أعلنت شبيبة العدل والإحسان انتخاب الدكتور محمد عزمي كاتبا وطنيا جديدا خلفا للدكتور بوبكر الونخاري في مجلسها الوطني المنعقد يوم أمس، الأحد 19 محرم 1448هـ الموافق لـ 05 يوليوز 2026، تحت شعار: “شباب معتز بهويته.. مسهم في تغيير واقع وطنه.. مناصر لقضايا أمته.”
هذه المحطة التربوية والتنظيمية والسياسية، شكلت مناسبة لتقييم حصيلة المرحلة السابقة، واستشراف آفاق العمل المستقبلي، وتجديد هياكل الشبيبة، والوقوف عند أبرز التحولات الوطنية والدولية، في ظل ما تعرفه المنطقة والعالم من متغيرات متسارعة وتحديات متزايدة.

مسار متواصل من البناء والعطاء
كانت الكلمة الافتتاحية للمجلس من قبل الدكتور بوبكر الونخاري باعتباره كاتبا عاما؛ خير مفتتح، حيث رحب بجميع أعضاء المجلس، موضحا أن مثل هذه المجالس لا ينبغي أن تكون مواعيد لتجديد المسؤوليات فحسب، بل هي قبل ذلك محطات لتجديد النيات، وتجديد العهد مع الله عز وجل، وتجديد الوفاء للرسالة التي نحملها، واستحضار أن العمل للدين وللوطن وللأمة هو أمانة قبل أن يكون مسؤولية، وواجب قبل أن يكون شرفا.
واستحضر المجلس عبر فقراته والكلمات التي ألقيت فيه؛ المسار الذي راكمته شبيبة العدل والإحسان منذ تأسيسها سنة 1998م، باعتبارها إحدى مؤسسات الدائرة السياسية للجماعة، حيث واصلت أداء رسالتها في التربية والتأطير والتكوين والعمل المجتمعي، وأسهمت في مواكبة التحولات التي عرفها المشهد الشبابي والسياسي بالمغرب، مع انفتاحها على مختلف المبادرات المجتمعية.

وعلى امتداد ما يقارب ثلاثة عقود، عملت الشبيبة على الاستثمار في الإنسان باعتباره محور التغيير، وجعلت من التربية والتأهيل والتكوين وبناء الكفاءات مدخلا لإعداد أجيال قادرة على تحمل مسؤولياتها تجاه الدين والوطن والأمة، مع الحرص على مواكبة هموم الشباب، والتعبير عن تطلعاتهم، وفتح فضاءات المبادرة والإبداع أمامهم.
كما استعرض المجلس مختلف المراحل التي عرفتها الشبيبة، وما طبعها من تطور في الأداء التنظيمي والإشعاع المجتمعي، مستحضرا الأدوار التي اضطلع بها كتابها العامون المتعاقبون وكل من اشتغل معهم في ترسيخ البناء المؤسسي، وتعزيز الحضور الشبابي، والانفتاح على مختلف الفاعلين، ومواكبة المحطات الوطنية الكبرى، بما راكمته المؤسسة من خبرة وتجربة جعلتها أحد أبرز الفاعلين في الساحة الشبابية المغربية.

أجواء إيمانية وروح تنظيمية
افتتحت أشغال المجلس بقراءة الفاتحة ترحما على أرواح شهداء الأمة، وعلى أعضاء جماعة العدل والإحسان الذين انتقلوا إلى جوار ربهم خلال الأيام الماضية، وعلى جميع أموات المسلمين، في أجواء طبعتها روح الأخوة والشورى، وتجديد العهد على مواصلة رسالة الشبيبة في خدمة قضايا الشباب والوطن والأمة.
وفي جلسة خاصة بعرض منجزات الشبيبة للولاية السابقة في مخلف مجالات وواجهات اشتغالها، بسط أعضاء المكتب أمام أعضاء المجلس الوطني مختلف التقارير التنظيمية ذات الصلة، مشفوعة بأشرطة فيديو معبرة وصور توضيحية، ليتمكن الجميع بعد ذلك من تقييم مختلف الأوراش التي باشرتها الشبيبة من خلال لجانها وفرق عملها، وختمت الفقرة باستشراف أولويات المرحلة المقبلة بما ينسجم مع التحولات التي تعرفها البلاد، ويستجيب لتطلعات الشباب المغربي ويراعي إمكانات شباب الجماعة والتحديات التي تواجههم.
انتخاب القيادة الجديدة
وعلى المستوى التنظيمي، أجرى المجلس انتخاباته تحت إشراف منتدبين من الأمانة العامة للدائرة السياسية، حيث أسفرت عن انتخاب الدكتور محمد عزمي كاتبا عاما ومعه أعضاء وعضوات المكتب الوطني للولاية المقبلة.
وشكلت هذه المحطة مناسبة للتنويه بما قدمه الدكتور بوبكر الونخاري ومن غادر معه من أعضاء المكتب السابقين، من جهود تربوية وتنظيمية وتكوينية وإشعاعية وتواصلية مشهودة خلال فترة مسؤوليته، والتأكيد على استمرار الشبيبة في تطوير أدائها وتجديد آليات اشتغالها بما يخدم رسالتها ومشروعها المجتمعي.

