التي خلدت ذكرها في الأولين والآخرين؟ ما سر تربيتها لحبر من أحبار الأمة الأفذاذ، الذي ارتبط اسمه رضي الله عنه بخدمة القرآن؛ حفظا، وكتابة، وجمعا؟ وكيف نقتفي أثرها لنرتقي في مراقي الكمال، بتربية جيل قرآني يتشرب قلبه حب كتاب الله، ويترجمه سلوكا عمليا تسعد به أسرنا، وتشرف به أمتنا؟

1-  نسب النوار بنت مالك

هي النوار بنت مالك بن عدي بن النجار، وهم من بطن الخزرج، وأمها سلمى بنت عامر بن عدي. تزوجت النوار من ثابت بن الضحاك بن زيد، فولدت له زيد بن ثابت وأخاه يزيد. ثم قتل ثابت يوم بعاث (وهو موضع بنواحي المدينة المنورة وقعت به حروب بين الأوس والخزرج).

تزوجها الصحابي الجليل عمارة بن حزم بن زيد، وهو أنصاري من بني النجار. بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، وشهد بدرا، وأحدا، والخندق، والمشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم. رزقت منه ولدا اسمه مالك. ومات زوجها رحمه الله، شهيدا في حروب الردة التي خاضها مع سيدنا خالد بن الوليد.                                       

2- النوار بنت مالك تسير على خطى الكاملات

اعتنقت الإسلام رضي الله عنها قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، على يد سفير رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، سيدنا مصعب بن عمير رضي الله عنه. فأنعم الله عليها بالإيمان شأنها في ذلك شأن أغلب أهل يثرب.

 تلقت القرآن الكريم من الصحابي الجليل سيدنا مصعب، أقبلت على حفظه بهمة وشغف كبير، خصوصا وقد وهبها الله حافظة جيدة، كما أقبلت على حفظ الأحاديث النبوية، فروت بعضها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا عن أمهات المؤمنين. وقد روت عنها الصحابية أم سعد بنت زرارة.

فضلا عن سابقتها في الإسلام، كان لسيدتنا النوار غناء وعطاء فيه، إذ أكرمها الله تعالى بكرامة عز مثيلها، وهي مجاورة الرسول صلى الله عليه وسلم، فحفظت للجوار العزيز حرمته، فكانت أول من أهدت له صلى الله عليه وسلم الطعام، حينما نزل ضيفا على سيدنا أبي أيوب الأنصاري.

روى القصة ابنها زيد، قال رضي الله عنه: “أول هدية دخلت على رسول الله في بيت أبي أيوب، قصعة أرسلتني بها أمي إليه، فيها خبز مثرود بسمن ولبن، فوضعتها بين يديه، وقلت: يا رسول الله، أرسلت بهذه القصعة أمي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {بارك الله فيك وفي أمك}، ودعا أصحابه فأكلوا، فلم أرم الباب حتى جاءت قصعة سعد بن عبادة؛ ثريد وعراق (عظم عليه لحم)، وما كان من ليلة وإلا وعلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم الثلاثة والأربعة يحملون الطعام يتناوبون ذلك} (2).

شرف بيتها رضي الله عنها بأن يكون أول منارة في الإسلام، حيث اختير لعلوه كمأذنة للمسلمين قبل بناء المسجد النبوي. نتركها تحكي لنا قصتها رضي الله عنها، قالت: {كان بيتي أطول بيت حول المسجد، فكان بلال يؤذن فوقه من أول ما أذن إلى أن بنى رسول الله مسجده، فكان يؤذن بعد على ظهر المسجد، وقد رفع له شيء فوقه} (3).

سجلت النوار موقفا مشرفا حبا ونصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولآله الطيبين، حين جاء أحد أقاربها برأس سيدنا الحسين رضي الله عنه، جراء الفتنة التي وقعت بين المسلمين، قالت: {أقبل خولي برأس الحسين فوضعه تحت إجانة “إناء لغسل الثياب” في الدار، ثم دخل البيت فآوى إلى فراشه، فقلت له: ما الخبر عندك؟ قال: جئت بغنى الدهر، هذا رأس الحسين في الدار، حينها قالت: ويلك جاء الناس بالذهب والفضة، وجئت برأس ابن رسول الله، لا والله لا يجمع رأسي ورأسك بيت أبدا} (4).

وهي بذلك تمتثل لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بحب آل بيته، وتوقيرهم. قال رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم في خطبة له بغدير بخم، بعد أن حمد الله وأثنى عليه: {أما بعد، ألا أيها الناس! إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب. وإني تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به}. قال الراوي: فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: {وأهل بيتي! أذكركم الله في أهل بيتي! أذكركم الله في أهل بيتي! أذكركم  الله في أهل بيتي!} (5).

 3- النوار بنت مالك: أم جامع القرآن

أخذت سيدتنا النوار كذلك بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتمسك بكتاب الله، فأنشأت  أبناءها على تعظيمه، وتمثل أخلاقه، فأثمرت تربيتها علما من أعلام الأمة، سيدنا زيد بن ثابت رضي الله عنه.

