الفقه المنهاجي في الدعوة إلى الله

Cover Image for الفقه المنهاجي في الدعوة إلى الله
نشر بتاريخ
عبد الصمد الخزروني
عبد الصمد الخزروني

اليوم ونحن نعيش واقعا فتنويا لابد لتحقيق انتقال كامل منه إلى واقع إسلامي من إحداث التحولات المناسبة، ومن اعتماد الأساليب المناسبة أيضا في التربية والتعليم والدعوة والحركة والتغيير. هذا تحدّ أول أمام الأمة ينبغي التفكير فيه بجدية والاجتهاد له حسب الظروف المناسبة والإمكانيات اللازمة.

أما واقع الجاهلية الذي وراء الحدود الجغرافية للأمة وخارج أسوارها، والذي يحاول أصحابُه الإبقاءَ على واقع الفتنة وترسيخه، بل والعمل بكل إمكانياتهم لتحويله إلى واقع جاهلي، فهذا تحدّ ثان أمام الأمة، يحتاج كذلك إلى تفكير وتخطيط ومواجهة بكل الوسائل الحكيمة التي تؤثر في الواقع الجاهلي فيتأثر ماديا ومعنويا، أو على الأقل يقف عند حدّه ولا يتدخل في شؤونها الداخلية.

لتجاوز هذين التحدّيين نحتاج إلى فقه منهاجي في الدعوة، الذي هو فهم للواقع، وفهم لطريقة التحرك فيه، وفهم للانتقال منه إلى واقع مرغوب فيه. هذا الفقه المنهاجي يتضمن الاجتهاد الفقهي والشرعي والتربوي.

بعض المحلّلين من علماء المسلمين ودعاتهم يربط تخلف المسلمين بقصورهم في الاجتهاد الفقهي، وهذا نوع من التحليل السطحي، لأنه يُقدّر بعقله أن البعث الاسلامي يقوم على التجديد القانوني فقط. أما الفقه المنهاجي في تحليله للأمور فيعتمد على الكيف. كيف السبيل لتنتقل الأمةُ من واقع الفتنة الذي تغرق فيه منذ قرون، إلى واقع الإسلام الذي يمثل لها الخلاص والسلامة والأمان؟  

ومن أجل هذا الانتقال من واقع مرفوض الى واقع مطلوب شرعا يلتمس الفقه المنهاجي للخاصة من العلماء والدعاة وللعامة من الناس في واقع يوصف بالفتنة الأعذار الشرعية المناسبة، ويرفع عنهم الحرج من أجل توبة مزدوجة فردية وجماعية. وَتُوبُوۤا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِیعًا أَیُّهَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ [النور:31]. ويعتمد في ذلك على الأساليب النبوية في الحكمة والرحمة والصبر والرفق والتدرج.

إن الدعوة إلى التجديد والتغيير والبناء لا بد أن تقوم على أساليب الرحمة والحكمة والتدرج. ويقترح الفقه المنهاجي سلوك الخطوات التالية:

الخطوة الأولى: دلالة الناس على التوبة: نتوب إلى الله تعالى وندعو الناس إلى التوبة. نعلمهم التوبة وأهميتها وفضلها وشروطها. ونُبين لهم أن الله تعالى يريد التوبة لعباده، وَٱللَّهُ یُرِیدُ أَن یَتُوبَ عَلَیۡكُمۡ وَیُرِیدُ ٱلَّذِینَ یَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَاتِ أَن تَمِیلُوا۟ مَیۡلًا عَظِیما [النساء:27]، وأنه سبحانه وتعالى يُحب من يتوب إليه، وأنه يقبل التوبة من عباده، ويفرح بتوبتهم. فالتائب حبيب الرحمان. والله تعالى سبحانه يحب التوابين ويحب المتطهرين. عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كيفَ تَقُولونَ بِفَرَحِ رَجُلٍ انْفَلَتَتْ منه رَاحِلَتُهُ، تَجُرُّ زِمَامَهَا بِأَرْضٍ قَفْرٍ ليسَ بِهَا طَعَامٌ وَلَا شَرَابٌ، وَعَلَيْهَا له طَعَامٌ وَشَرَابٌ، فَطَلَبَهَا حتَّى شَقَّ عليه، ثُمَّ مَرَّتْ بِجِذْلِ شَجَرَةٍ فَتَعَلَّقَ زِمَامُهَا، فَوَجَدَهَا مُتَعَلِّقَةً بِهِ؟ قُلْنَا: شَدِيدًا، يا رَسُولَ اللهِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: أَما وَاللَّهِ لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ، مِنَ الرَّجُلِ بِرَاحِلَتِهِ” 1.

