المرأة العالِمة في زمن الخلافة الراشدة: أدوارها العلمية وخصائصها التربوية ونماذجها التطبيقية (4)

Cover Image for المرأة العالِمة في زمن الخلافة الراشدة: أدوارها العلمية وخصائصها التربوية ونماذجها التطبيقية (4)
نشر بتاريخ

المبحث الرابع: نماذج تطبيقية لعالمات في زمن الخلافة الراشدة

بعد الوقوف على الأسس الشرعية، والعوامل المفسِّرة، والخصائص المميِّزة، يحسن بنا أن ننتقل إلى التجسيد العملي لهذه المعاني من خلال نماذج حية لعالمات في صدر الإسلام؛ إذ إن النماذج التطبيقية هي التي تمنح للمعاني روحها، وتحوّل التصورات النظرية إلى واقع ملموس.

وسنقسم هذا المبحث إلى مطلب واحد: نماذج مغمورة ذات أثر عميق

إذا كانت هناك نماذج عرفت واشتهرت وكانت تمثل  الواجهة الظاهرة للحضور العلمي النسائي، فإن هناك نماذج أخرى أقل شهرة، لكنها لا تقل أثراً وعمقاً، بل تكشف عن اتساع دائرة العلم النسائي في صدر الإسلام.

أولاً: أم كلثوم بنت العباس – دقة الرواية ومنهج التمحيص

هي أم كلثوم بنت العباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشية الهاشمية. نشأت في بيت النبوة الممتد؛ فأبوها هو العباس، عم النبي ﷺ وصنو أبيه. وإخوتها نجوم لامعة في سماء الصحابة منهم: الفضل وعبد الله (ترجمان القرآن) وعبيد الله وقُثَم.

أما والدتها فقد اختلفت فيها المصادر؛ فذكرت الغالبية أنها “أم ولد” (أي جارية أنجبت لسيدها فصارت حرة)،  بينما ذهب الإمام ابن الأثير إلى أن أمها هي “أم سلمة بنت مَحْمية بن جَزْء الزبيدي”.

هل كانت أم كلثوم صحابية رأت النبي ﷺ أم تابعة؟

هناك خلاف علمي دقيق حول ثبوت صحبتها. فقد ذكر الحافظ “ابن مَنْدَه” أنها أدركت النبي ﷺ، وساق حديثاً رائعاً من طريقها يلامس القلوب، حيث روت: “إِذَا اقْشَعَرَّ جِلْدُ الْعَبْدِ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ تَحَاتَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ، كَمَا يَتَحَاتُّ عَنِ الشَّجَرَةِ الْبَالِيَةِ وَرَقُهَا”.

هذا الحديث الروحاني العظيم أثار نقاشاً بين كبار المحدثين فبينما جعله “ابن منده” من روايتها المباشرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، تدخل علماء التدقيق مثل الإمام الطبراني والحافظ ابن حجر العسقلاني وأبو نعيم الأصبهاني ليصححوا السند. وأكدوا بحسم: “الصواب أن أم كلثوم روت هذا الحديث عن أبيها العباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم”.

لقد كانت راوية أمينةً نقلت علم أبيها وحفظته للأجيال وروى عنها ثقات مثل: عبيد الله بن أبي جعفر ومحمد بن إبراهيم.

لعل أمتع وأهم جزء في سيرة أم كلثوم بنت العباس هو ذلك “الاشتباك التاريخي” الذي وقع فيه مؤرخ كبير بحجم “ابن الأثير الجزري”.

فقد ذكر ابن الأثير في كتابه أن أم كلثوم هذه تزوجت تباعاً من كبار الصحابة فزعم أنها تزوجت الحسن بن علي (فولدت له محمدًا وجعفرًا) ثم تزوجت أبا موسى الأشعري (فولدت له موسى) ثم تزوجت عمران بن طلحة وأنها ماتت بالكوفة.

وهنا انبرى أمير المؤمنين في حديث الإمام ابن حجر العسقلاني ليرد هذا القول بصرامة علمية فائقة مدافعاً عن الدقة التاريخية فقال مصححاً: “وهذا كله إنما هو لأم كلثوم بنت الفضل بن العبّاس.. وليس لأم كلثوم بنت العباس!”.

لقد خلط ابن الأثير بين “العمة” (أم كلثوم بنت العباس) وبين “ابنة أخيها” (أم كلثوم بنت الفضل بن العباس). وأثبت ابن حجر بالدليل القاطع من صحيح مسلم وطبقات ابن سعد أن قصة الزيجات المتعددة تلك تخص “ابنة الفضل” وليست ابنة العباس.

