تعيش الأمة في الوقت الراهن، واقعا معقدا يحمل في جبه فتنا وتحديات يندى لها الجبين. فبالرغم مما وصل إليه العلم الحديث من تطور ورفاهية وانفتاح إلا أن براثين الإحباط وخوار الهمم وقيود اليأس والعجز لازالت تأسر بعض النفوس الضعيفة التي أضحت تعيش أزمة همة خطيرة.
في ظل هذا الواقع الذي زاد الأمة تقهقرا يأتي نداء القرآن الكريم دالا على الطريق منقذا من اليأس، وقوة ثابتة أمام مخالب الفتن. فالقرآن الكريم ليس مجرد دستور أو كتاب تعبدي أو كم من المعلومات والقصص أو صفحات تقرأ وتطوى. إنما، من منظور أعمق، هو منهاج تربية وتزكية ودليل للتغيير النفسي والاجتماعي الذي يصنع إنسانا متحررا من جميع أنواع الضعف، ذا رسالة سامية وذا همة عالية تقود عجلة التغيير وتصبو إلى الخلاص الفردي والجماعي، همة المراد بها إحياء القلب، وبناء الإنسان وربطه بخالقه وبغايته.
إذن كيف يوقظ القرآن الكريم هذه الهمم؟ وكيف يشحذ العزائم ويسمو ويرتقي بالفرد حتى يفوز في الدنيا والآخرة؟
1. القرآن مفتاح لتحرير الإرادة من قيود النفس
أنزل الله تعالى القرآن الكريم ليكون نورا يضيء دروب النفس ومفتاحا يفتح مغالق القلوب ومدرسة لبناء الهمم والإرادات. قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا نور يشع داخل النفس ليحررها من القيود التي تطفئ همتها وتوهن عزيمتها، وقوة تقتلع جذور العقبات التي تضعف إرادتها وتثنيها عن بلوغ المرام ونيل المراد، والقرآن الكريم حينما يحرر النفس من قيود الخوف والعجز والوهن فإنه يحرر الإنسان ويعيد تعريف ذاته وبناءها وبلورتها وتربيتها على فقه الإصلاح والتغيير المنشود لينهض ويرتقي بحاله وحال أمته. كما أنه لا يعالج فقط أمراض النفس ويشفيها وإنما يقدم منهاجا عمليا دقيقا لتزكيتها وتهذيبها والسمو بها لأعلى مراتب الإيمان والإحسان.
- تحرير الهمة من الخوف واليأس
أخطر العقبات وأعتى القيود هي القيود النفسية التي لا نراها والتي تحول بين العبد وبين غايته ورسالته ومبتغاه في الحياة، ألا وهي قيود الخوف الذي يمتلك النفس فيأسرها ويضعف همتها. فالخوف، وإن كان من خصائص النفس البشرية لا يتعدى كونه مجرد إحساس عادي، وإنما يعتبر عائقا تربويا وعقبة مقاومة خطيرة تثنيه عن الطريق الصحيح وعن الغاية العظمى. وليس أمام المؤمن من سلاحه غير القرآن الكريم الذي يعتبر طوق النجاة والقوة الثابتة التي تتجاوز كل هذه العوائق وتتخطى جميع العقبات لتبني إنسانا لا يستوي في قلبه أمران؛ الخوف من الله والخوف الدنيوي الذي يشل همة المؤمن َفلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ سورة آل عمران (17).
كما أن القرآن الكريم يعيد ترتيب الأولويات في نفس المؤمن بربطه بالغاية الكبرى التي هي وجه الله تعالى والفوز بالجنة مما يقوي فيه بذور الإيمان واليقين والثقة بالله عز وجل ويولد عنده طمأنينة تتغلب على الخوف واليأس فتسقط الدنيا من عينه وتصغر جل المخاوف في قلبه فلا يسكنه غير الخوف من الله عز وجل وحده والذي هو الخوف الحقيقي الذي يهزم الضعف النفسي ويسمو بالهمة ويصنع نفسا قوية لا تستسلم ولا تضعف ولا تخاف في الله لومة لائم. ومن كان الله معه فمن عليه أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ سورة يونس (6﴾.
- تحرير الإرادة من العجز والوهن
العجز أعدى أعداء الإرادة فهو يقيدها ويضعفها حتى لا تسعى ولا تعمل ولا تجتهد. فالبيئة التي نشأ فيها الإنسان والتربية التي تلقاها والبرمجة العمياء التي تبرمج عليها منذ الصغر والتي لا ترضى بغير الممكن ولا تتطلع للتغيير والإصلاح ولدت عنده بشكل لا إرادي ما يسمى بالعجز المكتسب هذا العجز ترسب في النفس الإنسانية فأحبط إرادتها وأثناها عن عزمها، ألبسها رداء الضحية التي تلقي اللوم على الظروف المحيطة تبريرا لانهزام إرادتها دون السعي والعمل والبحث عن المفاتيح المناسبة للنهوض والخروج من قفص الضحية. خرافة العجز هاته التي أحاط الإنسان بها نفسه جاء القرآن ليهدم أسوارها ويعيد هندستها فأعاد تعريف الذات الفاعلة القادرة الساعية العاملة المشحونة بالإرادة التي تبذل الجهد وتعمل بالمتاح وتخلق من المستحيل أفقا ومن والمفقود أملا حيا. والقرآن الكريم يخاطب المؤمن في كثير من الآيات ينهاه عن الانقياد للعجز والوهن وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين سورة آل عمران (139)، ويحثه على السعي والعمل والتسابق والمسارعة لفعل الخير، يقول تعالى فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات سورة البقرة (148) ويقول سبحانه وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى سورة النجم (39).