قراءة في السياق الدولي
خصص المجلس حيزا مهما من أشغاله لمناقشة التطورات الدولية والإقليمية، حيث توقف عند استمرار منطق الهيمنة والاستكبار، واتساع دائرة انتهاك حقوق الشعوب، في ظل عجز المؤسسات الدولية عن وقف الحروب ومختلف أشكال الظلم والاستكبار.
كما جدد تضامنه مع الشعب الفلسطيني، مستنكرا استمرار العدوان الصهيوني على قطاع غزة الصامد، واتساع رقعة الاعتداءات التي تطال عددا من شعوب المنطقة، معتبرا أن ما يجري يعكس أزمة عميقة في النظام الدولي، ويكرس ازدواجية المعايير في التعاطي مع قضايا الحرية والعدالة.
وعبر المجلس عن رفضه لاستمرار مسار التطبيع الرسمي مع الكيان الصهيوني، داعيا إلى إنهاء مختلف الاتفاقيات المبرمة معه، انسجاما مع الإرادة الشعبية المغربية الداعمة للقضية الفلسطينية.

تشخيص للوضع الوطني
وعلى الصعيد الوطني، ناقش المجلس مختلف المؤشرات المرتبطة بالأوضاع الشبابية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، معتبرا أن المغرب ما يزال يعيش أزمة بنيوية تنعكس آثارها على مختلف القطاعات، في ظل استمرار الفوارق الاجتماعية، وارتفاع كلفة المعيشة، وانعدام الثقة في المؤسسات، واتساع مظاهر الفساد والريع.
كما سجل استمرار المقاربة الأمنية في تدبير عدد من الملفات، وما يرافقها من تضييق على الحريات، معتبرا أن تعزيز دولة القانون والمؤسسات يقتضي توسيع فضاءات المشاركة، واحترام الحقوق والحريات، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
الشباب في صلب الاهتمام
وأكدت مداولات المجلس أن الشباب المغربي يظل المتضرر الأكبر من الأعطاب التي تعرفها السياسات العمومية، في ظل استمرار البطالة، والهشاشة، وتراجع جودة التعليم، وارتفاع معدلات الهجرة، وغياب سياسات ناجعة تستثمر في الطاقات الشبابية.
ودعا المجلس إلى إعادة الاعتبار للشباب باعتبارهم شريكا أساسيا في التنمية وصناعة القرار، بدل الاكتفاء بخطابات رسمية لا تجد ترجمتها في الواقع المعيش.
كما شدد على أهمية التربية والتكوين، ودعم المبادرات الشبابية، وفتح فضاءات المشاركة، وتعزيز العمل المدني باعتباره رافعة أساسية لبناء مجتمع متماسك وقادر على مواجهة مختلف التحديات.

المدرسة والجامعة العمومية
وتوقفت أشغال المجلس عند أوضاع الجامعة المغربية، للتعبير عن رفض المقاربة الأمنية في تدبير قضايا المدرسة والجامعة، والدعوة إلى صون استقلالية الجامعة، واحترام حرمة الفضاء الجامعي، واعتبار الحوار السبيل الأمثل لمعالجة مختلف الإشكالات.
كما دعا إلى جعل إصلاح المدرسة العمومية والتعليم أولوية وطنية، بالنظر إلى الدور المركزي الذي يضطلع به في بناء الإنسان وتحقيق التنمية.
الانتخابات والنقاش السياسي
وفي نقاش سياسي أطره الدكتوران هشام شولادي وعبد الرحيم كلي، تناول المجلس موضوع الشباب والفعل السياسي، وفي سياق الحديث عن الانتخابات التشريعية والمشاركة السياسية للشباب، اعتبرت الجلسة أن ضعف الإقبال الذي يسجل في أوساط الشباب يعكس أزمة ثقة عميقة في المسار السياسي، وما يستدعيه الأمر هو معالجة أسباب هذه الأزمة بدل الانشغال بمظاهرها.
وأكد المتدخلون في تفاعلاتهم، أن اتساع دائرة مقاطعة فئات واسعة من الشباب لهذه الانتخابات لا ينبغي اختزاله في خطاب يتحدث عن “العزوف”، لأن جزءا كبيرا منها يعبر عن موقف سياسي واع ومسؤول، يرفض المشاركة في مسار يفتقد إلى شروط التنافس الحقيقي وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويرى أعضاء المجلس أن المقاطعة الواعية ليست انسحابا من الشأن العام، وإنما هي احتجاج سياسي ومدني على انسداد الأفق، ورسالة تؤكد أن التغيير الحقيقي يبدأ بإرادة شعبية حرة، ومؤسسات ذات صلاحيات فعلية، وضمان كامل للحقوق والحريات.

إشادة بالمنتخب الوطني
وفي ختام أشغاله، خص المجلس المنتخب الوطني المغربي بإشادة خاصة، مثمنا الأداء الذي قدمه اللاعبون والأطر التقنية خلال منافسات كأس العالم، وما جسدوه من روح جماعية، وانضباط، وإصرار على تشريف المغرب.
واعتبر أن ما أظهره اللاعبون من اعتزاز بهويتهم الإسلامية، وتمسكهم بقيمهم الأسرية والأخلاقية، قدم صورة مشرقة عن الشباب المغربي، وأسهم في تعزيز الحضور القيمي للمغرب على الساحة الدولية.
رسالة إلى الشباب
ووجه المجلس رسالة إلى الشباب المغاربة، دعاهم فيها إلى التمسك بهويتهم الإسلامية، وتعزيز حضورهم في مختلف مجالات الفعل المجتمعي، والانخراط الإيجابي في خدمة الوطن، والمساهمة في بناء مستقبل يقوم على الحرية والعدل والكرامة.
وأكد أن الاستثمار في الشباب يظل المدخل الأساس لأي مشروع نهضوي حقيقي، وأن مستقبل المغرب يظل رهينا بقدرته على تمكين شبابه من القيام بدورهم كاملا في البناء والتغيير.