الفساد: بنية الدولة العميقة في أنظمة الاستبداد

Cover Image for الفساد: بنية الدولة العميقة في أنظمة الاستبداد
نشر بتاريخ

في 10 غشت وجهت الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة “ترانسبرانسي المغرب” رسالة[1] “محرجة” إلى مسؤولي وقيادات الأحزاب المغربية البرلمانية، طالبة منهم الإجابة على ثلاثة أسئلة/ التزامات انتخابية:

1.     هل ستبادرون إلى اتخاذ إجراء من أجل مراجعة المقتضيات الجديدة للمادتين 3 و7 من القانون رقم 03.23 المتعلق بالمسطرة الجنائية؟

2.     هل تؤيدون أم تعارضون تجريم الإثراء غير المشروع، على أساس الاستناد إلى التصريح الإجباري بالممتلكات؟

3.     ما هي الآليات التشريعية أو التنظيمية التي تعتزمون اقتراحها أو الدفاع عنها من أجل تأطير حالات تنازع المصالح والوقاية من الانحرافات والممارسات المرتبطة بها؟

ويأتي هذا المقال في سياق التفاعل مع هذه الرسالة ومع جهود مكافحة الفساد، الذي يكلف المغاربة حسب الأرقام المعلنة حوالي 5% من الناتج الداخلي الخام، أي حوالي 7 ملايير دولار سنويا، وقبل مزيد من التفصيل لابد من إبداء هذه الملاحظات:

1-    لا يمكن فهم وضع الفساد في المغرب، دون التمييز بين الفساد بوصفه انحرافا فرديا وبين الفساد بوصفه بنية لإعادة إنتاج السلطة، وهذا التمييز مهم خصوصا عند قراءة المعطيات الأخيرة لمنظمة الشفافية الدولية وTransparency Maroc.

2-    في دولة الاستبداد، ليس الفساد مجرد انحراف في الدولة؛ بل قد يصبح إحدى الطرق التي تعمل بها الدولة فعليا، وعندما تتشابك السلطة بالثروة والريع وتضعف الرقابة، تتحول شبكات الفساد من طفيليات إلى بنية موازية “دولة عميقة” لإعادة إنتاج السلطة نفسها، لذلك فإن تفكيك الفساد ليس عملية أخلاقية أو إدارية فحسب، بل هو في جوهره ثورة سياسية حاسمة لإعادة بناء دولة القانون والمساءلة.

3-    التحدي الحقيقي ليس كم فاسدا تم اكتشافه، بل هل تغيرت البيئة التي تجعل الفساد قابلا للاستمرار؟

4-    وهنا نطرح سؤالا رغم إدراكنا لأهمية ما يقوم به مكافحو الرشوة والفساد، هل فعلا وجهت الرسالة إلى من يهمهم الأمر حقيقة، في ظل واقع لا تملك فيه الأحزاب ولا البرلمان السلطة الحقيقية للرقابة والمساءلة؟

الفساد كـ«دولة عميقة» لا كعرض هامشي

في الدولة الديمقراطية، يفترض أن تكون السلطة خاضعة للقانون، وأن تكون المؤسسات قادرة على مراقبة بعضها بعضا، وأن يكون المال العام قابلا للتتبع والمساءلة، أما عندما تضعف آليات الرقابة، وتتركز السلطة، وتضيق مساحة المجتمع المدني والإعلام المستقل، فإن الفساد يستطيع الانتقال من كونه مخالفة للقواعد إلى كونه طريقة في ممارسة السلطة، وهنا يصبح وصف “الدولة العميقة” مفيدا، لا بمعناه التآمري أو الحرفي، وإنما بمعنى شبكة المصالح غير المرئية التي تستمر في التأثير في القرار العام حتى عندما تتغير الحكومات والبرامج والوجوه السياسية، وفي هذه الحالة، لا يحتاج الفساد إلى أن يكون مكتوبا في القانون؛ يكفي أن توجد منظومة من:

ü   تضارب المصالح؛

ü   الزبونية والوساطة؛

ü   احتكار الوصول إلى المعلومة؛

ü   النفوذ الاقتصادي والسياسي؛

ü   ضعف حماية المبلغين؛

ü   ضعف استقلال آليات الرقابة؛

ü   غموض المستفيد الحقيقي من بعض الشركات والأصول؛

ü   الإفلات من العقاب أو تفاوت تطبيق القانون.

وهذه العناصر تجعل الفساد أقرب إلى بنية تحتية للسلطة منه إلى مجرد سلوك فردي.

