المرأة والتربية على القيم

Cover Image for المرأة والتربية على القيم
نشر بتاريخ

تقديم

حبا الله تعالى المرأة (كركن ركين للأسرة) بقدرات خاصة ومكانة متميزة داخل البناء الأسري، فهي منبع السكن وروح الأسرة وعمودها الذي تقوم به، يقول الله عز وجل وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21).

فما هو التمظهر الوظيفي لهذه الخصوصية التي ميزت المرأة داخل البناء الأسري؟ وماهي إمكانات توظيفه في استغلال مواسم الخير كشهر رمضان الكريم؟

دور المرأة في مؤسسة الأسرة

المرأة مفتاح سعادة الأسرة وعمادها 1، بصلاحها تصلح الأسرة وتتألق ثمراتها، وبه يسعد المجتمع ويرقى عطاؤه، ولعل من أشعر ما قيل فيها وفي تأصيل دورها في نهضة الأمم قول الشاعر حافظ إبراهيم:

الأُمُّ مَدرَسَةٌ إِذا أَعدَدتَها

أَعدَدتَ شَعباً طَيِّبَ الأَعراقِ.

يجمع المختصون في علم اجتماع الأسرة على الدور المحوري للمرأة في بناء الأسرة، وتأثيرها البليغ في قيامها بوظائفها، وذلك من خلال ثلاثة أبعاد:

البعد النفسي: إذ نجد المرأة (أما أو زوجا) غالبا ما تكون المزود الرئيسي للدعم العاطفي، حيث يشعر أفراد الأسرة بالأمان النفسي والقَبول غير المشروط، مما يجعل من الأسرة نواة صلبة لبناء نمو نفسي سليم للأطفال. هذا من جهة، ومن جهة أخرى تلعب المرأة داخل الأسرة دورا أساسيا في إدارة الضغوط والتوترات خاصة في أوقات الأزمات، وذلك من خلال امتصاصها للتوترات بين الأفراد وخلق جو من الاستقرار النفسي داخل البيت، وهذا كله يسهم في بناء الهوية النفسية للأطفال، من خلال التفاعل اليومي الذي تتكرس فيه الثقة بالنفس وتقدير الذات.

البعد الاجتماعي (مدير العلاقات): فالوالدان وخاصة الأم تعد المعلمة الأولى للقيم الاجتماعية والمعايير السلوكية، إذ تعلم الأطفال كيفية التفاعل مع الآخرين وفهم أدوارهم الاجتماعية المتوقعة منهم، وكيفية الاندماج الفاعل في ثقافة المجتمع، فتكون الأم بهذا المسهم الأكبر في عملية التنشئة الاجتماعية. في هذا البعد (البعد الاجتماعي) يدخل أيضا إسهام المرأة المؤثر في الحفاظ على شبكة القرابات والعلاقات الاجتماعية، وذلك من خلال تدخلها في تعزيز الروابط مع العائلة الممتدة والأقارب والجيران.

البعد الأخلاقي (حارسة القيم والضمير الأخلاقي): من خلال احتكاكها الطويل في الزمن مع مكونات الأسرة، تقدم الأم النموذج السلوكي الذي يزود عناصرها بالكثير من قواعد السلوك في المواقف الأخلاقية، خصوصا الأطفال، إذ تعتبر لديهم الأم عمليا المزود الأول بالقيم الأخلاقية والدينية مثل الصدق والأمانة والمسؤولية والاحترام، والتي يتم ترجمتها إلى مواقف وسلوكات في الحياة اليومية.

رمضان والأسرة

رمضان شهر الإنابة إلى الله عز وجل، وشهر السمو بالإنسان من حالة التعلق بالدنيا وملذاتها إلى مستوى التشبه بالملائكة – لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء: 27] – في التخلص من ثقل المادة والتعلق بالمعاني السامية. مما ورد في فضله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم يعطهن أمة قبلهم: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، ويزين الله لهم كل يوم جنته ثم يقول يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤنة والأذى ويصيروا إليك، ويصفد فيه مردة الشياطين فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره، ويغفر لهم في آخر ليلة» 2. بركات هذا الشهر لا تنقضي، ففيه ترتفع الهمم في طلب وجه الله عز وجل، ينعكس ذلك على سلوك الأفراد الذي يؤثر في المظاهر الاجتماعية المرغوبة، التي تنتشر بشكل يجعل البيئة الاجتماعية مساعدة على غرس القيم السمحة للإسلام، من هذه المظاهر:

– تسابق الصبية فيما بينهم في الصيام، فهذا يصوم يومين والآخر يتحداه في صيام ثلاث، مع ما يتبع ذلك وينتج عنه من فرص التدريب على قيم الصبر والتحمل والتنافس في الخير.

