أعادت الفيضانات التي عرفتها عدة مناطق مغربية خلال الفترة الأخيرة إلى الواجهة نقاشا قديما/جديدا حول واقع البنية التحتية، وحدود نجاعة السياسات العمومية في حماية المواطنين من المخاطر المتكررة. فمع كل موجة تساقطات، تتكشف هشاشة شبكات الصرف الصحي، ورداءة الطرق، وضعف التخطيط العمراني، إلى جانب غياب تحديث السدود واعتماد تقنيات متطورة في تدبير الموارد المائية. وفي مقابل هذا الواقع، يبرز مشهد مواز تستعرض فيه الدولة قدرتها التقنية والمالية على تشييد منشآت رياضية تستجيب لأعلى المعايير الدولية، في سياق الاستعداد لاحتضان تظاهرات قارية وعالمية.
أي نموذج تنموي نريد؟ ولصالح من توجه الاستثمارات العمومية؟
لم تعد الفيضانات في المغرب أحداثا استثنائية، بل أضحت ظاهرة متكررة تكشف أعطابا بنيوية في البنية التحتية وسياسات تدبير المخاطر. فما شهدته مدن مثل آسفي، القصر الكبير، شفشاون، طنجة، تطوان، ومناطق أخرى، يبين أن الخسائر البشرية والمادية لا ترجع فقط إلى شدة التساقطات، بل إلى غياب منظومة وقائية فعالة، وضعف التخطيط الاستباقي. ومما زاد من خطورة الوضع هي التراخيص لمشاريع عمرانية واستثمارية في مجاري الأنهار والوديان، وعدم الالتزام الصارم بشروط السلامة في البناء والتعمير، ما حوّل الكوارث الطبيعية إلى مآس إنسانية يمكن تفاديها.
في المقابل، تحظى المشاريع المرتبطة بالمنشآت الرياضية الكبرى بأولوية واضحة ضمن السياسات العمومية، فقد رصدت ميزانيات ضخمة لبناء وتأهيل الملاعب استعدادا لكأس أمم إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030، مع احترام دقيق للمعايير التقنية، واعتماد أنظمة متطورة لتصريف المياه، وآليات متطورة وقدرات تقنية عالية، مما يعكس إرادة سياسية واضحة للاستثمار في المشاريع ذات البعد الرمزي والإشعاعي، القادرة على تعزيز صورة الدولة عالميا، وتسويق “النموذج المغربي المتطور” في مجالي التنظيم والإنجاز.
غير أن الإشكال الجوهري يكمن في عدم تعميم هذه القدرة التقنية والمالية على البنيات التحتية التي تمس الحياة اليومية للمواطنين. فالحي الشعبي الذي يغرق مع أولى التساقطات لا يعاني من صعوبات إصلاحية أو ضعف الموارد المالية بقدر ما يعاني من غياب النظرة الشمولية للعدالة الاجتماعية، والمزيد من التعامل بمنطق الإقصاء، علاوة على عدم القدرة على مواجهة التحديات المعيشة، حيث تعطى الأولوية القصوى للفضاءات المرتبطة بالواجهة الدولية، بينما تترك مجالات واسعة لمنطق التدبير الظرفي والارتجالي.
وتطرح هذه المفارقة سؤالا جوهريا حول سبل صرف الإنفاق العمومي، هل يوجه أساسا لضمان الحقوق الأساسية للمواطنين، أم لتعزيز الصورة والفرجة؟ فالرياضة، رغم أهميتها الثقافية والرمزية، تبقى عنصرا مكملا للتنمية، ولا يمكن أن تحل محل الحق في السكن الآمن، والبنية التحتية الصامدة، والحماية من المخاطر الطبيعية، وضمان الحد الأدنى من شروط العيش الكريم.
إن الفيضانات التي تضرب المغرب اليوم لا تمثل مجرد كوارث طبيعية عابرة، بل تشكل مؤشرات واضحة على اختلال عميق في ترتيب الأولويات التنموية، هذا ما يعكس غياب عدالة مجالية فعلية، لا تمثل نقصا في الإمكانيات بقدر ما هو خلل في توجيهها، حيث يقدم المرئي والظرفي على الضروري والمستدام.
ومن ثم، فإن تجاوز هذه الاختلالات يقتضي تبني مقاربة تنموية شمولية تجعل من ترشيد الاستثمار العمومي، وتعزيز نجاعته، والربط بين التنمية الاقتصادية والإنصاف الاجتماعي وحماية البيئة، مرتكزات أساسية لسياسة عمومية ناجحة. ودون ذلك، ستظل المشاريع الكبرى عاجزة عن حجب هشاشة الواقع المعيشي، وسيبقى بريق الصورة غير قادر على تعويض غياب الأمان والكرامة لفئات واسعة من المجتمع.