هذا التصحيح الصارم ليس مجرد تفصيل عابر بل هو وسام شرف لمنهجية علماء الإسلام الذين لم يتساهلوا قط في تدوين سير النساء فميزوا بين العمة وابنة أخيها وحفظوا لكل امرأة تاريخها الخاص دون زيادة أو نقصان.

تمثل أم كلثوم بنت العباس نموذجاً للعالِمة الراوية التي أسهمت في نقل الحديث، وقد أثارت رواياتها نقاشاً علمياً بين المحدثين، مما أدى إلى تحقيق دقيق في أسانيدها.

وقد قام علماء كبار، كابن حجر العسقلاني، بتمييز رواياتها وتصحيح ما وقع فيها من خلط، وهو ما يعكس:

– مكانة روايات النساء في علم الحديث
– دقة المنهج العلمي في التحقق من الأخبار

ويقدم هذا النموذج درساً منهجياً مهماً، وهو أن العلم يقوم على التثبت والتدقيق، لا على مجرد النقل.

ثانياً: أم مبشر الأنصارية – نقل السنة وبناء الوعي

في بيوت الأنصار بالمدينة المنورة نبتت سير عطرة لنساء صنعن ببيوتهن وعقيدتهن فجر الإسلام. ومن بين هؤلاء تبرز السيدة أم مبشر الأنصارية المرأة التي اجتمع فيها شرف السبق وعراقة النسب وبركة الصحبة لتكون واحدة من الشخصيات النسائية المحورية في مجتمع “طيبة” الأول.

لم تكن أم مبشر امرأة عادية في نسبها، فهي أم مبشر بنت البراء بن معرور الأنصارية الخزرجية. والدها هو الصحابي العظيم البراء بن معرور أحد النقباء الاثني عشر الذين اختارهم النبي ﷺ ليلة العقبة الثانية، والرجل الذي اشتهر في التاريخ الإسلامي بأنه “أول من استقبل الكعبة” في صلاته اجتهاداً قبل أن تحول القبلة رسمياً، وأول من أوصى بثلث ماله في سبيل الله. في هذا البيت العامر بالإيمان والريادة تربت أم مبشر لتكون من السابقات اللاتي بايعن النبي ﷺ بيعة النساء بمجرد قدومه للمدينة.

بعد رحلتها في الإسلام وهجرتها، ارتبطت أم مبشر بالصحابي الجليل زيد بن حارثة رضي الله عنه، الملقب بـ”حِبِّ رسول الله ﷺ” والقائد العسكري الفذ. تزوج الصحابي الجليل زيد بن حارثة رضي الله عنه من السيدة أم مبشر الأنصارية بعد طلاقه للسيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها – وليس قبل ذلك – في السنة الخامسة للهجرة تقريباً (بعد غزوة الأحزاب وقبل غزوة بني قريظة). بالتالي فإن زواج زيد من أم مبشر الأنصارية حدث في الفترة التي تلت هذا التاريخ، أي بعد السنة الخامسة للهجرة. وقد أنجبت له ابنه “زيد بن زيد” الذي توفي صغيراً. هذا الزواج جعلها في قلب الدائرة القريبة من بيت النبوة حيث عاشت في كنف رجل كان النبي ﷺ يحبه كابنه مما أتاح لها فرصة نادرة لنقل العلم والحكمة عن النبي ﷺ مباشرة.

لم يغفل أصحاب السير والمسانيد عن ذكر فضلها وعلمها؛ فقد وثق ذكرها الإمام ابن حجر العسقلاني في كتاب “الإصابة في تمييز الصحابة”، وأورد أخبارها ابن الأثير في “أسد الغابة”. وتعد أم مبشر من الراويات الثقات فقد روت عن النبي ﷺ أحاديث هامة منها حديثها الشهير الذي يرويه عنها جابر بن عبد الله في فضل الغرس والزرع، حيث قال النبي ﷺ في بيتها: “ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة” (رواه مسلم).

كما سجلت المصادر كما في “سير أعلام النبلاء” للذهبي، حضورها الفاعل في المجتمع النبوي ومناقشاتها العلمية التي تعكس وعياً فقهياً كبيراً خاصة في حديثها مع النبي ﷺ حول الشجر والجنة.