لماذا يصبح الفساد أكثر خطورة في دولة استبدادية؟

لأن الاستبداد لا يحتاج بالضرورة إلى إلغاء المؤسسات؛ يستطيع أن يجعلها مؤسسات موجودة شكلا ومحدودة الفاعلية مضمونا وهنا تتشكل علاقة تبادلية وتكاملية: تركيز السلطة ← ضعف الرقابة ← اتساع هامش الفساد ← تشكل شبكات مصالح ← مقاومة الإصلاح ← استمرار تركيز السلطة.

أي أن الفساد لا يكون مجرد نتيجة للاستبداد، بل يصبح أيضا أداة لإعادة إنتاجه، فالفاعل الذي يستفيد اقتصاديا من الوضع القائم يصبح مرتبطا باستمراره، والموظف الذي يعلم أن مستقبله المهني مرتبط بالولاء أكثر من الكفاءة يصبح أقل استعدادا لمقاومة الانحراف، وحتى المواطن الذي يعتقد أن الحصول على حقه يتطلب واسطة يتكيف تدريجيا مع النظام بدلا من مواجهته.

وهكذا يتحول الفساد إلى نظام حوافز، يكافئ المتكيفين مع قواعد اللعبة ويعاقب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من يحاول تغييرها.

المشكلة ليست في الرشوة فقط

وهنا تكمن أهمية قراءة تقرير الشفافية الدولية قراءة سياسية ومؤسساتية، لا مجرد قراءة ترتيب الدول، فمنظمة الشفافية الدولية تؤكد في تقرير 2025 أن مكافحة الفساد ترتبط بقوة المؤسسات واستقلالها وبوجود فضاء مدني حر، وتحذر من أن تركيز السلطة وتهميش آليات الضبط والتوازن يضعف مكافحة الفساد.[2]

وهذه النقطة بالذات تجعل أطروحة «الفساد هو الدولة العميقة في دولة الاستبداد» قابلة للنقاش الجدي، فإذا كانت آليات الرقابة ضعيفة، فإن محاربة الفساد تصبح صعبة، لأن الجهة التي يفترض أن تحارب الفساد قد تصير جزءا من شبكة المصالح التي يستفيد منها، ومن هنا يمكن أن نميز بين نوعين من مكافحة الفساد:

مكافحة الفساد الجزئي: اعتقال موظف، محاكمة مسؤول، كشف صفقة مشبوهة، أو معاقبة منتخب.

مكافحة الفساد البنيوي: إصلاح قواعد إنتاج القرار نفسه، وفصل المصالح الخاصة عن السلطة العامة، وتعزيز استقلال القضاء والرقابة، وضمان الوصول إلى المعلومات، وحماية الصحافة والمبلغين، وفرض شفافية حقيقية على الملكية والمصالح والعقود العمومية.

فالأول قد ينتج أخبارا مثيرة ويصنع البوز وقد يكون تصفية حسابات وعقابا؛ أما الثاني فيغير قواعد اللعبة كلية وهو الواجب والمطلوب.

المغرب بلد المفارقات

يعتبر المغرب إحدى البلدان التي تشكل نموذجا للمفارقات، فقد أسس عشرات الهيئات، ووقع عشرات الاتفاقات الدولية وأصدر مئات القوانين والتشريعات، ومع ذلك فالمفارقة اللافتة هي أن المغرب حقق في مؤشر 2025 تحسنا نقطتين، لكنه ما يزال عند 39 نقطة فقط من 100[3]، وهذا يعني أن التقدم في المؤشر لا ينبغي تفسيره باعتباره شهادة على القضاء على الفساد، وإنما باعتباره تحسنا محدودا في الإدراك مقارنة بالسنة السابقة، بل إن Transparency Maroc نفسها نشرت في 10 فبراير 2026 بيانا بعنوان دال: «المغرب يغرق في الفساد»، كما تضع جمعيتها ضمن أعمالها تقارير حول الإثراء غير المشروع والشفافية في التصريح بالممتلكات وغيرها، والأهم أن تقرير *Into the Light* الذي تستضيفه Transparency Maroc يبحث في شفافية التصريح بالممتلكات في ثماني دول بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي مسألة مركزية في تفكيك شبكات المصالح، لأن معرفة الاسم القانوني للشركة لا تكفي إذا كان المستفيد الحقيقي من ورائها غير واضح.[4]

إعادة تعريف “الدولة العميقة”

إذا أخذنا المفهوم بصورة تحليلية، يمكن القول إن الدولة العميقة ليست فقط أجهزة سرية أو مراكز قوة غير معلنة؛ ففي بعض الأنظمة يمكن أن تتجسد أيضا في شبكة من العلاقات بين السلطة والثروة والإدارة والاقتصاد، وهذه الشبكة تستطيع أن تعيش حتى عندما تتغير الحكومات، وقد يأتي حزب جديد إلى الحكومة، وتتغير الشعارات، وتتغير البرامج الانتخابية، لكن إذا ظلت: قواعد توزيع الريع + شبكات المصالح + آليات التعيين + ضعف الرقابة + احتكار المعلومات + الإفلات من العقاب على حالها، فإن التغيير السياسي يصبح محدود الأثر.

