النظرية المنهاجية للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله في موضوع المرأة:

Cover Image for النظرية المنهاجية للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله في موضوع المرأة:
نشر بتاريخ

ملامح ونماذج من كتاب ” تنوير المؤمنات”

إنه لما كانت نظرات الأستاذ ياسين رحمه الله التجديدية في موضوع المرأة لأجدر بأن تكون مثار العديد من البحوث الجادة المستفيضة، فإن مبتغى هذه الصفحات هو رسم ملامح النظرية المنهاجية للأستاذ ياسين رحمه الله في تناول قضايا المرأة بشكل عام، والتمثيل لهذه الأسس التنظيرية ببعض النماذج التطبيقية التي تبرز أوجه تجديده في المسألة النسائية من خلال بعض العلوم الإسلامية .

أولا: ملامح النظرية المنهاجية في تناول قضية المرأة:

الاعتماد على الأصول أساس النظر في قضايا المرأة

تمتاز النظرية المنهاجية بالأصالة عبر لزوم المعين الصافي قرآنا كريما وسنة مشرفة، وقصدهما رأسا في كل صغيرة وكبيرة تتعلق بالمرأة: فقد دأب الأستاذ ياسين رحمه الله على تمحيص أحكام النساء وطرح سؤال الثابت و المتغير عليها، حرصا منه على إعمال مقتضى الكتاب والسنة فيها نقيا من شوائب الاجتهادات الخاطئة والأعراف الفاسدة التي علقت بها وكادت أن تحجب صفاءها.

وإن هذا الارتباط القوي بأصلي الشريعة الإسلامية هو ما فتح الآفاق رحبة أمام الأستاذ ياسين رحمه الله ليتجاوز حدود القراءة التقليدية المكبلة بالواقع الموبوء إلى شساعة الرؤية التجديدية المبشرة بالتغيير المنشود.

واجب الاجتهاد وضرورة مشاركة المرأة فيه:

التجديد روح النظرية المنهاجية ولبها، لذا فقد جعل الأستاذ ياسين رحمه الله الاجتهاد المنضبط بأحكامه الطريقة الآمنة للاستمداد من الوحي القرآني والاهتداء بالسنة النبوية. والاجتهاد فرض كفائي على من استكمل شروطه من الرجال والنساء تأثم الأمة بأسرها إن لم تنفر طائفة منهم للقيام بأمره. وفي قضايا المرأة خصوصا جعل الأستاذ ياسين رحمه الله مشاركة المرأة في الاجتهاد واجبا أوكد لكي ترتفع إلى المقام الذي بوأها إياه المولى عز وجل من حرية الاختيار، وتكون الفاعل الأول في إصلاح حالها: لا اجتهاد في مسائل المرأة من غير حضور المعنية بالأمر، ولابد من مشاركة المرأة في عموم الاجتهاد تحفظ بعينها النسائية ما يغيب عن شقيقها الرجل.

مراعاة الواقع واعتبار السياق:

لقد تجاوزت واقعية الأستاذ ياسين رحمه الله في نظريتة المنهاجية تتبع السياق الاجتماعي والسياسي في إحاطة أفقية بكل ما من شأنه أن يفسر إفراز الأحكام التي عانت منها المرأة، وسبر أغوار التاريخ في قراءة عمودية لاندحار المرأة عما كانت فيه من إكرام، إلى جعل مراعاة الواقع واعتبار السياق منطلقا للتعامل مع الأصول وفهم الأدلة الشرعية. واقعية في التشخيص لفهم ما جرى وواقعية في اقتراح ما ينبغي أن يكون: واقع يتغير فوجب أن تتغير الأحكام لتلائم أمر الله في تنزيله . والمثال: تعليقه بأن واقعنا لا يقبل تفسير آية سكنى المطلقة الواردة في بداية سورة الطلاق، بمجرد الإسكان في مدة العدة بدل إضافة التمليك.

رعاية المقاصد والتوفيق بين المصالح:

الاهتمام بالمقاصد سمة بارزة في النظرية المنهاجية للأستاذ ياسين رحمه الله، وله في هذا الباب تأملات وازنة تصلح أن تجمع في نظرية متكاملة. ومن نظراته التجديدية في هذا المجال أن جعل الدين على رأس الضرورات الواجب حفظها إحسانا على المستوى الفردي وعدلا على المستوى الجماعي. وسمى هذه المقاصد مطالب لما غابت فوجب إيجادها أول ما وجب.

والمثال: إباحته تنظيم النسل وتفسير المكاثرة الواردة في الحديث النبوي بناء على حديث الغثائية.

