المداراة والتغافل في الإسلام

Cover Image for المداراة والتغافل في الإسلام
نشر بتاريخ

التغافل هو تكلّف الغفلة، وعدم التحقيق في كل ما يقع، وتعمد إظهار الغفلة عن زلات الآخرين وعيوبهم؛ بهدف حفظ الود واستمرار المحبة، وتجنب الخلافات. وقد نقل عن الإمام أحمد أن التغافل تسعة أعشار حسن الخلق. وهو من سمات العقلاء والفضلاء، خاصة بين الزوجين والأقارب والأصحاب، لما يحققه من راحة نفسية واستقرار في العلاقات.

وقد أشار القرآن والسنة إلى التغافل بأساليب متعددة، منها: الحِلم، والصفح الجميل، والإعراض، وخفض الجناح، والتحلي بالحلم.

1- بعض صور  التغافل في القرآن والسنة

تغافل النبي صلى الله عليه وسلم في قصة حفصة رضي الله عنها، عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ [التحريم: 3]، فلم يعاتبها على ما صدر منها حياء وتكرما. 

الصفح الجميل: قال تعالى: فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [الحجر: 85] وهو العفو الذي لا عتاب فيه ولا تذمر.

الإعراض عن الجاهلين: قال تعالى: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف: 199] وهو ترك الرد على سفاسف الأمور وقليلي الأدب.

خفض الجناح للمؤمنين: قال تعالى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: 215] وهذا يشمل التجاوز عن أخطائهم وحسن معاملتهم.

التحلي بالحلم: قال تعالى: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ [الزخرف: 89]، وهو التغافل عن الإساءة مع عدم الرد بالمثل.

2- أدب التغافل

يقول الله تعالى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت: 34].

“لَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ”؛ فشتان بين الكلمة الطيبة، والسكوت الحكيم، وبين الرد السيئ والجدال العقيم. ” ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” ويتطلب الدفع بالحسنى قوة في النفس، وامتلاكا للغضب، وكظما للغيظ، مع التغافل عن السلبيات، وعدم تتبع الأخطاء والهفوات.

إن التغافل ليس دليلا على السذاجة أو الغباء كما يظن البعض، بل هو في كثير من المواقف دليل على قوة العقل ورجاحة التفكير، وهو موقف قوة لا ضعف.

والفرق شاسع بين من يتعمد التغافل لحكمة وهدف نبيل، وبين من يغفل عن الأمور عن عجز أو جهل؛ فالأول محمود، والثاني مذموم. يقول ابن الجوزي: “ما يزال التغافل عن الزلات من أرقى شيم الكرام؛ فإن الناس مجبولون على الزلات والأخطاء، فإن اهتم المرء بكل زلة وخطيئة تعب وأتعب”.

والعاقل الذكي هو الذي لا يدقق في كل صغيرة وكبيرة مع أهله وأقاربه وأحبابه وجيرانه وزملائه، حتى تحلو مجالسته وتصفو عشرته.

3- أهمية وفوائد التغافل

حفظ المودة وبقاء العلاقات، وتجنب تفككها.

راحة البال وطمأنينة النفس؛ فقد قال الإمام أحمد بن حنبل: “تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل”.

– دليل سلامة الصدر وكرم النفس؛ قال أنس بن مالك رضي الله عنه: “خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي: أفٍّ قط، وما قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا؟” (متفق عليه).

سد باب النكد والشقاء؛ عن علي كرم الله وجهه قال: “من لم يتغافل تنغصت عيشته”، فالذي يقف عند كل صغيرة وكبيرة وكل خطأ هو أكثر الناس شقاء وتعاسة.

دوام العلاقة الطيبة بين الآباء والأبناء، خاصة في فترة المراهقة، حيث يكون التغافل عن بعض الأخطاء سببا في التيسير على الأبناء، بخلاف تتبع الهفوات الذي قد يؤدي إلى العناد واكتساب سلوكيات سلبية.

– استمرار العشرة بين الأقارب والأصدقاء والأزواج؛ فكم من علاقات فسدت بسبب تتبع الأخطاء والعثرات.

4- نماذج من سير العظماء

من تتبع سير العظماء وجد أن من أعظم صفاتهم التغافل وغض الطرف؛ فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبر على أذى المشركين الذين يسبونه، فيقول: “ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مذمما ويلعنون مذمما وأنا محمد” 1 مع علمه أنهم يقصدونه. وكان صلى الله عليه وسلم يقول: “لا يُبَلِّغْني أحدٌ منكم عن أصحابي شيئًا؛ فإنِّي أُحِبُّ أنْ أخرُجَ إليكم وأنا سَليمُ الصَّدْرِ” 2.

وسأل سيدنا عيسى عليه السلام الحواريين: كيف تصنعون إذا رأيتم أخاكم نائماً وقد كشف الريح ثوبه عنه؟ قالوا: نستره ونغطيه. قال: بل تكشفون عورته. قالوا: سبحان الله من يفعل هذا؟ فقال: أحدكم يسمع بالكلمة في أخيه فيزيد عليها ويشيعها بأعظم منها.

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: “إذا سمعت كلمة تؤذيك فطأطئ لها حتى تتخطاك”.

خاتمة

حري بالمؤمن الفطن أن يصرف وقته في الطاعات، ويسارع إلى الخيرات، ويتزود من الصالحات، بدل تضييع الوقت في تتبع عورات الناس، وتصيد أخطائهم وهفواتهم، وليتغافل ما استطاع لذلك سبيلا فإنه أسلم للصدر وأحفظ للعلاقات.


[1] أخرجه البخاري (4044).
[2] أخرجه أبو داود (4860) باختلاف يسير، والترمذي (3896)، وأحمد (3759) مطولاً باختلاف يسير.