وهنا يصبح الفساد «الدولة العميقة» بمعنى أنه البنية الخفية للنظام، يحتفظ بالعلاقات والمصالح والامتيازات التي لا تظهر في الخطاب الرسمي، لكنه يستطيع أن يحدد عمليا من يربح ومن يخسر ومن يستطيع الوصول إلى القرار.

أخطر ما يفعله الفساد: إفساد السياسة نفسها

الفساد لا يسرق المال العام فقط؛ إنه يسرق المعنى السياسي للمواطنة، فالمواطن في دولة القانون يقول: لدي حق، والقانون يحميني، أما في بيئة يسودها الفساد فيبدأ المواطن في القول: لدي حق، لكن علي أن أعرف شخصا كي أحصل عليه، وهنا تقع النقلة الخطيرة، من دولة الحق إلى دولة الوساطة.

وعندما تصبح الوساطة أكثر فعالية من القانون، فإن القانون نفسه يبدأ بفقدان هيبته، وعندما يفقد المواطن ثقته في المؤسسات، تصبح المشاركة السياسية أقل معنى، وتتحول الانتخابات إلى مجرد تغيير في الواجهات، بينما تبقى شبكات النفوذ قادرة على إعادة إنتاج نفسها، لذلك فإن الفساد والاستبداد ليسا ظاهرتين منفصلتين؛ في بعض السياقات يغذي كل منهما الآخر: فالاستبداد يقلل الرقابة، وضعف الرقابة يوسع الفساد، والفساد ينشئ مصالح مرتبطة ببقاء الوضع القائم، وهذه المصالح بدورها تقاوم الديمقراطية والمساءلة.

المعركة الحقيقية ليست «ضد الفاسدين» فقط

إذا كانت المشكلة بنيوية، فإن التركيز على الأشخاص وحدهم قد يكون خادعا ومضللا -وإن كان لابد منه- فإزاحة عشرة أشخاص من شبكة مصالح لا تعني تفكيك الشبكة إذا ظلت المؤسسات والقواعد التي أنتجتها قائمة، إذا فالمطلوب، في المقابل، هو الانتقال من منطق محاربة الفاسدين إلى منطق منع إنتاج الفساد، وهذا يتطلب شفافية في الصفقات العمومية، وتضييق تضارب المصالح، وشفافية في التصريح بالممتلكات، وحماية المبلغين، وتقوية هيئات الرقابة، وضمان الوصول إلى المعلومات، واستقلال القضاء، وفضاء مدني وإعلامي يستطيع التحقيق والنقد دون خوف، وهذه الأخيرة ليست إجراءات منفصلة عن مكافحة الفساد؛ بل هي، وفق المنظور الذي تؤكده الشفافية الدولية، جزء من البنية التي تجعل مكافحة الفساد ممكنة أصلا [5]

وخلاصة القول، إذا كان الاستبداد هو احتكار القرار، فإن الفساد هو الآلية التي تجعل احتكار القرار قابلا للتحويل إلى مصالح، وإذا كان الاستبداد يغلق باب المساءلة السياسية، فإن الفساد يفتح باب الاستفادة الخاصة من غيابها، لذا كان التغيير السياسي الحقيقي هو المدخل لمحاربة الاستبداد والفساد وإسقاط الحماة والصانعين.

——————-

[1] https://transparencymaroc.ma/ar/%d8%a8%d9%84%d8%a7%d8%ba-%d8%a5%d8%ae%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d9%8a-%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d9%86%d8%b3%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%86%d8%b3%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ba%d8%b1%d8%a8-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d9%85/
[2] https://www.transparency.org/en/cpi/2025/index/mar?utm_source=chatgpt.com “2025 Corruption Perceptions Index – Explore… – Transparency.org”
[3] https://www.transparency.org/en/countries/morocco?utm_source=chatgpt.com “Morocco – Transparency.org”
[4]https://www.transparency.org/ar/publications/corruption-perceptions-index-2025?utm_source=chatgpt.com “Transparency.org – مؤشر مُدرَكات الفساد لعام 2025 (CPI) – Publications”

 
[5] https://transparencymaroc.ma/?utm_source=chatgpt.com “Transparency Maroc”