في كثير من البيوت يوضع القرآن الكريم في مكان مرتفع، يصان شكله وتعتنى هيبته، لكن قد تهمل رسالته، فلا يفتح إلا نادرا، ولا تتلى آياته حق التلاوة، ولا يتدبر ما فيه من هدى ونور. فيتحول من كتاب أنزل ليقود الحياة ويهدي القلوب إلى مصحف ساكن على الرفوف، تحجبه طبقات الغبار كما تحجب الغفلة نور الهداية عن القلوب. وليس الغبار على صفحاته أثر إهمال ظاهر فحسب، بل هو صورة لما قد يعتري النفس من بعد عن كلام الله؛ فحين يهجر القرآن يفقد القلب من نوره بقدر ما ابتعد عنه، وتضعف فيه معاني التزكية والبصيرة.
حين نتأمل أول ما أنزل من الوحي، وهو قوله تعالى: ﴿اقرأ﴾، نجد أن المعنى لا يقتصر على القراءة الصوتية فحسب، بل يشمل الوعي بما فيه والعمل به، لإحياء القلوب وتنوير العقول. فكأنك تمشي في طريق حالك الظلام، وفي يدك مصباح قوي النور، لكنك لا تستخدمه! هل هذا يعقل؟ كذلك القرآن؛ وجوده في حياة الإنسان رحمة ونور، ومنهاج سير يرسم له الصراط المستقيم الذي ينال به الفلاح في الدنيا والآخرة.
وقد كان للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى باع طويل في الحديث عن القرآن الكريم، وكان كلما تكلم انسابت آيات القرآن في حديثه. ومن بين ما قال رحمه الله: «القرآنَ! القرآنَ! القرآنَ! ما أروع أن يشدَّ المؤمن والمؤمنة معاقد العزم ليحفظ القرآن ويجمعه ويحافظ عليه». وقد أكد لنا ضرورة العمل به، وألا نكون من خاملي الفكر وميِّتي العزيمة، حيث قال: «نجد بعضَ الناس يحفظ القرآن كلَّه أو جُلَّه، لكنه ميِّتُ العزيمة، خاملُ الفكر، وربما تجده تاركًا للصلاة، فمثل هؤلاء حملةُ أسفار لا يُعتدُّ بهم». فكأن هذا القول يلتقي مع وحي السماء في قول الله جل وعلا: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الجمعة: 5].
ومن الأمثلة الواقعية التي تدل على التباين بين التلاوة والتطبيق، قوله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة: 83]، بينما نجد في واقعنا من يجرح الآخرين بكلامه ويؤذيهم بلسانه. هنا يظهر الفرق بين من يكتفي بقراءة القرآن ومن يتعدى ذلك للعمل به. ونجد صدى هذا المعنى في كتاب إمامة الأمة للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، مستنيرا بهدي النبي ﷺ، حيث قال: «وإنه لمعيار خالد مع ملاحظة الفرق بين أمثال الصحابة الذين برهنوا على صدقهم في حفظ كتاب الله تعالى ودينه بالجهاد المُرِّ، وبين أمثال الخوارج الذين وصفهم رسول الله ﷺ بأنهم يقرؤون القرآن لا يتجاوز حناجرهم، وأنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية” 1.
ومن جهة أخرى، حين نتأمل في قول الله تعالى: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ [آل عمران: 134]، ندرك أن القرآن يدعونا إلى تهذيب سلوكنا، ليصبح أكثر حلما ورفقا بالناس. وهنا يكون القرآن الكريم مرجعا داخليا يوجّه المرء إلى الطريق الصحيح.
هكذا كان الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله يتحدث عن القرآن؛ فقد كان هو ديدنه الذي لا يفارقه، وكأن قلبه معلق به، فلا ينطق إلا بما ينهل من معينه. وكان رحمه الله يحثنا دائما على الحفاظ على صلتنا بالقرآن، فبمعيته يستقيم سلوكنا، وتطمئن أنفسنا، وتستنير بصيرتنا، وتقوى صلتنا بالله عز وجل، ويجعلنا أكثر وعيا بأفعالنا وسلوكاتنا.