القضية العمالية في الوثيقة السياسية لجماعة العدل والإحسان.. عرض للتصورات وقراءة في المقترحات

Cover Image for القضية العمالية في الوثيقة السياسية لجماعة العدل والإحسان.. عرض للتصورات وقراءة في المقترحات
نشر بتاريخ

مقدمة

غاية هذه المقالة عرض معالم كبرى وملامح عامة للتصور الذي تقدمه الوثيقة السياسية لجماعة العدل والإحسان عن القضية العمالية، وهو ما اقتضى منهجيا تناول الموضوع من منظور تأسيسي يضع بداية محددات وخصائص في فهم تناول الوثيقة لهذه القضية، ثم بيان الوضع الاعتباري للعامل في تصور الوثيقة، وذلك قبل أن نورد المنظور النقابي للقضية العمالية في الوثيقة، لنتوقف عند جملة المقترحات العملية للنهوض بوضع العامل والعمل، مقدمين قراءة محللة لهذه المقترحات من زاوية الخطاب المنهاجي للجماعة، ومن زاوية الخطاب التداولي العام في الحقل السياسي، قبل جمع خلاصات لعلها تكون مفيدة في وعي ما تفتحه الوثيقة من آفاق جادة في تجديد الخطاب العام حول القضية العمالية في ظل التحديات الكبرى التي تحياها الطبقة العاملة في العالم والمغرب.

أولا. التناول: محددات وخصائص

لا يمكن فهم القضية العمالية في الوثيقة السياسية بمعزل عن تصور الوثيقة لمعنى ومسار التغيير المجتمعي الشامل، كما لا ينبغي عزل هذا الفهم عن نظرة الوثيقة إلى المشروع السياسي للجماعة في أسسه وغاياته، في أهدافه وخصائصه إن على مستوى بناء الإنسان وتشييد العمران وترسيخ القيم، أو على مستوى البيئة الحاضنة في الجانب السياسي من خلال ربطها ببناء دولة العدل والكرامة والحرية وحكم المؤسسات، أو في ربطها بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية عند الحديث عن العدالة والتكافل والتنمية.

كذلك لا يمكن فصل تناول الوثيقة السياسية للقضية العمالية عن النظرة إلى مفهوم العامل والعمل؛ تلكم النظرة التي لا يمكن فصلها عن نظرة الوثيقة إلى الإنسان كلية، إذ إن هذه النظرة يحكمها البعد الإنساني في جانبيه المادي والمعنوي لا البعد الإنتاجي الحرفي المادي الذي يقصي العناصر الروحية القيمية المجتمعية، وتتبدى تلكم المقاربة في التناول العام الذي عرضته الوثيقة عند تعرضها لفئات مختلفة من الموظفين سواء في تشريح وضعياتهم باعتبارهم ضحايا للاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي والاستغلال الاقتصادي. ولئن اهتمت الوثيقة بتقديم العديد من المقترحات الكفيلة بإخراج العامل من وضعية الهشاشة المتنوعة من إصلاح للإدارة، وتوفير لأنظمة الوقاية والحماية، فإنها لم تغفل الأخلاقية في التناول بحديثها عن مسؤولية العامل، ومواطنته الفاعلة، وبل وعن الحاجة إلى مجتمع الكرامة والتضامن والتربية المتوازنة التي تجعل لوجود العامل الإنسان معناه الحقيقي.

من جهة أخرى لن نستطيع فهم ما تعرضه الوثيقة في القضية العمالية إن لم نفهم رؤية الوثيقة للعمل النقابي ولوظائفه باعتباره من العناصر التي تمثل جزءا مهما من أجزاء بناء حكم المؤسسات، وهي الرؤية التي قدمت عناصر تشخيصية للوضعية الاقتصادية للعمال، وللوضعية العامة للعمل النقابي في ظل القمع السياسي، والضعف الاقتصادي، والاستغلال الاجتماعي، وما يتولد عن ذلك من تشتت نقابي وفقدان للثقة وتراجع في الفاعلية النضالية.

