المحبة في الله وأدب الاختلاف

Cover Image for المحبة في الله وأدب الاختلاف
نشر بتاريخ

المحبة في الله قبس من نور، يغرسه الله في القلوب الصادقة، فتلتقي الأرواح قبل الأجساد، وتصفو النفوس من الحقد والأنانية. هي أخوة ومحبة تبنى على الذكر والطاعة، وتزهر رحمة وتآلفا، فإذا اجتمعت القلوب عليها بارك الله في الجمع،  وجعل منه سكينة وقوة  وأملا.

يدعو الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، فيقول لي ولك حفظك الله: يا غافل! هذا عمرك يتصرم! فماذا أسست من صداقات، وماذا بنيت لآخرتك من معارف، وما شغف قلبك من أحباب؟ أنت مع أولئك يوم القيامة، وأنت من ذلك الصنف أيا كان. “فالأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف” كما روى مسلم وأبو داود عن أبي هريرة مرفوعا)” 1.

ومما ينمي المودة ويرسخ أواصر الأخوة والمحبة: خفض الجناح، ولين المعاملة، والتواضع، والقلب الجامع، وحسن الخلق، والتغاضي عن الزلات، والتزاور في الله، والتهادي، وتفقد الأحوال… وهي أخلاق دعا إليها القرآن الكريم ونبينا العظيم.

علينا أن نتنزه عن الحقد وسوء الظن، وأن نتحلى بالصبر على الأذى، وكظم الغيظ، والعفو، والحلم عند المقدرة؛ فنحن نتعامل مع عقول متباينة وآراء متعددة، ولكل نفس مدخلها وطريقتها في الفهم. فكما أن المرض قد يكون واحدا وتتنوع طرائق علاجه، كذلك الناس يختلفون، ولكل أسلوبه الذي يصلحه ويؤثر فيه.

ما يعكر صفو المحبة تلك الخلافات التي لا ثمرة لها، حين تتحول الكلمات إلى جراح، ويغيب حسن الظن وسعة الصدر، فتضيع المودة في جدال كان يمكن أن يحل بقليل من حكمة واحتواء.

إن استبدال الخلاف بالمحبة ليس ضعفا، بل هو قوة أخلاقية تعبر عن نضج ووعي. فبالمحبة تحسن الظن، وتلتمس العذر، وتختار السلام على الانتصار للنفس. وحين نقدم الرحمة على الجدل، ونقدم الصفح على العناد، نحفظ القلوب من القسوة، ونبني جسورا من الثقة والتآلف. فكم من كلمة لينة أطفأت نار خصام، وكم من عفو صادق أعاد الوصال بعد انقطاع.

“الجنة عليك حرام إن لم يغلب الحب بواعث القطيعة والكراهية. فكيف بمعرفة الله والوصول إليه وهي من قبيل العطاء النوراني! كونوا أحبتي حيث تكره النفس ويكره الشيطان. كونوا حيث يحب الله أن يراكم. كونوا أنصارا لله، كونوا جندا لله، كونوا متحابين في الله. من كان منكم يحن إلى عطفة إلهية ينال فيها محبة الله فليسمع الشرط الموجب”. عن معاذ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيما يبلغه عن ربه: «وجبت محبتي للمتحابين في والمتجالسين في والمتباذلين في والمتزاورين في» رواه أحمد والحاكم والطبراني وابن حبان والبيهقي” 2.

فلنجعل المحبة أصلا، والخلاف أدبا، والحوار سبيلا؛ فبذلك تصفو النفوس، وتستقيم العلاقات.

 


[1] عبد السلام ياسين، الإحسان، مطبوعات الأفق، الدارالبيضاء، ج 1، ص 190.
[2] مجلة الجماعة – العدد الرابع ص 122:

https://siraj.net/ar/books/مجلة-الجماعة—العدد-الرابع/pages/122