العنف الأسري.. دوافعه وآثاره

Cover Image for العنف الأسري.. دوافعه وآثاره
نشر بتاريخ

يُعد العنف الأسري من الظواهر التي طفت على سطح مجتمعنا بشكل ملفت للنظر، إذ إن نسب الطلاق والجريمة ازدادا بشكل مخيف، خصوصا بعد فترة الحجر المنزلي، حيث اجتمع أفراد الأسرة في المنزل مدة طويلة، فكانت تلك القطرة التي أفاضت الكأس.

يفترض أن التئام الشمل هو ما يسعى إليه الجميع، فلا أجمل من أسرة مجموع شملها في منزل واحد يحس أفرادها ببعضهم ويتشاركون أفراحهم وأحزانهم، لكن هذا كان حلما نجح البعض في تحقيقه، بينما أصبح كابوسا لدى البعض الآخر، حيث أن اجتماع الأسرة واحتكاك أفرادها الذين كان كل واحد منهم يعيش في عالمه الخاص (عمل، مقهى، أشغال البيت، المدرسة، وسائل التواصل…)، وفجأة وجدوا أنفسهم في فضاء واحد وعليهم جمع هذه العوالم المختلفة فيه، مما زاد الضغط على كل واحد منهم لينفجروا في وجوه بعضهم البعض.

والعنف الأسري متعدد الأشكال؛ فمنها اللفظي، والجسدي، والنفسي، والاقتصادي… وكلها وجوه لعملة واحدة هي الأذى؛ الذي يلحق بالآخر وإن اختلف حجم الضرر.

وللعنف الأسري آثار سلبية تبدأ من الفرد وتمر بالأسرة لتصل إلى المجتمع، وترجع أسبابه إلى: الموروث الثقافي؛ حيث أن السائد في بعض العائلات هو تفضيل الذكر على الأنثى، والاعتقاد أن مقدار الرجولة يكمن في قدرة الرجل السيطرة على عائلته بالقوة، ومن الناس من لا يؤمن ذا الاعتقاد ولكنه يلجأ إلى العنف بسبب الضغط الاجتماعي من محيطه.

كما تظهر دوافع أخرى للعنف الأسري ناتجة عما تمر به الأسرة من تغيرات اجتماعية؛ كالحمل، والمرض، وأزمات اقتصادية ونفسية… مما يجعل أحد أفراد الأسرة المهمَل يقوم بردة فعل عنيفة قصد التعبير عما يعانيه، أو استجلاب اهتمام الطرف أو الأطراف الأخرى، وأيضا التدخلات الخارجية بين أفراد الأسرة تؤدي إلى العنف حتى وإن كان التدخل بهدف الإصلاح.

تختلف الدوافع المؤدية إلى العنف باختلاف المستويات الدينية والفكرية والثقافية والاجتماعية بين الزوجين، فهما أساس الأسرة، والأسرة نواة المجتمع؛ إن صلحت صلح.

لذلك فعلاج المشكلة يبدأ من الزوجين؛ فحسن اختيار الشريك يلعب دورا مهما في تأسيس أسرة على دعائم متينة، وقد أرشدنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بقوله: “إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه” [1]، وقوله صلى الله عليه وسلم كذلك: “… اظفر بذات الدين تَرِبت يداك” [2].

كما نهانا عليه الصلاة والسلام عن الغضب لأنه أصل المشاكل كلها، ودعانا إلى حسن المعاملة والصبر، وإعطاء كل ذي حق حقه.

هذه توجيهات نبوية يجب أخذها بعين الاعتبار، والعمل على تطبيقها في الحياة اليومية، لتحقيق أسرة متماسكة وسعيدة، تخرج للمجتمع أفرادا نافعين.

وأختم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم؛ عن عائشة رضي الله عنها: أَن النبيَّ ﷺ قَالَ: “إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ، وَيُعْطِي على الرِّفق ما لا يُعطي عَلى العُنفِ، وَما لا يُعْطِي عَلى مَا سِوَاهُ” [3].


[1] من حديث: “إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه؛ إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض، وفساد عريض”. رواه الترمذي في (النكاح)، باب (ما جاء إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه)، برقم: 1084.

[2] “تُنكَح المرأة لأربع؛ لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك”. أخرجه البخاري (5090)، ومسلم (1466).

[3] أخرجه البخاري (6927)، ومسلم (2593).