القصة مستوحاة من شخصية الشهيد حمزة هشام عامر الذي عُرف في غزة بلقب المقاتل الأنيق. ارتبطت صورته في الذاكرة بمعطفه الأسود وحذائه الأبيض، وهو يتقدّم بثبات نحو المواجهة. تفاصيله الصغيرة – الأناقة، المنديل الأبيض، العطر – لم تكن مجرد مظهر، بل رسالة تحدٍّ: أن الحرب القبيحة لن تنتزع من الإنسان جماله ولا كبرياءه. استشهاده وثّقته الكاميرات وأثار إعجاب الناس، فصار رمزًا للبطولة التي تجمع بين الصلابة والذوق، بين المقاومة والإنسانية.
القصة الرمزية: المقاوم الأنيق
لم تكن الحرب في غزة تُبالي بالمرايا، لكن هاشما كان كلّ صباحٍ يمسح عن مرآته الغبار بمنديله الأبيض الناصع بإصرارٍ غريب، يقف أمامها كأنه يؤدي صلاته الأخيرة، ينظر إليها من خلال المربعات والمثلثات التي شكلتها شقوق شظية قبيحة قديمة، يميل أمامها ذات اليمين وذات الشمال برشاقة لا تخطئها العين باحثا له عن أوضح انعكاس، وهو يعدّل ربطة قميصه كما لو كان ذاهبًا إلى موعدٍ خطوبة، ويبتسم كطفل يقف يوم العيد بحلته القشيبة أول مرة أمام مرآة…
وقبل أن يغادر بيته نصف المهدوم يرشّ أبو هاشم عطره الذي يحتفظ به بعناية في جيب معطفه الأسود الطويل الذي يتسربل به طوال الوقت، لا يكاد يفارقه، إلا إذا اشتد الحر، أو يحين وقت الوضوء… يلمّع حذاءه الرياضي الأبيض بذات المنديل الأبيض، يشد جيدا خيوطه البيضاء بأناقة بالغة كما يفعل رياضي محترف، ويعدّل ساعته الأنيقة في معصمه، ثم يخرج بخطواتٍ تشبه موسيقى خفيفة وسط الصمت الثقيل.
سألته أمّه ذات فجرٍ، في بدايات العدوان قبل أن ترتقي، وهو يتهيأ للخروج: أهذا زمن العطور والبدلات الأنيقة يا بني؟ !
ابتسم وقال: لا أريد يا أماه لهذه الحرب القبيحة أن تشمّ في ابنك رائحة الخوف..
وفي الليل، حين يسكن المدى إلا من هدير طائرات الموت التي تملأ السماء الحالكة، وتملأ الأرض بالموت الأسود، وتتلألأ السماء بأسماء الشهداء، وتعانق أحجار المدينة لأول مرة بعضها بعد أن حطتها القاذفات من عل، لعلها تخفف ألم موت حل بساحتها تساق إليه زمرا، ولا سبيل.. ولا ملجأ.. ولا منجا… حينها كان هاشم يلوذ بزاوية من النفق، يبسط سجادة مغبرة ويسافر في الملكوت يعانق السكون ويلبس الخشوع… كانت سجداته طويلة كأنها تعاند ليلا بطيئا تمطى وأردف وناء.. وحين يعود من معراج السماء كان من عادته ألا يغادر محرابه قبل أن يخرج من كيس سميك سفر الكلمات الثقيلة، يفتحه حيث آخر علامة مرور، يملأ عينيه كمن لا يطمع في نظرة أخرى، يرسم قبلتين على وجنتيه ثم يعيده بأناة إلى الكيس..
حين كان طفلاً، كان يلهو بين البيوت المدمرة، يحمل عصا خشبية كأنها بندقية.
كان يصر على أمه أن تلبسه ثيابه النظيفة، يقفز بها هنا وهناك، يطلق الرصاص صوب عدو يراه بأعين الصغار وهو يزرع الخراب والقبح في كل أرجاء المدينة ..
خرج من جوف النفق كما تُولد الكلمة من الصمت. تقدّم ببطءٍ، كمن يخشى أن يوقظ الموت القابع في كل الأزقة، في كل الزوايا وفي كل النوايا..
في طريقه بين الركام، لمح بقايا دميةٍ مبتورة الذراع تتدلّى من شرفةٍ منهارة. قربها كتيّب أذكار مفتوح على صفحةٍ خضراء ملطّخةٍ بالدم. مدّ يده بهدوء، مسح الغبار عن الدمية، ثم وضع كتيّب الأذكار في جيبه.
كانت التفاصيل الصغيرة تلك تذكّره أن أعينا كثيرة تراقبه من السماء وتنتظر عزاء عز في الأرض…
انحنى خلف جدارٍ مهدّم، راقب من بعيد خطوات الجنود المتسلّلين في أزقّة حيّ الزيتون.
عدل جلسته خلف “الياسين” الذي ثبته بعناية على بقايا طابوق مكسور.. ثبت جسده بالأرض، أمال رأسه قليلا ثم ألصق عينه بالمنظار، يريد رصاصاته في مقتل، لامست سبابته بأناة ورفق الزناد كما كانت على الدوام تداعب حبات مسبحته.. تؤدة متوارثة أبا عن جد صقلتها خبرة تليدة بعدوٍ حبالُ وجوده الممدودة من الشرق والغرب تحتاج إلى نفَس طويل كي تقطع.. حين ضغط على الزناد، تداعت إلى سمعه صيحة كالسهم المرمي في مقتل: “حلّل يا دويري“…
بين كل طلقةٍ وأخرى، كانت يده تمرّ على معطفه الأسود الطويل يمسح بها ما تناثر عليه من غبار وقع رصاص العدو الذي كان خيطا من لهب…
وحين أعاد هاشم يده إلى السلاح، أدار معصمه قليلًا. في تلك الحركة الصغيرة، التقط زجاج ساعته شعاعًا شاحبًا، لكنه كان كافيا ليبعث إشارة إلى العيون الغادرة، انهمر الرصاص على المكان، تناثر كل شيء حوله.. اخترقت شظيّة صدره، أطلق طلقةً أخيرة، ثم سكن…
ربطة حذائه ما تزال مشدودة، والمنديل الأبيض لم يتّسخ إلا قليلًا.. وجه الدمية يستريح فوق كتيب الأذكار الذي سلخ الأحمر القاني بياضه الناصع يحكي بهاء شقائق النعمان.. وعبق عطره المعهود يملأ المكان..