ولقد تمكنت الوثيقة السياسية بهذه الارتباطات المتشعبة بنيويا في المقاربة أن تقدم تصورا متكاملا للقضية العمالية، مبنيا على أربعة أسس متلاحمة: أنسنة العامل؛ حيث حضر التركيز على كرامة العامل وعلى الأمان الوظيفي والاستقرار النفسي والاجتماعي ليكون العامل الإنسان هو المركز لا مجرد “ترس” في آلة الدولة، أو “برغي” في سلسلة الاقتصاد. ثم الشمولية في المقاربة؛ حيث تكون القضية العمالية قضية سياسية متعلقة بديموقراطية القرار، وقضية اقتصادية متعلقة بالعدالة في الإنتاج والقسمة، وقضية مجتمعية ملتصقة بكرامة الفرد والجماعة. وأيضا الأساس الأخلاقي الذي يدمج البعد القيمي الإحساني في البعد الحقوقي العدلي على نحو يسهم في إنقاذ العامل من مظاهر الاستلاب المادي ليجد روحه الوجودية التي ترفعه عن مصاف الدوابية الهائمة. وأخيرا هناك الإجرائية العملية التي إن استحضرت التوصيف والتشخيص والنقد والنقض، فهي لم تغيب تقديم الحلول والمقترحات الممكن تنزيلها لو كانت الإرداة السياسية قائمة والتعبئة الجماعية موجودة.

سيكون من السهل أن تلحظ العين البصيرة بالتحليل أن الخطاب التواصلي للوثيقة السياسية في عرضها للقضية العمالية، كما في عرضها لجملة القضايا المختلفة التي شملتها صفحاتها في مختلف المجالات اتسم بالوضوح في النظرة، وبالقوة في الموقف، وبالإجرائية في الاقتراح على نحو يعكس صدقا بينا في الإرادة التغييرية، ونضجا ظاهرا في أدوات التدافع الاجتماعي.

ثانيا. الوضع الاعتباري للعامل في الوثيقة

لم يكن تناول الوثيقة السياسية للقضية العمالية تناولا قطاعيا مستقلا، بل كان تناولا عرضانيا ممتدا مما يجعله ذا طابع بنيوي عابر للمجالات؛ لذا غطى حضور هذه القضية محاور متعددة، خاصة: المحور السياسي من خلال الحديث عن الحرية النقابية، واستقلال القرار النقابي وأهمية بناء جبهة نقابية، والمحور الاقتصادي والاجتماعي عند عرض اختلالات الاقتصاد، وعند الحديث عن قضايا الشغل والحماية الاجتماعية، وفي المحور المجتمعي حديث كثير عن أصناف مختلفة من العمال والموظفين كالمرأة العاملة ورجال التعليم.

بهذا المنظور في المقاربة ذات السمة الشمولية المدنية الاجتماعية تحدد الوثيقة السياسية للعامل وضعا اعتباريا مهما يجعله يحتل موقعا مركزيا؛ فعلى مستوى المرجعية التصورية الفلسفية إن شئنا هو الإنسان المكرم لا عنصر الإنتاج المشيَّأ، وعلى المستوى السياسي هو محور السياسة الذي وجبت نصرته لا مجرد قوة عمل للتوظيف، وعلى المستوى الاقتصادي الاجتماعي هو الشريك في التنمية لا المستضعف المضطهد، وعلى المستوى الحقوقي النقابي هو الفاعل المستحق لحقوق المواطنة الكاملة لا الأجير المتصدق عليه منا وتفضلا.

