المبحث الخامس: نموذج العالمات التابعيات – أم الدرداء الصغرى أنموذجاً
إذا كان عصر الخلافة الراشدة قد شهد بروز نخبة من العالمات الصحابيات، فإن هذا العطاء لم ينقطع بانقضاء ذلك الجيل، بل امتد في جيل التابعين، حيث واصلت المرأة حضورها العلمي، وأثبتت قدرتها على حمل الأمانة وتوريث العلم، في سياق حضاري أخذ يتسع وتتعدد فيه مراكز المعرفة.
ويُعدّ نموذج أم الدرداء الصغرى من أبرز النماذج التي تجسد هذا الامتداد، بما يعكسه من نضج علمي، وحضور تربوي، واستمرارية في أداء الوظيفة الرسالية للعلم.
أولاً: التعريف بأم الدرداء الصغرى
أم الدرداء الصغرى -واسمها هجيمة أو جهيمة الأوصابية- تابعية جليلة، نشأت في بيئة علمية، وتزوجت من الصحابي أبي الدرداء رضي الله عنه، فأخذت عنه العلم، ولازمته، واستفادت من صحبته، حتى أصبحت من كبار العالمات في عصرها.
وقد روت عن عدد من الصحابة، منهم:
– أبو الدرداء
– عائشة رضي الله عنها
– أبو هريرة رضي الله عنه
كما روى عنها عدد من كبار التابعين، مما يدل على مكانتها العلمية، وثقة العلماء بروايتها.
ثانياً: مكانتها العلمية ودورها في التعليم
بلغت أم الدرداء الصغرى منزلة رفيعة في العلم، حتى أصبحت:
– فقيهة
– محدثة
– معلمة
وكان لها مجلس علم في مسجد دمشق، تُدرّس فيه، ويقصدها طلاب العلم، ومنهم كبار الشخصيات، حتى يُذكر أن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان كان يجلس في حلقتها كأحد الطلبة.
وهذا المشهد يعكس بوضوح:
– تقدير العلم في المجتمع
– قبول المرأة العالِمة كمرجع
– اندماجها الكامل في الحياة العلمية
كما اشتهرت بحرصها على تعليم القرآن، ومشاركتها في حلقات العلم، مما يدل على حيوية دورها التعليمي.
ثالثاً: خصائصها التربوية والإيمانية
لم تكن أم الدرداء مجرد عالِمة ناقلة، بل كانت شخصية متكاملة، تجمع بين:
– العلم
– العبادة
– الزهد
وقد عُرفت بحرصها على العمل، حتى كانت تنصح زوجها قائلة: “اعمل وكل، فإن ضعفْتَ فكل ولا تأكل صدقة”.
كما عُرفت بحسن خلقها، وسموّ أخلاقها، مما يعكس أثر العلم في سلوكها، ويؤكد أن العلم الحق يثمر تربية وأخلاقاً.
رابعاً: حضورها في الفضاء العام العلمي
من الملامح اللافتة في سيرة أم الدرداء الصغرى حضورها في الفضاء العام، حيث كانت:
– تجلس في المسجد
– تعلم الرجال والنساء
– تشارك في الحياة العلمية
وقد ذكر أنها كانت تجلس في صفوف الرجال في حلق العلم، وهو ما يدل على:
– طبيعة البيئة العلمية آنذاك
– انضباط العلاقة بضوابط الشرع
– أولوية العلم على الاعتبارات الشكلية
وهذا يعكس مستوى من النضج المجتمعي، الذي يوازن بين القيم والوظائف.
خامساً: دلالات النموذج وأبعاده المنهاجية
يمثل نموذج أم الدرداء الصغرى امتداداً طبيعياً لمدرسة الصحابيات، ويقدم جملة من الدلالات المهمة:
– استمرارية العطاء العلمي النسائي
– فالعلم لم يكن مرتبطاً بجيل الصحابة فقط، بل استمر عبر الأجيال
– قدرة المرأة على الجمع بين الأدوار
– فقد جمعت بين الزوجية، والعلم، والتعليم، والعبادة
– مركزية المسجد كمؤسسة علمية
– حيث كان فضاءً مفتوحاً لتعلم الرجال والنساء
– الاعتراف المجتمعي بكفاءة المرأة العالِمة، وهو شرط أساسي في تمكينها.
ومن منظور منهاجي، فإن هذا النموذج يؤكد أن بناء المرأة العالِمة مشروع ممتد، يحتاج إلى:
– صحبة صالحة
– بيئة علمية
– تربية إيمانية
– انخراط في الواقع
خلاصة المبحث
إن أم الدرداء الصغرى ليست مجرد شخصية تاريخية، بل هي نموذج حيّ لامرأة:
– حملت العلم
– وبلّغته
– وربّت عليه
– وعاشت به
مما يجعلها مثالاً يُحتذى في بناء المرأة العالِمة في كل زمان.
وبعد هذا الامتداد التاريخي، نصل إلى مبحث جامع يستثمر هذه المعطيات في قراءة تربوية معاصرة، وهو:
المبحث السادس: قراءة تربوية منهاجية في نموذج المرأة العالِمة