وليس على قلبي أشدّ من هذا الغصب وهذه السرقة؛ ليس أقسى من أن تُختطف منك أعزّ ما تملك، وأثمن ما تتشبث به.
قد يسرق منك المال، وقد يسرق منك المتاع، وقد يسرق منك حبيب، فتسترجع وتحمد الله، وربما يذهب الألم بعد أيام وليالٍ معدودات.
لكن الأخطر، والأشد حزنًا وخزيًا، أن تُسرق منك صلاة الجمعة، ويُغتال منك شعور العيد من خطبته، فتشعر أن الروح غادرت ما كان يومًا مقدسًا.
تزامن هذا العيد مع عيد الأمة الجمعة، فدخلت المسجد أبحث عن خطبة العيد، ألتمس نفحة الروح في هذا اليوم الميمون، أتلمس الجائزة الكبرى بعد فضل الله علينا بصيام الشهر الفضيل وقيامه.
غيرت مكاني وجعلتني قبالة الإمام، لأحافظ على صلة مباشرة بكلمته، معتقدًا أنها صيغت بعناية لتخاطب القلوب وتحرّك الأرواح، فتجعل المؤمنين مقبلين على الله في كل لحظة وحين.
لكن، ويا ليتني لم أذكر، كانت الخطبة قد كتبت سلفًا، واطلع عليها بعض الناس يوم الأربعاء، وكأن روحها قد أُزيلت، وكأنها صارت مجرد مقالة جامدة، بعيدة عن واقع الناس وهمومهم.
أصبحت تلك الخطبة جافة، بلا لحم، بلا دم، تسيء لتلك النصوص الشرعية التي كُتبت لتُحيي القلوب، فتُوظف أحيانًا في غير سياقها، كما لو أن النصوص تُسجن في قالب جامد، وتُلقى بعيدًا عن مشاعر المستمعين.
كانت الخطبة أشبه بما يُقدمه مذيع الأخبار في نشرة مسائية، بعد برامج الترفيه الممجوجة، وسهرات الانحراف، ومسلسلات الانتحار القيمي والأخلاقي.
تلك النصوص الشرعية، يا للعجب، تشكو ظلم من جعلوها صماء عمياء، لا تعني إلا ما أراد أصحاب المصالح، وحولوها إلى خطب مسيسة، محنطة، بلا روح، تملؤها الكلمات الفارغة، ويغيب عنها جوهر الشريعة الغراء.
خطبة معدة على إيقاع معين، وبأسلوب محدد، تشي بموت الخطيب، واستشهاده الرمزي فوق منبر رسول الله ﷺ، وكأن المنبر صار قبرًا لكلمة الحق، لا مكانًا للحياة والصدق.
تخيل معي لو خطبة واحدة تلامس مشاعر ملايين المغاربة، تهتم بدينهم، وأخلاقهم، وقيمهم النبيلة، خطبة تشعل في القلوب شغف التقرب إلى الله، وتزرع في النفوس حب الأمة والدفاع عن المقدسات.
لكن الخطبة المسرّبة يوم الأربعاء كانت أشبه بدرس للمواطنة، لا للصلاح، تهدف إلى تدجين المواطن، لا إلى تنشيط روحه وإيقاظ ضميره.
جلست أطارد في ذهني وساوس الغفلة والتيه، آملًا أن تشرق شمس الحق في خطبة الجمعة أو خطبتي العيدين، لكن خاب أملي كما خاب خلال سنوات عجاف قضت على حرية المنبر.
قلت لنفسي: ربما تكون الخطبة الثانية أفضل، ربما يفي الدعاء بالغرض، لكن في مسجدين مختلفين، في الزمان والمكان، لم يُذكر شيء عما يحدث لأمة الإسلام، ولم يُرفع دعاء خجول لإخواننا في فلسطين، ولو بصوت منخفض: “وارحم موتانا وباقي موتى المسلمين”.
ضربت كفيّ ببعضهما البعض، ونفضتهما في خيالي، وتحسرت على هذا الوضع المزري الذي آل إليه شأن خطبنا ومنابرنا.
سافرت بعد الفجر مهرولًا، أريد اللحاق بالصلاة والخطبة، وقلت في نفسي: لو لم يكن هناك محظور، لصليت في بيتي، ولتابعت عبر إحدى الفضائيات خطبة العيد من قطاع غزة.
زاد همي وغمي، والمسجد الأقصى اليوم مغلق، موصد في وجه المصلين، وقنابل الغاز تتطاير أمام كل من يجرؤ على الاقتراب من مسرى نبينا محمد ﷺ.
ما يزيد عن أسبوعين، والمسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، يبكي ويئن، يشكو الله خدلان أمة المليارين، ينوح ويرتجف من هول ما أصابنا من ذل وخزي وعار.
قلت: هو القدس، ولا يجوز للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها السكوت عن هذا الظلم، وعن هذه الجرائم التي لم يسبق للأمة الإسلامية أن شهدتها في هذا التاريخ الحديث.