2- القرآن وصياغة النفس الصابرة
القرآن مدرسة تعيد صياغة الإنسان وتربيه على الصبر والثبات في لحظات الابتلاء والانكسار والألم ليكون من ذوي الهمم العالية المقتحمة. فالقرآن يرسم معالم الابتلاء ليس باعتباره مصيبة أو معاناة وإنما مشيئة الله عز وجل وقدره أولا ووسيلة للرفعة والارتقاء ثانيا حيث يبشر الله الصابرين بالبشرى العظيمة ويرفع درجاتهم عبر طيات آياته يقول الحق سبحانه وبشر الصابرين. ثم صور الألم بأنه ليس مجرد وجع وإنما طاقة إيجابية وقوة فاعلة للانطلاق والصمود فهو وإن كان مرا وعلقما إلا أنه دواء يعالج أمراض النفس الخبيثة كالعجب وحب الدنيا. فالصبر ليس استسلاما وإنما مقاومة وصمود تولد المنح من رحم المحن إذ إن العثرات قد تكون في بعض الأحيان يقظات والعسر ليس دائما عقبة، بل رفيق لليسر والنصر مع الصبر والفرج يأتي دائما بعد الشدة إن مع العسر يسر ا إن مع العسر يسرا.
ثمرة هذا الثبات وهذا الصمود أمام تحديات وعقبات الحياة لا تنمو إلا بالصبر والمصابرة في صحبة صالحة وجماعة راشدة تعين على علو الهمة والارتقاء من “صبر الفرد على حاله إلى صبر الجماعة عل مشروعها”، يقول تعالى: واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَه سورة الكهف28
بهذه المعاني الجليلة يرسخ القرآن الكريم حتمية أن الصبر حليف النصر ومفتاح الفرج فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ سورة الروم (60) وعنوان الفوز بمحبة الله عز وجل وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِين سورة آل عمران (146) ومفتاح الهمة العالية والإرادة القوية يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون سورة آل عمران 200.
3. القرآن وبناء الإنسان ذي الرسالة السامية
بعد أن يتحرر العبد من قيود الضعف النفسي والإرادي يقوده القرآن ليكون إنسانا واعيا بماهيته وغايته صاحب رسالة عدل وإحسان، وحامل مشروع تغييري ينطلق من التربية إلى المسؤولية اتجاه الله عز وجل واتجاه نفسه وأمته، ثم نصرة الحق فتبليغ الدعوة.
4. مفاتيح القرآن الكريم لعلو الهمم وبلوغ المرام
– الإيمان واليقين بالله والتوكل عليه سبحانه وتعالى مفاتيح ذهبية ويقينيات ترفع سقف الطمأنينة والثبات وعلو الهمة عند المؤمن. وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ سورة الطلاق (3).
– الذكر والدعاء: كثرة الإلحاح والوقوب بباب المولى عز وجل يفتح القلوب المغلقة ويرمم النفوس المتضررة فيرزقها السكينة والطمأنينة والثبات الذي يعلي همتها ألا بذكر الله تطمئن القلوب.
– صحبة القرآن الكريم: القرآن هو الصاحب الذي يرفع المؤمن من سفاسف الأمور إلى معاليها إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم“.
– الصحبة والجماعة: صدق الصحبة وقوة الجماعة يمدان المؤمن بالهمة العالية ويجعلان ضعفه قوة وثباتا وإقداما. المؤمن ضعيف بنفسه قوي بأخيه. وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا سورة آل عمران (10).
– الصبر والاحتساب: الصبر وحده وقود الهمة لكن حينما يقترن بالنية والاحتساب يصبح قوة دافعة تبلغ النفس جسر العبور إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب﴾ سورة الزمر (10).
– العمل والسعي والمسارعة: القرآن يشجع ويدعو ذوي الهمم العالية إلى القراءة بعين المبادرة والاغتنام وانتهاز الفرص وعدم تأجيلها وتحويلها إلى أفعال عملية واعتبارها رسائل موجهة للمؤمن: سارعوا.. سابقوا.. اصبر
• استلهام الهمة من قصص القرآن الكريم:
قصص الأنبياء والصالحين وسيرهم ليست مجرد حكايات وإنما نماذج حية وعملية خلدها التاريخ لاستلهام قوة الصبر والثبات وعلو الهمة. ولعل أعظم نموذج يقتدى به هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي جمع بين همة الصبر وهمة العبادة وهمة الدعوة للحق وهمة الرحمة.
فالحمد له الذي أنعم علينا بنعمة القرآن وجعله لنا نورا وهداية وشفاء ونجاة.