النصر لعباد الله حقا

ونحن نتابع بحرقة وترقب ما يجري في مسرى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في ثالث الحرمين وأولى القبلتين؛ نسترجع السنوات الطويلة التي جثم فيها العدو الغاشم على فلسطين الصامدة، والذي كان يعتقد أنه سيتمكن من القضاء على الفلسطينيين بضربة لازب. ولم يكن حينها يعلم أنه سيظل يواجه تلامذة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأحفاد صلاح الدين والقسام وأحمد ياسين... حياته كلها. بل إن عباد الله حقا سيخرجوهم وسيتبروا ما علوا تتبيرا.
إن من حمل الحجارة عند بداية النكبة هو الذي قام بعمليات استشهادية أرقت العدو وجعلته يلتجئ إلى طلب السلام، هو نفسه الذي يرابط في القدس، هو نفسه الذي يطلق الصواريخ ويربك العدو ويثير في نفوس شعبه الرعب، وهو نفسه الذي سيحرر بيت المقدس بإذن الله، وسيخرج الأعداء أذلة صاغرين.
ومما يفخر به المسلم أن دينه يصنع رجالا عبادا لله حقا؛ يعشقون الموت كما يعشق بنو يهود «حياة» نكرة دلالة على أي حياة ولو كانت حقيرة. وإن صناعة الرجال بالشكل المتكامل لا تجده إلا في الإسلام الذي يوازن بين الروح والجسد والعقل، فتجد الرجل ذا بأس شديد، فارسا مقداما بالنهار، راهبا خاشعا باك بين يدي مولاه بالليل، سمحا طيب الأخلاق لا يظلم ولا يعتدي، لكنه ينتزع حقه من غاصبه انتزاعا. وهكذا كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، بل إن الواحد منهم كان بألف رجل لقوة إيمانه وشجاعته وإخلاصه وسداد رأيه، كسيدنا الزبير بن العوام وسيدنا المقداد بن الأسود وسيدنا عبادة بن الصامت وسيدنا مسلمة بن مخلد رضوان الله عليهم، وقد أرسلهم سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى سيدنا عمرو بن العاص لما طلب مددا لفتح مصر وقال له: «إني قد أمددتك بأربعة آلاف رجل، على كل ألف رجل منهم مقام الألف»، هؤلاء هم الذين أعزوا الإسلام فأعزهم الله، وعلى هداهم يقتدي الصادقون الذين سيعيدون للإسلام عزته وكرامته.
وقد برهن إخواننا وأخواتنا المجاهدين في فلسطين على هذا الاقتداء، فهم يخرجون من بيوتهم يحملون أرواحهم بين أيديهم، ورائحة الموت تعطر أنفاسهم، وشعارهم الفوز بإحدى الحسنيين؛ النصر أو الشهادة، فلا خوف ولا جزع ولا هم ولا حزن، حتى إنك لتجد الأم تلقن ابنها الشهيد الشهادة وتذكره بجزاء الله وتثبته وهي صابرة محتسبة، ثابتة قوية كالجبل الشامخ. ولا أشد من فراق فلذات الأكباد، لكنها المبادئ والتربية الإيمانية التي حظي بها هؤلاء الرجال، وإن المرأة منهم بألف رجل من المطبعين الخانعين الذين يحسبون كل صيحة عليهم.
ومتى أصبح حال جل المسلمين كذلك عبادا لله حقا، يجودون بأنفسهم وأموالهم لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه؛ فانتظر النصر الذي وعد الله عباده إن الله لا يخلف الميعاد. قال تعالى: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (الإسراء، من الآية 7).
ويذكر المولى الكريم في مطلع سورة الإسراء وعد الأولى؛ لما بعث سبحانه عبادا له أولي بأس شديد تحت قيادة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي أبى الصليبيون أن يعطوا مفاتيح بيت المقدس لسواه، فأخذه بحقه وأوقفه على المسلمين. إلى أن آلت الأمور إلى ما آلت إليه الآن.
إن ثمن بيت المقدس العبودية الخالصة لله كما ذكر عز وجل في الآية عبادا لنا أولي بأس شديد، لأن مطلق العبودية لله تجعلهم قوة لا تهزم بإذن الله، لا يخافون في الله لومة لائم، أهدافهم كبيرة كإرادتهم. هؤلاء هم جند الله الذين سيحررون بيت المقدس وجميع البلدان الإسلامية - بإذن الله - من الأعداء الغاصبين يهودا كانوا أو أعوانهم، وسيستخلفهم الله الخلافة الموعودة على منهاج النبوة إن شاء سبحانه وتعالى. والحمد لله رب العالمين.