أم مبشر الأنصارية هي نموذج للمرأة التي جمعت بين نبل المحتد (الشخص الشريف، كريم الأصل والنسب) (بنت البراء) وعظمة الشريك (زوجة زيد). كانت حياتها جسراً لنقل السنة النبوية ومثالاً للمرأة الأنصارية التي بايعت بصدق وعاشت في كنف العلم والجهاد.

كما أن  حديث أم مبشر عن “فضل الغرس والزرع” يعد من أصول “الوعي البيئي” في الإسلام، حيث ربط النبي ﷺ بين العمل في الأرض والأجر الأخروي المستمر.

تُعد أم مبشر الأنصارية من الراويات اللاتي نقلن عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث ذات أبعاد تربوية واجتماعية، ومن ذلك حديثها في فضل الغرس والزرع.

وقد كان لحياتها اتصال وثيق ببيت النبوة، مما أتاح لها نقل جوانب من السيرة العملية، وأسهم في:

– نشر القيم
– ترسيخ المعاني
– بناء الوعي الاجتماعي

ويمثل نموذجها صورة للمرأة التي تجمع بين النسب الشريف، والصحبة، والعلم، والتأثير.

ثالثاً: بريرة رضي الله عنها – صناعة الفقه من خلال الواقع

 لم يكن تأثيرهن علميًا فقط، بل تربويًا واجتماعيًا أيضًا؛ إذ كنّ يربين الأجيال على فهم الدين الصحيح. ففي تاريخ السيرة النبوية العطرة تبرز شخصيات نسائية عالمة متفقهة في أمور دينها مسنة لقواعد فقهية وعلمية ثابتة للأجيال اللاحقة بعدهن، فهناك من لم تكن من سادات قريش ولا من زعماء الأنصار لكن حياتها ومواقفها شكلت منعطفات حاسمة في التشريع الإسلامي، من هؤلاء تطل علينا “بَريرة” تلك المرأة الحبشية التي دخلت بيت النبوة مملوكة وخرجت منه حرة تاركة خلفها إرثاً فقهياً يدرس إلى يومنا هذا في أبواب العتق والنكاح والولاء والصدقات.

هي بريرة بنت صفوان (وقيل غير ذلك في اسم أبيها)، حبشية الأصل. كانت في بداية أمرها جارية مملوكة لبعض بني هلال (وقيل لأسرة من الأنصار). لم يكن لها ذكر في مكة وإنما ظهرت قصتها في المدينة المنورة بعد الهجرة.

بدأت علاقتها ببيت النبوة عندما جاءت إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تستعينها في فكاك رقبتها، فقد كاتبت أهلها (أي اتفقت معهم على دفع مبلغ منجم مقابل حريتها) ولكنها عجزت عن السداد.

تعتبر قصة عتق بريرة واحدة من أهم القضايا الفقهية في العهد النبوي، حيث أسست لقاعدة “الولاء”.

عندما جاءت بريرة إلى عائشة تطلب المساعدة وافقت عائشة على دفع المبلغ كاملاً (قيل تسع أواقٍ من الفضة) بشرط أن يكون ولاء بريرة لها. لكن أسياد بريرة اشترطوا شرطاً غريباً: أن يأخذوا المال من عائشة ويبقى ولاء بريرة لهم (أي حق الإرث والنصرة بعد العتق).

ترددت عائشة فذكرت ذلك للنبي ﷺ، فكان رده حاسماً وتأسيسياً. قال لها: «اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (متفق عليه).

لم يكتفِ النبي ﷺ بذلك بل قام خطيباً في الناس ليرسخ هذا المبدأ؛ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أَمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ».

وهكذا أصبحت بريرة حرة وصار ولاؤها لعائشة وللمسلمين وأبطل الإسلام الشروط الجائرة التي تخالف أصول الشريعة.

لم تكن قصة بريرة مجرد مسألة قانونية بل كانت دراما إنسانية مؤثرة هزت مشاعر أهل المدينة.

قبل عتقها كانت بريرة متزوجة من عبد يُدعى “مُغيثاً” (وقيل كان حراً، لكن الراجح عند المحققين كابن تيمية وابن القيم أنه كان عبداً حين عتقت وهذا سبب تخييرها). وكان مغيث يحبها حباً شديداً بينما كانت هي لا تبادله نفس الشعور.

