القرآن لا ينتظر المترددات

Cover Image for القرآن لا ينتظر المترددات
نشر بتاريخ

القرآن كلام الله، نور وهدى، رحمة وسكينة. يقول الإمام رحمة الله عليه في كتاب المنهاج النبوي ص157: “القرآن شفاء لما في الصدور، شفاء ورحمة للمؤمنين، على تلاوته وحفظه ومدارسته، والعكوف عليه مدار طب القلوب، وإعدادها لتمتلئ ايمانا. هو النور”.

وفي زحام الحياة وتسارع الأيام كثيرًا ما تؤجل النفس أعظم ما تحتاجه: الجلوس مع كتاب اللّٰه وصحبة كتاب الله، وتتذرع بالانشغال أو انتظار الوقت المثالي أو الحال الأقرب إلى الكمال، غير أن الحقيقة الثابتة هي أن القرآن لا ينتظر المترددات، بل ينتظر ويحتضن ويدعم القلوب الصادقة التي تقرر وتعزم وتبدأ ولو بخطوة صغيرة.

القرآن يرحم المبتدئات ويشد على يد الصادقات ويصبر على المتعثرات. القرآن لا يطلب قلبًا كاملًا بل يصنعه، ولا وقتًا مثاليًا بل يوجده ويباركه، ولا نَفْساً خالية من الفتور بل يُقوِّيها ويُحيِيها. إنما يطلب قلبًا ثابتا قرر المسير بحزم وعزم وصدق. فمن وقفت على عتبة الباب تؤجل وتسوّف وتنتظر صلاح الحال وصفاء الذهن وإتقان التلاوة والوقت المثالي، فاتها الكثير لأنه لا ينتظر المترددات. ومن دخلت ولو بخطى متعثرة رباها القرآن وثبت عزمها وسيرها في الطريق آية بعد آية، لأنه كتاب عزم وحسم .قال تعالى: فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله [آل عمران: 159].

والتردد حالة نفسية تتأرجح فيها المومنة بين الفِعل والترك. التردد سلوك نفسي يتميز بالتذبذب وعدم القدرة على اتخاذ قرار واضح محدد وحاسم، وهو أحد أكبر العوائق التي تعوق المؤمنة في رحلتها مع حفظ كتاب الله. هو حجاب رقيق يتكاثف مع الوقت ليحجب النور ويؤخر الخير، بل قد يتحول مع الوقت -إن طال- إلى قفل خفي، إلى حرمان مغلف بالأعذار، حرمان القلب من سكينة القرآن ونور القرآن.

التردد انبطاح طويل على بساط القعود واليأس، ومكوث رتيب على أرض العجز والكسل. “اللهم إنا نعوذ بك من العجز والكسل “.

التردد استسلام يائس أمام عقبة النفس والهوى والتسويف، قال تعالى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ [البلد: 11].

التردد عادة تسلب الإرادة وتضعف العزم حتى تُصبح مرضاً مزمناً يشلّ الخطى إلى السير إلى اللّٰه، ويؤجل طلب الجمال ويؤخر تزكية النفس وتطهيرها. قَدْ أفلح مَن تَزَكَّى [الأعلى: 14]. والتزكية لا تُنتظر بل تُصنع في الطريق.

والقرآن كتاب مجاهدة قولا وفعلا وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: 69]. المجاهدة فعل وعمل وخطوة إلى الامام بلا تردد، ثم تأتي الهداية وتشمل فتح الفهم وبركة الأوقات وتيسير الحفظ ومعية اللّٰه سبحانه وتعالى للمحسنين والمحسنات، إنه عطاء الله الذي إذا أعطى أدهش.

القرآن نحتاجه في أشد الأوقات امتلاء، هو خطاب حياة وكلام الله، نزل ليوقظ الإنسان من سبات الاعتياد لا ليؤنسه وهو نائم على وسادة التسويف، القرآن منهاج تغيير وكتاب صدق وانضباط وجهاد للنفس وحمل للمسؤولية، والتردد يناقض كل ذلك.

القرآن يصنع الهمة ويحرر الإنسان من استعباد التأجيل والتردد. “احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز» [رواه مسلم].

القرآن ليس فقط وِردا يُؤَدَّى لِتَبرأ الذِّمة ولا نصًّا يُتلى لتطمئن النفس، بل رسالة اقتحام ونداء يقظة.