 تكتسب هذه المقاربة طابعا أخلاقيا يتجاوز أول ما يتجاوز منطق الضغط والصراع الطبقي في علاقات العمل ليبني منطق التكافل والتراحم على أرضية العدل الذي هو أساس الإحسان، ويقف ثانيا ضد النظرة المادية الإنتاجية في تصور العامل ووظائفه لتتحقق “أنسنة الشغل” الضامنة للكرامة الآدمية، ويضع ثالثا قوانين ضابطة للمسؤولية العامة للعامل من منطلق رقابة ذاتية جامعة بين الانضباط الممثل للقانون، والأمانة والإتقان المستحضرين لرقابة الخالق سبحانه وتعالى.

ولربما تجدر الإشارة إلى أن الوثيقة أولت فئات متعددة مكانة مهمة، فتحدثت عن الشباب وتحديات ولوج سوق الشغل والبطالة، وقد خصت المرأة العاملة بمكانة معتبرة؛ حيث اعتبرت المرأة “فئة استراتيجية” في مسار التغيير المجتمعي، وصاغت رؤيتها عنها بلغة تتجاوز النظرة النمطية التقليدية من خلال تناول يقوم على مبدأ المشاركة في الحياة العامة، ومبدأ حماية المرأة العاملة من كل أشكال التمييز والقمع، وقد تبرز هنا خصوصية مهمة في المعالجة عبر الجمع بين الحقوق المهنية، والبعد الأسري، والحماية الاجتماعية، والنظرة الأخلاقية القيمة.

ثالثا. في المنظور النقابي للقضية العمالية 1

لقد بينا في غير هذا الموضع أن الرؤية النقابية التي أسستها الوثيقة السياسية لجماعة العدل والإحسان تعتبر “العمل النقابي واجهة أساسية للدفاع عن حقوق الشغيلة ضد الجور والظلم والاستغلال والإقصاء الاجتماعي، والإسهام في تحقيق السلم الاجتماعي والتعبئة الاقتصادية، والحفاظ على التوازن بين قوة العمل والقوة الضاغطة للمشغل، وبين مؤسسات الدولة (برلمان وحكومة) المسؤولة عن إرساء وتطبيق القوانين التي تخدم الصالح العام” نجد ذلك في الصفحة 67 و68 من الوثيقة السياسية في العنوان المخصص للنقابات.

 يحدد التموضع المؤسساتي للنقابة موقعا ينقلها من مجرد الآلية المطلبية المظروفة بزمانها ومكانها، إلى مستوى الأداة البنائية التي تساهم في تأسيس المشروع المجتمعي؛ من هنا جعلتها الوثيقة من محددات بناء مؤسسات الدولة، ومن تجليات دولة المجتمع لما يمثله العمل النقابي ليس للعمال فحسب ولقضية العمل كلية، إنما لما يمثله ذلك كله للمجتمع والدولة من أهمية حقوقية، وأهمية اجتماعية، وأهمية اقتصادية، وهذا ما يفترض وعلى وجه الإلحاح إعادة الاعتبار للعمل النقابي، وبعث الجدية في العمل النقابي، وتقوية الصف النقابي.

لم تُخْفِ الوثيقة جملة الاختلالات العامة التي يعرفها العمل النقابي في المغرب، والتي تعرض العمال لضغوط شتى؛ فنجدها تتحدث عن خنق حرية العمل النقابي، وعن اختراق العمل النقابي، وعن غياب الديمقراطية الداخلية، وعن تفشي مظاهر الانتهازية، وكل ذلك ينجم عنه تشتت في المشهد النقابي، وافتقاد الثقة في العمل النقابي، وكذا تدهور في المصداقية وضعف للانخراط في الإطارات النقابية.