– كثرة مشاهد حمل القرآن الكريم وتلاوته وسماعه داخل الأسر، الشيء الذي يكون له بالغ الأثر في نفوس الناشئة، حيث تعود للقرآن قيمته المحورية في بناء الأسرة والمجتمع، وتترسخ مكانته في نفوس الناشئة.

– تسابق الصبية لمرافقة ذويهم وحتى أقرانهم لزيارة المساجد وصلاة التراويح وسماع القرآن الكريم، وما لذلك من أثر في جعل القرآن الكريم والمسجد جزءا أساسيا في الحياة الاجتماعية للأطفال، وما له من أثر قيم في غرس أخلاق القرآن الكريم في نفوسهم.

– مظاهر الفرح المتنوعة التي يعكسها تغير نظام الحياة الاجتماعية في هذا الشهر الفضيل، من برامج متنوعة داخل البيت وخارجه، تخرج بالبيت من عاداته اليومية المألوفة، إلى نظام جديد من الأنشطة والسلوكات مليء بالتنوع والجِدَّةِ.

المرأة فاعل تربوي مركزي في تحويل رمضان إلى مدرسة أخلاقية داخل البيت

بالنظر إلى الدور الذي تلعبه المرأة في صناعة الإنسان داخل الأسرة، وبالنظر إلى شهر رمضان الأبرك بما يتيحه من فرص وأجواء إيمانية وحياة اجتماعية متجددة، يظهر جليا دور المرأة في اغتنام هذه الأوقات في جعل شهر رمضان مدرسة لتلقين الأخلاق والقيم السمحة لديننا الحنيف والتدرب عليها، وقيادة الأسرة إلى اغتنام نفحاته واهتبال الفرص التي يتيحها. لكن تحقق هذا يعترضه عقبات كأداء ينبغي التعامل معها بحنكة نجملها فيما يلي:

– التخلص من ثقل العادات الدخيلة، التي تجعل الزمن الأسري يضيع في إعداد ما لذ وطاب من أنواع المأكل والمشرب، والاقتصار بدل ذلك على ما قل وجمل حتى يكون شهر رمضان شهر متميزا بالفعل عن باقي الشهور.

– جعل أوقات الشهر الفضيل تستغل وفق برنامج أسري يناسب خصوصية أفراد الأسرة وتنوع ميولاتهم، وجعلها ميزانية ثمينة لا تصرف إلا في أشرف الأعمال، بين تلاوة للقرآن وسماع، وبين مسابقات علمية وثقافية تناسب القلوب والأفهام، وبين رياضة ماتعة تناسب السن وغضاضة الأبدان.

خلاصة

تَخلُّص المرأة من سجن العادات الجارفة والذهنية الرعوية يجعل وقت الأسرة كله يُستغرَق في البناء، بناء صرح القيم السامية والأخلاق الحميدة، في جو من الروحانية العالية، تتكرس من خلالها مكانة المرأة في بيتها كراعية نفسية ومديرة للعلاقات وحارسة للقيم الأخلاقية، يساعدها والأسرة في ذلك بركات شهر خصه الله عز وجل بتنزل كلامه الكريم، وتنزل أفضاله ورحماته وجعل فيه ليلة هي خير ليالي خلقه على الإطلاق، فطوبى لمن شمر عن ساعد الجد وغنم من فضله عز وجل وإنعامه.


[1] “إن الأسرة القوية عماد الأمة القوية، والأم المربية المصلحة عماد الأسرة” تنوير المؤمنات/ الفصل التاسع: الأمهات المؤمنات صانعات المستقبل.
[2] مسند الحارث باب في فضل شهر رمضان.