فكيف اجتهدت في غرس هذه البذرة الطيبة وتعهدها حتى أصبحت شجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها؟

أسلم سيدنا زيد بن ثابت أول دخول الإسلام إلى المدينة، وعمره آنذاك إحدى عشر سنة، فحرصت أمه على تربيته على مبادئ الدين الإسلامي، وتمثل قيمه النبيلة. فغرست فيه حب كتاب الله، فكانت تشجعه على ما حفظ كتاب الله، حتى أصبح معه سبعة عشر سورة. ثم أكرمه الله بملازمة وصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين عهد به رجال من بني النجار إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

ويروي سيدنا زيد رضي الله عنه قصته، يقول: {أتيَ بي النبيَّ مقدمه المدينة، فقيل: هذا من بني النجار، وقد قرأ سبع عشرة سورة، فقرأت عليه فأعجبه ذلك، فقال: {تعلم كتاب يهود، فإني ما آمنهم على كتابي}. ففعلت، فما مضى نصف شهر حتى حذقته، فكنت أكتب له إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له} (6). ثم طلب إليه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتعلم السريانية، فتعلمها في سبعة عشر يوما. فلما خبر النبي صلى الله عليه وسلم نباهته، وقوة حافظته، وأمانته، كلفه بكتابة الوحي.

كان رضي الله عنه شيخ المقرئين، ومفتي المدينة، وأعلم الصحابة بالفرائض، قال عنه صلى الله عليه وسلم {أفرض أمتي زيد بن ثابت} (7).

في معركة اليمامة استحر القتل بحفظة القرآن، فزع سيدنا عمر بن الخطاب إلى سيدنا أبو بكر الصديق، يستحثه على جمع القرآن قبل أن يدرك الموت بقية القراء. فدعا سيدنا زيد وقال له: {إنك شاب عاقل لا نتهمك قد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه} (8).

كما شرفه الله في عهد سيدنا عثمان بن عفان بكتابة نسخة موحدة للمصحف مع زمرة من الصحابة، تفاديا لوقوع الاختلاف في القراءة، معتمدا على العرضة الأخيرة لسيدنا زيد على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

رغب في الجهاد في سبيل الله في غزوة بدر وأحد، مع بعض أقرانه، لكن النبي صلى الله عليه وسلم رده لصغر سنه، ووعده بقبوله في القابل من الغزوات، فشهد بعدها غزوة الخندق. توفي رحمه الله سنة خمس وأربعين للهجرة، في عهد سيدنا معاوية. وعند موته قال سيدنا ابن عباس: {لقد دفن اليوم علم كثير} (9). وقال أبو هريرة: {مات حبر الأمة، ولعل الله أن يخلفه عبد الله بن عباس} (10). توفيت أمه قبل ذلك في حياته، رضي الله عنهما، ورفع مقامهما في الصالحين، وجزاهما الله خيرا عن أمة رسول الله لما أسديا لها من معروف.

 4- على درب سيدتنا النوار بنت مالك نحث الخطى

عرضنا نموذج خالدا لأسرة إيمانية، بطلتها الصحابية النوار بنت مالك. نجحت في اقتفاء أثر الصالحات من أمهات المؤمنين، فبلغت مقامات الكمالات بأنواعها. فغرفت من معين الإيمان القلبي حتى ارتوت وروت. ونهلت من العلوم الشريفة، فحفظت كتاب الله، وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.  

كما قامت بأداء وظيفتها الفطرية على أحسن وجه. فلم تكتف بأن تكون معبرا غريزيا لذريتها، بل أرضعتها لبن الإيمان، وغذتها بحب القرآن، ورفعت همتها لطلب الإحسان. فساهمت في تربية جيل قرآني نبوي، كانت له بصمة مميزة في  بناء الصرح الإسلامي. وبلغت درر الكمال الجهادي بخدمة الدعوة، ونصرتها وفدائها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وآله الطيبين الأبرار.

فما أحوجنا اليوم ونحن نعيش في حضيض الغثائية، ودرك الوهن والغفلة عن  الله، أن نتمثل هذه النماذج الخالدة، ونعيد قراءة سيرهن، لنتلمس مواطن القوة التي مكنتهن من اقتحام العقبات، وأهلتهن لبناء شخصية فعالة، وصانعة لمستقبل أمتها.

{فإلى النماذج الكاملة من بنات البشر تشرئب أعناق المؤمنات، وإلى جهاد يلحقهن بهن – على درجة من الكمال – يتعبأن ويعبأن أجيالا. باحتذاء النماذج الأكمل، وهم الرسل عليهم السلام، وبصحبتهم والاتصال بهم أمهات وزوجات وبنات، نالت مريم وآسية وخديجة وفاطمة وعائشة كمالهن} (11).


(1) رواه الشيخان والترمذي عن أبي موسى الأشعري.

(2) طبقات ابن سعد.

(3) المصدر نفسه.

(4) المصدر نفسه ـ

(5) رواه مسلم عن زيد بن أرقم.

(6) طبقات ابن سعد.

(7) رواه الإمام أحمد والنسائي.

(8) طبقات ابن سعد.

(9) المصدر نفسه

(10) المصدر نفسه.

(11) عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، ج: 2، ص: 287.