من أحكام الإسلام أن الأمة إذا أعتقت وزوجها لا يزال عبداً فإن لها “الخيار” في البقاء معه أو فسخ النكاح؛ لأنها أصبحت أعلى منه رتبة بالحرية. فاختارت بريرة نفسها وقررت الانفصال عنه.

هنا تجلت المأساة فقد هام مغيث على وجهه في طرقات المدينة يبكي خلفها ودموعه تسيل على لحيته يستعطفها أن ترجع إليه.

رقّ قلب النبي ﷺ لحال مغيث فقال لعمه العباس بن عبد المطلب: «يَا عَبَّاسُ أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا؟».

ثم تدخل النبي ﷺ شفيعاً لا آمراً، فقال لبريرة: «لَوْ رَاجَعْتِيهِ؟» (أي: هلا عدت إليه؟). فقالت بريرة بوعي وفقه: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَأْمُرُنِي؟». قال: «إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ». قالت: «لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ». (رواه البخاري).

في هذا الموقف درس عظيم في احترام النبي ﷺ لاستقلالية قرار المرأة في زواجها والتفريق الدقيق بين أمره التشريعي الملزم وبين شفاعته الإنسانية.

ارتبط اسم بريرة بحكم فقهي ثالث بالغ الأهمية يتعلق بأحكام الصدقات وآل البيت.

من المعلوم أن الصدقة (الزكاة) محرمة على النبي ﷺ وآل بيته، لكن الهدية جائزة. ذات يوم دخل النبي ﷺ بيته والبرمة (قِدر اللحم) تفور على النار فقُدم له خبز وأدم من غير اللحم. فسأل: «أَلَمْ أَرَ البُرْمَةَ تَفُورُ بِاللَّحْمِ؟». قالوا: «بلى يا رسول الله، ولكنه لحم تُصدِّق به على بريرة وأنت لا تأكل الصدقة». فقال النبي ﷺ مصححاً هذا المفهوم بقاعدة فقهية: «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا مِنْهَا هَدِيَّةٌ». (متفق عليه).

لقد رسخ هذا الموقف قاعدة أن العين (الشيء المادي) تتغير صفتها بتغير طريقة تملكها؛ فقد قبضته بريرة كصدقة مستحقة لها وعندما قدمته لبيت النبي ﷺ قدمته كهدية، والهدية حلال لهم.

ظلت بريرة وفية لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، تخدمها وتلازمها. وقد روت عن النبي ﷺ بعض الأحاديث القليلة، وروى عنها بعض التابعين مثل عبد الملك بن مروان في صغره.

كانت بريرة تتمتع بمكانة خاصة عند عائشة حتى أن عائشة كانت ترغب أن تُدفن في بيتها، وأوصت بريرة بذلك وقالت لها: “يا بريرة، إذا أنا مت فلا تدعن أحداً يليه غيرك”، ولكن عائشة عدلت عن ذلك لاحقاً وأوصت بدفنها في البقيع مع صواحبها.

عمرت بريرة طويلاً بعد وفاة النبي ﷺ وعائشة. ويشير المحققون من المؤرخين مثل الذهبي في “سير أعلام النبلاء” إلى أنها بقيت حية حتى خلافة يزيد بن معاوية، وتوفيت في تلك الفترة، أي بعد سنة 60 للهجرة بوقت قصير.

تُعد بريرة رضي الله عنها من أبرز النماذج التي تُظهر كيف يمكن للواقع أن يتحول إلى مصدر لتقعيد الأحكام. فقد كانت قصتها سبباً في تأسيس عدد من القواعد الفقهية، منها:

– “الولاء لمن أعتق”
– خيار المرأة بعد العتق
– تحول الصدقة إلى هدية

كما أظهرت شخصيتها وعياً واستقلالية، خاصة في موقفها من زوجها بعد العتق، حيث فرّقت بين أمر النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته.

ويمثل هذا النموذج ذروة في إبراز:

– فقه المرأة
– استقلال شخصيتها
– إسهامها في بناء التشريع

رابعاً: أم جندب الأزدية – فقه الحياة والسلوك

لم يكن دورهن مجرد نقل الحديث، بل كنّ يفسرن الأحكام ويجتهدن في الفقه. وكان كبار الصحابة يرجعون إليهم  في مسائل دقيقة من الفقه والعبادات.