تستهدف الرؤية النقابية كما نجدها في الوثيقة السياسية تجديد روح الحركة النقابية، عبر بلورة تحول في التصور من منطق الصراع إلى منطق التعاون الثلاثي لتحقيق المصلحة العامة بين النقابات والدولة وأرباب العمل. وتطور في المجالات بتغطية سداسية للجوانب المطلبية، التكوينية، المهنية، الاجتماعية، التواصلية، ثم الأخلاقية القيمية. وأجرأة لمقترحات خمسة كبرى تروم ضمان حرية العمل النقابي، وتخليق العمل النقابي، والاعتناء بالفاعل النقابي، وبناء الجبهة النقابية، والمحافظة على البعد التحرري للعمل النقابي. ولعل مما يكون جديرا بالذكر والحاجة إلى مزيد من الاهتمام هنا ما تعرضه الوثيقة في حديثها عن مبدإ التوازن الثلاثي الذي يجدد معنى العمل النقابي في عرض القضية العمالية بين قوة العمل، وقوة رب العمل، وقوة الدولة. وما تلح عليه من مفهوم الجبهة النقابية الذي يوحد الفعل النقابي على قواعد مجابهة الظلم والاستغلال خارج أي اصطفاف حزبي سياسوي ضيق، وهما مقترحان عظيمان في إعادة تعريف العمل النقابي، وتوجيهه الوجهة التي تخدم السلم الاجتماعي، والتعبئة من أجل التنمية العامة، ويحفظ حقوق كل المتدخلين بعيدا عن أي نزعة تسلطية، أو نزوعات تخريبية انتقامية.

في البعد الاقتراحي العملي، سنرى أن الوثيقة غنية بمقترحات متعددة ومتنوعة سعت إلى الرفع من المؤسسة النقابية، وإلى الاعتناء بالفاعل النقابي، في طرح يجمع الترافع المطلبي والتهمم بقضايا الوطن والمجتمع، وهو ما وسع من أفق التصور النقابي ليرتبط بأبعاد قيمية تشمل العدل والكرامة والحرية.

رابعا. المقترحات العملية للنهوض بالعمال: قراءة تحليلية مزدوجة

 تورد الجداول أدناه بيانا مرتبا بالمقترحات المرقمة التي تناولت وضع العامل، والموظف، والمرأة العاملة، وتحسين وضع الموارد البشرية المادي والمعنوية. وهي مقترحات ذات بعد إجرائي عملي واقعي إن كانت تستند إلى المرجعية المؤسسة لخطاب جماعة العدل والإحسان، وتتكئ على تشخيص شامل للوضعية العامة للشغيلة، فإن تنزيلها وتفعيلها على أرض الواقع متمنع من دون الرؤية العامة التي تؤطر خطاب الوثيقة عموما، والتي ترى أن أي حديث عن أي تغيير جاد وحقيقي مجرد وهم من دون إرادة سياسية ديموقراطية حقيقية، ومن دون إصلاح اقتصادي واجتماعي يخدم الإنسان، ومن دون كرامة مجتمعية تصون قيم الأفراد والمجتمع.

وقد أوردنا هذه المقترحات مرتبة وفق محاور أربعة، أنجزنا بعدها قراءة تحليلية مزدوجة من وجهة نظر الخطاب المنهاجي، ومن زاوية الخطاب السياسي المتداول.

1. محور الإدارة والموظفين (الموارد البشرية في القطاع العام)

2. محور النقابات والعمال (الحقوق النقابية والمهنية)

3. محور المرأة العاملة (الحقوق والضمانات)

4. محور الموارد البشرية في التعليم (المدرسين)

في قراءتنا لهذه المقترحات من زاوية المنهاج النبوي، وبتوظيف الخطاب المنهاجي العدلي الإحساني، يمكن أن نسجل هذا الحرص على تجاوز رؤية المرجعيات المادية الأرضية المنبتة عن لغة الوحي، والتأسيس لنظرة قرآنية ذات بعد قيمي أخلاقي عمراني أخوي ترى في العامل حقيقة المخلوقية والعبودية “العامل = الإنسان + العبد لله”، وفي تناولها للمقترحات من زاوية لغة الخطاب السياسي لغايات تواصلية نجد أنفسنا أمام عملية انتقالية في الخطاب الفكري للجماعة يحاول مأسسة القضية العمالية ضمن تصور إن كان لا يقطع مع المرجعية التأصيلية معنى ومصدرا وموردا فهو ينفتح على مستجدات التنظيم والتدبير الحديثين. ولعلنا نتمكن من عرض تجليات هذه المقاربة المزدوجة من خلال المستويات التالية.