القرآن الكريم كتاب قوة وأمضى سلاح يتسلح به جند الله. قال تعالى: يَا يَحيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم: 11].

فكيف أهدم حصون التردد داخلي؟ وكيف أكسر جدار التسويف أمامي؟ وكيف أشعل شرارة التغيير في طريقي لأصبح حاملة للقرآن بحق، حاملة لهذا المشروع العظيم، فاعلة لا مفعول بها، حاملة للواء التغيير بدءاً بنفسي ثم من حولي، مصداقاً لقوله سبحانه: إنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمِ حَتَّىٰ يُغَيَّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد: 11].

كيف أبدأ وأتحول من صالحة لنفسي فقط تحفظ الآية تلو الآية إلى مُصلحة صاحبة رسالة تحفظ وتغير وتتهمم وتتجند في صف المؤمنات وتضع حفظها في خدمة إخوانها وأخواتها وأمتها بلا تردد؟

أيتها الأخت المؤمنة؛ يا مَن تَشْرَئِبُّ روحها إلى أعلى درجات الكمال، يا من تحتَذي بالنماذج الكاملة من النساء المومنات؛ أبشري. إليكِ النصيحة القرآنية المصاغة بمِداد المنهاج النبوي؛ يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمة اللّه عليه في كتابه “تنوير المومنات” ص 286: “لم الالتفات إلى الوراء والتقدم خط مستقيم”، لا تلتفتي ولا تقفي طويلاً على عتبة التردد، سارعي واعزمي، قال تعالى: سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مَن رَبَّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 133].

أولاً: أختي المؤمنة، أول مُحَفَّز للتردد هو الانفراد، والمؤمنة ضعيفة بنفسها قوية بأخواتها.

الصحبة تفتح أمامك المغاليق. الصحبة القرآنية تعدي بالهمة والخير، تُربي وتَشُدُّ العَضُد، تحول الفكرة إلى برنامج، والتردد إلى عزم، والضعف إلى قوة. ارتمي في أحضان الصحبة الصالحة، فذئب التردد لا يأكل إلا من الغنم القاصية. “وما لصحبة الأخيار من غاية إلا أن يدلوك على اللّه ويحببوه إليك” 1.

ثانياً: الذكر كيمياء إلهية وغذاء للروح، وتربية للإرادة وسلاح بتار يقتل التردد، ونور يُبَدِّدُ ضباب التسويف. أدمني طرق باب الذكر والابتهال والدعاء حتى يفتح لك الباب وتدخلي مع الأحباب.

أكثري من مجالس الذكر والخير وارتعي في حلَقِه حتى تَعرُجَ روحك مع الذاكرين اللّه مع رفرفة أجنحة الملائكة. قال رسول اللّٰه صلى الله عليه وسلم: “إن لكل شيء صقالة وإن صقالة القلوب ذكر اللّه” 2.

أكثري من لا إله إلا الله حتى ينقشع ظلام التردد وتستطيعين تلقي شمس القرآن ومدد القرآن وبركة القرآن والعمل بمقتضى القرآن.

ثالثاً: الصدق خصلة إيمانية وشرط مهم للسير إلى الله وحفظ كتاب اللّه، بها تُضْبَطُ العلاقة بين النية والفعل عند المؤمنة. الصدق: صدق الطلب، وصدق النية والإخلاص لله عز وجل، وصدق الاستمرار والدوام والثبات (أحَبُّ الأعمال إلى اللّه أدومها وإن قل)، صدق العمل: بأن يظهر أثر حفظ القرآن في خلقها وسلوكها (كان خلقه القرآن).

ولكل صدق برهان، قال تعالى: قل هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة: 110].

إن التردد وانتظار “الحالة المثالية” وهم كبير، فالكمال لا يسْبِقُ العمل بل يُطلب أثناءه. كما أن القرآن الكريم هو من يصنع هذه الحالة المثالية التي ننتظرها كي نبدأ.

لا تسمحي أختي للتردد أن يَحرمك شرف صحبة كتاب الله، فالقرآن لا يفتح أسراره لقلب متردد، بل لقلب صادق حَسَمَ وعَزَمَ ومضى وإن تعثر. فاصدقي واعزمي واقتربي، فمن هنا الطريق، من هنا البداية. اللهم ارزقنا عزماً صادقاً لا يؤجل، وقلوباً ثابتة قوية لا تتردد.


[1] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص 139.
[2] البيهقي، شعب الإيمان، ج 2، ص 62.