ثانيا: نماذج تطبيقية للتجديد المنهاجي في قضايا المرأة

يعتبر الأستاذ رحمه أن التراث التفسيري والحديثي والفقهي المرتبط بشؤون المرأة، إنما شأنه شأن كل عمل بشري: قد أنتجه التفاعل مع ظروف وحكمته سياقات وتحكمت فيه ضرورات… وهذا ما جعل الأستاذ رحمه الله يعمل أسس نظريته المنهاجية في مراجعة شاملة للتراث العلمي الإسلامي في باب المرأة. وإنما سأكتفي بالإشارة إلى عدد من النماذج التطبيقية لملامح التجديد في نظر الأستاذ رحمه الله لبعض قضايا المرأة مرتبة وفق نظراته التجديدية في علوم التفسير والحديث والفقه.

في تفسير القرآن الكريم:

إعادة شرح مجموعة من المفاهيم القرآنية المتعلقة بالمرأة: منها مفاهيم مركزية في نظريات أصحاب الشبهات في الإسلام، مثل: التبرج، الحجاب، الفتنة، القوامة، الدرجة…ومنها مفاهيم جديدة أسس لها الأستاذ ياسين رحمه الله وأولاها مكانة خاصة …مثل: الحافظية، التبرج…

ويمكن لمتتبع هذه المفاهيم في كتابات الأستاذ رحمه الله أن يؤلف منها معجما في المفاهيم النسائية.

انتقاد التفاسير التي تتعارض وكرامة المرأة:

ومثاله ما قاله في التعليق على تفسير ابن كثير رحمه الله لما ورد في قول الله تعالى من وصف المرأة: ( …أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين):

بيان النظرة القرآنية لمجموعة من المواضيع المتعلقة بالمرأة:

وذلك بتتبع الأدلة الواردة بشأنها في القرآن الكريم والسنة النبوية والمساهمة في تفسيرها وفق النظرية المنهاجية. مثاله: حجاب المرأة، النشوز

في الحديث الشريف:

الاهتمام بالسنة المشرفة ككل بما فيها أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته:

مثاله: مساعدة الزوج في خدمة البيت من خلال حديث عائشة رضي الله عنها. سيرته صلى الله عليه وسلم في تربية خير نساء طلعت عليهن الشمس.

التنبيه على الوضع في الحديث:

الذي عانت المرأة من ويلاته، حيث أشار إلى مجموعة من الأحاديث المكذوبة التي هدفت إلى الحط من قدر المرأة…

القراءة التجديدية لمجموعة من الأحاديث الصحيحة التي أسيء فهمها:

مثال: حديث: ” يا معشر النساء ما رأيت من ناقصات عقل ودين “، وحديث: ” هلكت الرجال حين أطاعت النساء”

التنقيب عن الأحاديث الصحيحة ذات المعنى الإيجابي في المسألة النسائية:

تحتاج المرأة لأن سمع أحاديث تبشرها وتزيد من ثقتها بنفسها وهي التي ما فتئت تحفظ موضوعات تكرس لضعفها ونقصها. لذا فقد كان الأستاذ رحمه الله يعتني بالبحث في السنة عن كل ما من شأنه أن يتوافق مع الرؤية التجديدية لموضوع المرأة يخاطب أنوثتها ويرفع من قدرها. ومثاله: حديث: ” لا تمنعوا إماء الله مساجد الله” بدل الحديث الذي اشتهر: ” صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في مسجدها.”

في الفقه:

مراعاة الخلاف:

لم يكن الأستاذ ياسين رحمه الله ليضيق واسعا في أحكام النساء وهو الداعي إلى التوسعة على المرأة ورفع المشقة عنها، لذا فقد ذهب إلى الاستفادة من غنى المذاهب الفقهية في قضايا المرأة بدل الانحصار في دائرة المذهب الواحد.

ومثاله: اعتبار الاجتهاد الحنفي في القول بصحة اشتراط المرأة كون الطلاق بيدها، وإن تحفظ في أن يبتدأ زواج باحتمال الطلاق.

التيسير بدل التعسير:

جعل الأستاذ ياسين رحمه الله شعاره قولة سفيان الثوري: ” إنما الفقه الرخصة من ثقة… أما التشديد فيحسنه كل أحد” اقتداء بسيرة المبعوث رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم الذي ما خير بين أمرين إلا واختار أيسرهما، ليبين بأن المطلوب هو الترفق بالناس بدل التضييق عليهم. واعتبر الأستاذ رحمه الله أن المرأة قد عانت من فقه التشديد وارتمت في أحضان دعوات التمييع لما قسا عليها مقلدة الفقهاء غفر الله لنا ولهم حين انسحبوا من حياة الناس ليعيشوا في أعتاب السلاطين يقمعون المرأة بفقه لا يجوز لما لم يستطيعوا أن يواجهوا الحاكم بما ينبغي أن يكون.

ومثال هذا كراهته لإجبار الولي المرأة على الزواج.

والله تعالى الموفق والهادي إلى الصواب