في المستوى السياسي نجد وقوف مفهوم وآلية الشورى القرآنية ضد النزعة التحكمية، ليكون مقترح دمقرطة الإدارة مثلا (مقترح 65) كسرا لجبرية التدبير الاستبدادي السياسي التاريخي التي تنفي وتقتل وتلغي إرادة العامل الموظف، وتأسيسا لنوع من “الشورى الإدارية”، وليكون الحديث في المقترح (165) عن استقلال الفعل النقابي والنقابات أشبه ما يكون بـ”قومة سلمية” تصد النهج التحكمي في القرارات في توجه يروم بناء عمل مؤسسي لا يتكئ على منطق الخضوع والتبعية إنما يعتمد على صلب مفهوم النصح والتناصح. بلغة أخرى تتجاوز نظرة الوثيقة السياسية رؤية السيطرة الأبوية في تدبير الموارد البشرية للسادة: الحاكم، رب العمل، السيد المدير العام، “الباطرون”، “الشاف”، لتبني مفهوم: “المواطنة العاملة الإدارية” التي يغدو بها “الموظف” شريكا لا مجرد منفذ تابع، وليكون استقلال النقابات تعددية نقابية حقيقية، كل ذلك في نسق يربط الإصلاح الإداري بالإصلاح السياسي على نحو تجني منه القضية العمالية تصديا للتغول السلطوي، وإعادة توزيع سلطة القرار داخل المرفق العمومي.

في المستوى الاقتصادي نجد أن التأكيد في المقترح (63) مثلا على “إصلاح منظومة الأجور” على قواعد الانسجام والشفافية والاستحقاق والكفاءة والمردودية، إنما يظهر مبدأ العدل القرين والقنطرة إلى الإحسان في خطاب الجماعة، حيث يكون التنصيص على تقليص الفوارق المتضخمة بين الأجور في جوهره وقوفا وتصديا لـ”الترف المفسد للعمران”، وموقفا صارما من تداول المال لدى الفئة المترفة الغنية ليكون دولة بين الناس كلهم لا بين الأغنياء الأقوياء وحدهم، وذلك كله يجعل من العدل في القسمة إسهاما في بناء الأرضية التحتية العدلية الضامنة للكفاية المادية اللازمة لتحقق التحرر من ذل الحاجة قصد إيجاد زمن لطلب “الكمال الإحساني”. نكون هنا إزاء نقد لمفاهيم النيوليبرالية المتوحشة، وأمام بناء لمعنى متجدد “للعدالة التوزيعية” قائم على رفض لمنطق السوق الحر بإطلاقيته المتغولة التي لا تراعي ظروف الفئات الهشة. وإن جمع الوثيقة بين الكفاءة والاستحقاق والحد من الفوارق وتأسيس منظومة للدعم تراعي الأولويات يفتل في منظورها لاقتصاد تضامني جامع للعدالة والتكافل والتنمية على غير ما يريده الاقتصاد الكاسح الذي يسحق العمال لصالح تراكم رأس المال وتنامي الثروة في يد الفئة القلة المحظوظة.