وقصة أم جندب الأزدية ليست مجرد تاريخ بل هي دروس حية في حياتنا اليومية:

في زحام حجة الوداع وتحت شمس مكة الملتهبة لم تكن أم جندب الأزدية مجرد عابرة سبيل، بل كانت عيناً واعية نقلت لنا أدق تفاصيل “أخلاق الزحام” و”معجزات اليقين”. هي الصحابية التي بايعت وهاجرت وشهدت الفتوح وحملت في جعبتها أسراراً من بيت النبوة ومن فيض عائشة أم المؤمنين.

لعل المشهد الأكثر تأثيراً في سيرة أم جندب هو مشهد الأمومة اللاهثة خلف الشفاء. تروي أم جندب أنها رأت امرأة “خثعمية” جاءت بابن لها “ذاهب العقل” إلى النبي ﷺ فطلب ماءً في إناء حجري وتفل فيه أي (نفخُ ريقٍ خفيف جدًا مع النفَس) ودعا ثم أمرها بصبّه عليه.

هنا تجلت “فراسة الأم” وذكاء أم جندب فدنت من المرأة وقالت: “هبي لي منه قليلاً لابني هذا”. مسحت بفضل ذلك الماء شق ابنها “عبد الله” فكانت النتيجة مذهلة: برئ وعاش حتى قيل عنه إنه كان “من أبر الناس” وعقلاً ليس كعقول البشر.. إنه “يقين النساء” الذي حول حفنة ماء إلى ترياق خالد.

بينما كان الناس يزدحمون عند جمرة العقبة كانت أم جندب تراقب النبي ﷺ وهو على ناقته، ورأت الفضل بن العباس يستره خلفه. في ذلك الموقف العصيب سجلت لنا أم جندب صرخة النبي ﷺ التي نحتاجها اليوم في كل تجمعاتنا: “يا أيها الناس، لا يقتل بعضكم بعضاً وإذا رميتم الجمرة فارموا بمثل حصى الخذف”. و الخذف هو حصى صغيرة جدًا بحجم حصاة ترمى بالإبهام والسبابة. 

لقد نقلت لنا أم جندب مذهباً في الرفق والسكينة محذرة من أن العبادة لا تُقبل بإيذاء الخلق.

لم تكن حياة أم جندب ساكنة، فقد شهدت فتوح الشام مع زوجها “عمرو بن الأحوص”، وعايشت “طاعون عمواس” المرعب، ثم تحولت مع أسرتها إلى الكوفة لتصبح واحدة من كبار راويات الحديث هناك.

وفي الكوفة، لم تنعزل بل قادت “وفداً نسائياً” كوفياً إلى المدينة المنورة لزيارة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. وهناك في مجلس الصديقة تعلمت أم جندب ورفيقاتها فقه البيوت، ونقلت لنا مشهداً بسيطاً بليغاً لعائشة وهي تتصدق بـ”حبات عنب” قائلة: “إن فيها مثاقيل ذر كثيرة”؛ لتعلمنا أن المعروف لا يُحقر وإن صغر.

نقلت أم جندب الأزدية مواقف نبوية ذات بعد سلوكي عميق، خاصة ما يتعلق بآداب الزحام، والرفق، والتعامل مع الناس.

كما روت قصة شفاء ابنها، التي تعكس:

– قوة اليقين
– حضور الإيمان في الحياة اليومية

ويمثل نموذجها جانباً مهماً، وهو أن العلم لا يقتصر على الأحكام، بل يشمل أيضاً السلوك والقيم والتربية.

خامساً: الفريعة بنت مالك – تأسيس الأحكام من التجربة

تميزت العالمات في تلك الفترة بكثرة العبادة والزهد، فكان العلم مرتبطًا بالتقوى والعمل، لا مجرد المعرفة النظرية.  فقصة الفُريعة تضعنا أمام دروس حياتية عميقة تمس واقع المرأة اليوم:

في قلب المدينة المنورة وبين بيوت الأنصار التي فتحت أبوابها للنور نشأت سيدة من بني “خدارة” من الخزرج لم تكن مجرد رقم في سجلات السابقين، بل كانت امرأة ذات بصمة فقهية خالدة، وشقيقة لأحد أشهر رواة الحديث. إنها الفُريعة بنت مالك بن سنان الأنصارية؛ أخت الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري، والمرأة التي علمت الأمة كيف يكون الصبر عند الصدمة الأولى، وكيف تؤسس المرأة القواعد الشرعية من واقع تجربتها الأليمة.