الخطوة الثانية: تعليمهم أن الدّين مراتب ودرجات: بعد الدلالة على التوبة نتدرّج بالناس، ونُفهمهم ونُعلمهم أن الدين مراتب كما جاء في حديث جبريل عليه السلام “هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم”. مراتب ودرجات يتسابق فيها وعليها المسلمون من إسلام يمثل القاعدة الواسعة للأمة، إلى إيمان يمثل الأهلية للدخول تحت نداء الله تعالى المؤمنين بـ”يا أيها الذين آمنوا”، لإحسان يتطلّع ويطمح إليه ذووا الهمم العالية من الرجال. يقول الله تعالى يهيب بعباده ليتسابقوا في هذه الدرجات: سَابِقُوۤا۟ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَاۤءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ ذَلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ یُؤۡتِیهِ مَن یَشَاۤءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِیمِ [الحديد:21]. هذه الخطوة مهمة في تحقيق الخلاص الفردي لنيل رضى الله تعالى.

الثالثة: إخبارهم بالخلاص الجماعي: مع الخلاص الفردي نُفهمهم ونُعلمهم ونُربيهم على أن هناك مرتبة أعلى هي مرتبة الجهاد أو الخلاص الجماعي الذي لا يكتمل إيمان المؤمن إلا به. لأن دعوة الإسلام همّ واهتمام. همّ الله بطلب وجهه والسعي لنيل رضاه، واهتمام بأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم نصرة لدين الله وسعيا لإقامته في الأرض. يقول الله تعالى: إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ یَرۡتَابُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ بِأَمۡوَالِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ [الحجرات:15]. ونُقنع الناس أن الجمع بين الخلاص الفردي والخلاص الجماعي هو السلوك الصحيح الكامل على المنهاج النبوي، منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول الله تعالى يُبين هذه الخطوات العملية المترابطة والمتتابعة: إِلَّا ٱلَّذِینَ تَابُوا۟ وَأَصۡلَحُوا۟ وَٱعۡتَصَمُوا۟ بِٱللَّهِ وَأَخۡلَصُوا۟ دِینَهُمۡ لِلَّهِ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَۖ وَسَوۡفَ یُؤۡتِ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ أَجۡرًا عَظِیما [النساء: 146].

بهذا الفهم نَقبل عُذر من لم يفهم العمل الجماعي، فلا نُرغم عليه أحدا. المسلم الرّاغب في الخلاص الفردي لا نحمّله ما لا يطيق. هو حُرّ أن يتزكى كما يُحبّ.

فالفقه المنهاجي إذن يبحث عن العمل وعن حوافزه، وعن تنظيم هذا العمل وتوجيهه بعد تكوينه، وعن تجديد وابتكار علاقات اجتماعية أخوية وإنسانية تُستبدل بها العلاقات الفتنوية الدنيوية المبنية على المصلحة والتفاهة. ويطرح في سبيل تحقيق هذا المشروع منهاجا من خصال عشر: الصحبة والجماعة، الذكر، الصدق، البذل، العلم، العمل، السمت الحسن، التؤدة، والاقتصاد، والجهاد، تنضوي تحت هذه الخصال العشر شعبٌ إيمانية تبلغ سبعا وسبعين شعبة. وهي خصال عمل صالح ومنهاج اقتحام للعقبة يوحي بالجهد المتواصل والمستمر في سياق سنة التدافع لبناء عمران أخوي إنساني يخدم قيمة الإنسان الوجودية وغايته الإحسانية.

هذه الخصال العشر بكل ما ينضوي تحتها من شعب إيمانية هي منظومة قيمية وأخلاقية للسلوك الفردي والجماعي، لا يمكن لها أن تتحول إلى واقع مجتمعي إلا بتحويلها كخطوة أولى من التجريد باعتبارها فكرا منهاجيا إلى سلوك عملي باعتبارها مبادئ ضرورية في الحياة لا يمكن الاستغناء عنها. وتحويلها بعد إلى قيم وأخلاق لها سياج متين يمنع من أن تخترق أو تفسد كخطوة ثانية.

وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰۤ أَمۡرِهِۦ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَعۡلَمُونَ [يوسف:21].


[1] رواه مسلم رحمه الله في صحيحه.