في الجانب الاجتماعي تُدخِل الوثيقة إلى عالم الشغل مفاهيم ذات بعد أخلاقي قيمي، فربطها مثلا وهي تعرض لحقوق المرأة العاملة في سياق حديثها عن “المرأة في قلب التغيير المجتمعي” بين “المودة” و”حفظ الفطرة” ومقترحات التفرغ الأسري (المقترحات 597-601) إنما يظهر رفضا لعمليات “تشييء المرأة” في سوق الشغل، وحرصا كبيرا على حفظ كيان الأسرة باعتبارها “المؤسسة الاجتماعية الأولى” و”المحضن التربوي الأول”، وهو رفض يستبطن وعيا بكون ضمان ظروف جيدة ميسرة لعمل المرأة لن يخدم في الأخير إلا استثمارا مزدوجا: في الإنسان الفاعل التاريخي، وفي “التلاحم الاجتماعي” البوابة الأقوى لمجابهة التوحش المادي للإنسانية المعاصرة. بإمكاننا هنا أن نتساءل ألا تقدم الوثيقة خاصة في مقترحاتها المتعلقة بالمرأة العاملة (المقترحات 597 إلى 601) مفهوم “الاستقرار الأسري” أرضية وأساسا “للإنتاج والإنتاجية” على فرض أن الحديث عن مقترحات كالتفرغ الأسري، وضبط إيقاعات الحياة العملية، والتمييز الإيجابي في عدد ساعات العمل إنما يكشف عن نظرة ترى في “الأسرة” إن شئنا “الوحدة الأولى للإنتاج الاجتماعي”؟ أم أن الأمر في حقيقته أعمق من ذلك، بما يدل عليه هذا التناول من الحرص على رفض عزل وفصل العامل من/وعن سياقه الاجتماعي ونسقه المجتمعي، وهذا منظور يعلي من نظرته للقضية العمالية لما يجعل منها قضية توازن بين الأداء المهني والاستقرار الاجتماعي لا مجرد مقابل مادي لجهد عضلي أو فكري (العمل مقابل الأجر المادي).

إن عرضنا للجانب النقابي والحقوقي؛ تربط الوثيقة وضع العامل بالكرامة الإلهية للإنسان التي عنها وجب أن تنبع الكرامة الآدمية التي تصنع عزة المؤمن، ليكون التركيز على المقترحات الحقوقية (المقترح 164) ليس تركيزا على الطوابع المطلبية الفئوية بل دفاعا مشروعا عن “الكرامة الآدمية” ونصرة للمستضعفين. إن حماية العمل النقابي والنقابيين سعي مبدئي لتحقيق معنى الجهر بكلمة الحق أمام سلطان الحيف والاستغلال، وفي الآن نفسه تجسيد لتربية العامل على قيمة مركزية في الشخصية المجاهدة هي قيمة العزة بالله والاعتزاز بدين الله. في منحى آخر نجد أن البعد النقابي والحقوقي في مقترحات الوثيقة في ما يخص العامل إنما يحرر العمل النقابي من منطق الوصاية إلى فضاء التحرر الذي يجعل من مقترحات من قبيل الحريات النقابية وغيرها (163، 164) حقوقا أصيلة أصلية لا ممنوحة متصدق بها، ومن مؤسسة النقابة أداة للنضال والتحرر لا وسيلة للخدمات، ومن الفعل الاحتجاجي حقا دستوريا شرعيا قانونيا، ومن حماية العمال شرط إمكان تقوية المسار الديموقراطي، لذا سنلحظ هناك إشارة إلى ضمان الأمان الوظيفي (المقترح 64) من منطلق كونه عنصرا مهما للتحرر من هاجس الخوف الذي توظفه أنظمة الاستبداد للضبط والتحكم في ربقة المستضعفين عموما.