فلماذا إذن صمتت ألسنة الخطباء والوعاظ عن الاستنكار؟! وهو أضعف الإيمان.
لا قيمة لخطبة العيد أو الجمعة إذا لم تتزين بموضوع المسجد الأقصى.
قلت: ربما لو كنت في إسبانيا لاستمتعت بخطبة تلامس مشاعر الناس هناك، أما في وطني، فالأمر جلل، والخطبة تشكو: وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (التكوير 8-9)
حزّ الأمر في قلبي، ولأول مرة منذ أكثر من خمسين سنة، لم تُصلَّ صلاة العيد، ومنع أهل القبلة من التكبير والتسبيح والتهليل والتحميد في باحات أولى القبلتين.
وخطاب التضبيع والتركيع والتمييع والتمسيخ لا يعرَف له أثر، وكأن الأمر لا يعنينا نحن المغاربة، أصحاب (باب المغاربة) و(حارة المغاربة)، لا يعنينا ونحن أحفاد من كانوا سند المجاهد البطل صلاح الدين الأيوبي.
ويح وزارتنا، واه على الشأن الديني في وطني!
يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسًيًا مَّنسِيًّا [سورة مريم جزء من الآية 23]
هل كتب علينا أن نهجر تلك الخطب الميتة، البعيدة في مضمونها ومسعاها، عن الخطيب وعن المخاطبين بها؟
خطبة لا طعم لها، ولا رائحة، تلغي المآسي والجراح، وتغلق الأبواب أمام ألم المسلمين في أرض الكنانة، وفاجعة المسجد الأقصى.
صدق الشيخ سليل دوحة كبار علماء المغاربة، السيد الحسن الكتاني: (كنا نشتكي من توحيد خطبة الجمعة… تطور الأمر لتوحيد خطبة العيد. خطبة قصيرة ليس فيها أي إشارة أو دعاء لتهدئة أحوال المسلمين، ولا أي ذكر لما يحدث في ثالث الحرمين الشريفين، المسجد الأقصى. فأي مصيبة أكبر من هذه؟ وأي وجع أشد على قلبي؟).
تذكرت الوعيد الشديد لمن منع مساجد الله في جه عباد الله، فكيف بمن يمنعها في شهر رمضان، شهر الاعتكاف والقرآن؟
ولك أن تتخيل جزاء من يمنع المرابطين والمرابطات من الصلاة والاعتكاف في المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
ختم الخطيب الأجير، خائفًا من تسليمتين، ليوافق إحدى اجتهادات المذهب، ليبقى رهين الجمود التام، والموت السريري، والانتحار الرمزي للخطيب، الذي لا يهم وزارتنا مستواه العلمي بقدر ما يهمها تمكنه من قراءة نص جاهز، مهما كان بعيدًا عن روح الأمة.
صدق الله العظيم: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة:114]
استرجعت صمتًا، أستعيد شريط الذكريات، سنوات ثلاث التي قضيتها خطيبًا للجمعة والعيدين، قبل ربع قرن، وأنا حرٌّ في موضوعات خطبي، أرتجلها، أتنفسها، أعيش تفاصيلها، خطب تسكنني قبل أن أسكنها، خطب قريبة من الناس، تحتك بهموم الخلق، تحرض على القرب من الخالق.
خطب تنساب في القلوب، دون تكلف، أجد فيها لذة لا توصف، وأنا أقدم نصحًا قبل أن أقدمه للآخرين، أعتبر في كل جمعة أن رزق الله لهؤلاء ساقه لهم، وأنا مجرد واسطة.
جميلة كانت تلك الخطب، وجميل ذاك الزمان، حين كان للمسجد حرمة، ولخطبة الجمعة قدسية، وللخطيب حرية.
ليست المشكلة في طول الخطبة أو قصرها، ولا في حسن الإلقاء أو سلامة القراءة، المشكلة حين يفقد المنبر روحه، وتُنتزع من الكلمة قدرتها على البكاء، والغضب، والدعاء.
حين يصبح المسجد مكانًا للصمت الموجّه، لا للصدق، وحين يُختزل وجع الأمة، ودمع القدس، وأنين الأقصى في ورقة باردة تُقرأ بلا قلب.
لقد كان المنبر يومًا صوت الناس إلى السماء، وخطيبهم شاهدًا على عصره، ناطقًا بوجع أمته، فإذا به اليوم مجرد صدى، وظلّ بلا ملامح.
وما زلت أؤمن، رغم كل هذا الوجع، أن للمنابر عودة، وللكلمة حياة، وللصدق يومًا ينتصر فيه على التوجيه، وللأقصى موعدًا مع التكبير لا تحجبه ورقة، ولا تصادره تعليمات.
وإلى ذلك الحين، ستبقى هذه الكلمات شهادة حزن، وصرخة وفاء لمنبر كان حيًّا… وما زلنا ننتظر أن يعود.