القرآن مشروع حياة.. والمسجد الحلقة المفقودة

Cover Image for القرآن مشروع حياة.. والمسجد الحلقة المفقودة
نشر بتاريخ

حينما ابتعد المسلم في حياته عن القرآن الكريم، النص المقدس ليس ككتاب يتعبد به آناء الليل وأطراف النهار فقط، بل كمنهاج حياة وخارطة طريق تسعف في خط المسار الواضح لتفادي السقوط المدوي في براثين الفراغ الروحي، وتعيد تشكيل الفرد والمجتمع وفق الأخلاق والقيم المطلوب التحلي بها، سواء على مستوى المعاملات الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية، فهي منظومة شاملة لتحيا البشرية جنة الدنيا والآخرة، عبر شرط أساسي يكمن في تحقيق وظيفة الإنسان المنوطة به، وهي حمل رسالة الاستخلاف فوق الأرض بمنظور وتوفيق إلاهي، وفعل وجهد بشري؛ ليتحقق للأمة فاعلية تاريخية، وحضور حضاري بين الأمم الأخرى.

يصعب في عصرنا الراهن أن يجد المسلم ضالته في شحذ جانبه الروحي، والعودة إلى الأصل المفقود، والمنبع الصافي كي يروي تعطش الروح للترقي، والتماهي مع سنة وفطرة الله التي خلق الناس عليها، يحتاج إلى عمق ديني وعقدي وفكري؛ بعدما أفرغت المساجد من محتواها الرسالي، وغيبت مقاصدها بقوانين الغلق والتقييد، وسطر لها برنامجا موحدا قضى على ما تبقى من دورها الريادي في بناء الإنسان والمجتمع.

 في العصر النبوي والراشدي كانت الدول تقاد من حلقها، والخطط الحربية تدرس في رحابها، والجيوش تنطلق من ساحاتها، بينما في عصرنا الراهن الاحتياج إليها أشد؛ للأسف سلخت عن وظيفتها الأولى بأن تكون الملاذ الآمن لحياة المسلم وهو يعيش في زمن موار تتقاذفه الفتن كقطع الليل البهيم، يكاد لا يلتقط فيه أنفاسه، وهو وحده يصارع وسط حمأة من التحولات الكبرى، تتجاذبه العادات الجارفة، والإديولوجيات المادية، والروح تطلب حظها من القرب الإلهي، وحلولا جذرية تسهم في سلامه الداخلي، وفي طمأنته حول حاله الدنيوي ومآله الأخروي.

راهنا؛ القرآن الكريم مفصول عن حياة الناس ومعاشهم، ولإحداث التحول المطلوب، ينبغي تجديد الوسائل، وتغيير الفهم حوله، فهو لم يتنزل للعبادة الشعائرية فقط، بل ليتخذ مشروع حياة؛ به ترفع المعايير القيمية، ويعاد تشكيل الوعي الجمعي المتماهي مع قدسيته، ليسهم في بناء الإنسان وفق منظومة متكاملة تشمل الدنيا والدين؛ وللوصول لتلك الغاية الأسمى، لابد من العمل الدؤوب لاسترجاع دور الحلقة المفقودة ما بين القرآن وحياة الناس؛ ألا وهي المساجد.

فالمدة الزمنية التي تفصلنا عن منبع التنزيل تفكرا وتدبرا وتطبيقا على أرض الواقع يعد بالمصطلح العلمي زمنا طويلا، فمع الانكسار التاريخي تحولت البنية الذهنية ببطء شديد إلى ما نحن عليه؛ إلى إسلام وراثي لا يرقى إلى التصور النبوي فهما وتنزيلا، كان الوحي الإلاهي دليله عليه الصلاة والسلام في صياغة وتنفيذ الرؤية الصالحة لإنسان ذاك الزمن؛ فمسلم اليوم يحتاج جهدا مضاعفا كي يلحق بركب صناع الحضارة من الصحابة، من خلال تبني آليات المدرسة النبوية في التربية الشاملة معنى ومبنى، باستعادة محورية المساجد في حياة المسلم، والتي أخرجت جيلا استطاع تغيير خريطة العالم القديم، وتحريك قلوب وعقول الناس قبل حدودهم.