ستسلك الجوانب الأربعة المتقدمة في بوتقة الحضن الأخلاقي القيمي ليشكل المستوى الخامس الذي يضع المقاصد الإحسانية أفقا في سيرورة معنى الوظيفة عند العامل التي ترتفع لتربط جودة الأداء بالمنزع الأخلاقي؛ ويبرز ذلك مثلا في جملة مقترحات الجانب التعليمي التي عرضت لمفاهيم الأمانة والقوة والإتقان التي تخلص مفاهيم “الأجير” و”الأجرة”  و”الحوالة” و”الوظيفة” من أبعادها المادية لتنفتح مهنة التعليم على أفق “الوراثة للنبوة” وأداء الرسالة، وجهاد التعليم والتعلم، وتعليم الناس الخير، وليصبح الموظف مسؤولا أمام الخالق قبل أن يكون مسؤولا أمام المراقب والملاحظ. برؤية أخرى سنجد التجاء مقترحات التعليم (المقترحات 676 إلى 680) إلى استدعاء مبادئ السلوك القيمي وعنصر القدوة؛ حيث لا يتم الاكتفاء بعنصر التحفيز والتثمين الماديين لرجل التعليم بل يتم جعل الوضع الاعتباري لرجل التعليم رهينا أساسا بالطابع الأخلاقي الرسالي لوظيفته، ولنذكر أن محاربة الزبونية والمحاباة الواردتين في المقترح 61 يجعل الوثيقة تؤصل لمعاني العدل والأمانة باعتبارها معايير مهينة صرفة تضفي بها الوثيقة صبغة أخلاقية على “حيادية وتكنوقراطية” الإدارة.

خلاصات

من الخلاصات التي يمكن تقديمها في خاتمة هذه الفقرات ما يلي:

– تعرض الوثيقة السياسية لجماعة العدل والإحسان في تناولها للقضية العمالية لرؤية ذات منظور نقدي تركيبي ذي بعد سياقي ونسقي، يربط وضع العامل بالاختلالات البنيوية للاستبداد السياسي والافتراس الاقتصادي، ويجمع بين المقاربتين القيمية الأخلاقية الإيمانية، والمقاربة السياسية الحقوقية الاجتماعية.

– يقدم نموذج “العمران الأخوي” الذي تستند إليه النظرة المجتمعية للوثيقة السياسية تصورا “ثالثا” لمفهوم العمل ولوظيفة العمل بمنطق التجاوز لا منطق التوفيق أو التلفيق؛ فيتم تجاوز الرأسمالية المتوحشة كما الاشتراكية المادية الجدلية الصراعية إلى أفق يجعل العمل عدلا يعمر الأرض وإحسانا ينيل رضا الله.

– يعلي خطاب الوثيقة في جمعه بين السياسي والأخلاقي، وبين العدل الديموقراطي والعدالة الاجتماعية والكرامة المجتمعية من الوضع الاعتباري للعمل النقابي ليصبح فاعلا في التغيير المجتمعي الشامل لا مجرد أداة مطلبية صرفة.

– تعكس لغة الخطاب في الوثيقة إجرائية واقعية تخاطب العقل السياسي المعاصر بلغة السياسة التي ترمي تجسير التواصل مع الشركاء، وتحقيق التداول في الفضاء التواصلي العمومي، لكن دون أن تخفي أصالتها المرجعية التي تمنح هذه اللغة معنى، وتكسوها روحا تنزع عنها ماديتها.

وعلى العموم، ليست القضية العمالية في خطاب الوثيقة السياسية لجماعة العدل والإحسان بالشيء المنفصل المنبت عن مشروعها المجتمعي المبسوط في وثائقها المعتبرة والذي لبه الجمع بين كفاية وقوة العيش في الدنيا وسموق الغاية في الأخرى؛ بل لعلها من لبنات بناء دولة القرآن حيث السلطان شورى، والمال عدل دولة بين الناس، وأساس من أسس بناء مجتمع التراحم؛ حيث الإنسان مكرم بمعرفته بربه، والأسرة مستقرة بتلاحم عناصرها.

 


[1] العمل النقابي في الوثيقة السياسية لجماعة العدل والإحسان: الرؤية والتوجهات، مصطفى شكٌري، نشر بتاريخ 01 ماي 2025، وخمس مكونات للرؤية النقابية من خلال الوثيقة السياسية لجماعة العدل والإحسان، محمد الحرش نشر بتاريخ 28 ماي، 2025، انظر موقع جماعة العدل والإحسان: https://www.aljamaa.net، تمت مراجعته يوم 24/4/2026.