نشأت الفُريعة في بيتٍ يتنفس العزة فأبوها هو مالك بن سنان بن عُبيد الأنصاري الخدري الصحابي البطل الذي شهد أحد وثبت حين اضطرب الناس. هو الذي امتص الدم من وجنة النبي ﷺ الشريفة حين جرح حتى قال له النبي: «من مس دمي دمه لم تصبه النار».

حين عاد الجيش من أحد ونعي إليها والدها الشهيد لم تجزع الفُريعة، بل تلقت النبأ بصبر المؤمنة المحتسبة هي وأمها، لتضرب أول مثال في “الثبات الانفعالي” للمرأة المسلمة في الأزمات الكبرى. لم يكن بيت الفُريعة غنياً بالمال لكنه كان غنيا بالكرامة. يروي التاريخ موقفاً مهيباً حين أصابهم جوع شديد فقالت لأخيها (أبو سعيد الخدري): “اذهب إلى رسول الله. ذهب الأخ فوجد النبي ﷺ يخطب ويؤسس قاعدة اقتصادية ونفسية عظيمة قائلاً: «من يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله».

فهم أبو سعيد الرسالة وعاد لأخته الفُريعة خالي الوفاض ولكنه ممتلئ باليقين، فأخبرها بما سمع. هنا تجلت حكمة الفُريعة وقوة إيمانها فلم تتذمر من الجوع بل قالت بثقة: “أحسنت”.

وكانت النتيجة أن فتح الله عليهم أبواب الرزق حتى قال أبو سعيد: “فما من أهل بيت من الأنصار أكثر أموالاً منا”. لقد كانت شريكة في قرار “التعفف” الذي غير مسار الأسرة.

لعل المحطة الأبرز في حياة الفُريعة هي قصتها التي أصبحت أصلاً فقهياً في عِدّة المرأة المتوفى عنها زوجها.

تزوجت الفُريعة وفي إحدى الأيام خرج زوجها في طلب عبيد له هربوا فأدركهم وقتلوه. جاءها النعي وهي في دار نائية عن أهلها ولم يترك لها زوجها نفقة ولا مسكناً ملكاً له. شعرت بالوحشة والضيق، فذهبت تستأذن النبي ﷺ في الانتقال إلى بيت أهلها وإخوتها ليكون أرفق بها.

في البداية أذن لها النبي ﷺ ولكن ما إن ولت حتى دعاها مرة أخرى، ونزل الوحي بالحكم النهائي فقال لها النبي: «امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله».

التزمت الفُريعة بالأمر النبوي واعتدت في بيتها أربعة أشهر وعشراً صابرة محتسبة رغم قسوة الظروف.

لم يكن هذا الموقف خاصاً بها فقط فقد أصبح هذا الحديث هو المرجع الأساسي للفقهاء في إلزام المتوفى عنها زوجها بالسكنى في بيت الزوجية خلال العدة. وحين تولى عثمان بن عفان رضي الله عنه الخلافة، أرسل يسألها عن تلك الواقعة، فقضى وحكم بين الناس بناءً على روايتها وتجربتها.

كانت الفُريعة ممن بايعن رسول الله ﷺ بيعة الرضوان تحت الشجرة في الحديبية فنالت شرف الرضا الإلهي المذكور في القرآن: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح: 18].

تُعد الفريعة بنت مالك من النماذج التي أسهمت في تأسيس حكم فقهي مهم، يتعلق بعدة المتوفى عنها زوجها، من خلال قصتها المعروفة.

وقد أصبح حديثها أصلاً يرجع إليه الفقهاء، مما يدل على:

– مكانة رواية المرأة
– أثر التجربة الشخصية في بناء الفقه

ويمثل نموذجها تداخلاً بين:

– المعاناة الإنسانية
– والتشريع الإلهي
– والبناء العلمي

خلاصة المبحث

تكشف هذه النماذج -بمختلف مستوياتها- أن المرأة في زمن الخلافة الراشدة كانت:

– حاضرة في ميدان العلم
– مؤثرة في بناء الفقه
– شريكة في نقل السنة
– مساهمة في تربية المجتمع

وأن حضورها لم يكن مقتصراً على نخبة محدودة، بل كان ظاهرة واسعة، تشمل المشهورات والمغمورات على حد سواء.

وبعد هذا العرض التطبيقي، ننتقل إلى مبحث مهم يبرز امتداد هذا العطاء العلمي، وهو:

المبحث الخامس: نموذج العالمات التابعيات – أم الدرداء الصغرى أنموذجاً