تقديم
شهد العالم خلال السنتين الماضيتين أبشع حرب إبادة جماعية عرفها التاريخ الحديث، والتي شنها الكيان الصهيوني على قطاع غزة، حيث استخدم فيها أعتى الأسلحة والمعدات العسكرية التي يمتلكها، إلى جانب أخرى زودته بها الولايات المتحدة الأمريكية، أكبر مورد للأسلحة لـ”إسرائيل ” قبل العدوان وأثناءه، “حيث وقعت الحكومتان سنة 2016 مذكرة تفاهم مدتها 10 سنوات بشأن المساعدات العسكرية، وبموجب المذكرة تعهدت الولايات المتحدة الأمريكية بتقديم 38 مليار دولار من المساعدات العسكرية لإسرائيل مقسمة إلى 33 مليار دولار من منح التمويل العسكري الأجنبي و5 مليارات دولار من مخصصات الدفاع الصاروخي” 1.
خلفت هذه الحرب أكثر من 70 ألف شهيد؛ أغلبهم من النساء والأطفال، مع تدمير وتعطيل 90 في المائة من البنى التحتية المدنية بالقطاع، بخسائر تقدر بنحو 70 مليار دولار.
ومع استمرار العدوان على غزة بسبب الانتهاكات التي يمارسها الجيش في بعض المناطق الحيوية، وأمام إصرار الاحتلال على منع دخول الدواء والغذاء، بالإضافة إلى الأوضاع الكارثية التي أصبح يعيشها النازحون في الخيام بسبب سوء أحوال الطقس والمنخفض الجوي الذي اجتاح المنطقة مؤخرا، فإن مخلفات هذه الحرب وما بعدها تبقى مفتوحة ومرشحة للارتفاع 2.
هذه الأرقام المهولة، ومشاهد الدمار، والنقل الحي للمجازر الوحشية التي ارتكبها ومازال يرتكبها جيش الكيان الصهيوني في غزة، كانت أكثر من كافية لتأليب العالم ضد “دولة إسرائيل” التي كانت تنعت غير بعيد بأنها النموذج الوحيد للحداثة في الشرق الأوسط.
فهل كان العالم بحاجة إلى أن يخرج الكيان الصهيوني أبشع ما عنده من وحشية سادية حتى يتكشف له وجهه الحقيقي؟ وهل كانت السردية الصهيونية مهيمنة على عقول الناس ومتجذرة في تفكيرهم إلى هذا الحد؟
للأسف، لا نملك إلا أن نجيب بنعم، لقد كان مقدرا أن يقع فوق ما يمكن توقعه، من تقتيل وتجويع وتشريد وتهجير… حتى يصحو الضمير الإنساني وينحاز إلى جانب عدالة القضية الفلسطينية.
فلا غرابة أن نرى اليوم هذه الحشود من الناس التي مازالت تملأ الساحات والشوارع وتعلو أصواتها بهتافات وشعارات داعمة لأهل غزة ومقاومتها، ومنددة بالمجازر الوحشية التي يرتكبها الكيان الصهيوني، وفاضحة تخاذل الأنظمة الرسمية وتلكؤ المنتظم الدولي الذي وقف عاجزا عن التحرك ضد الغطرسة الصهيونية المدعومة بالفيتو الأمريكي.
كل ما سبق ذكره، لا يمكن إلا أن نعتبره مؤشرا إيجابيا على أن ثمة تحولات مهمة في الرأي العام الغربي اتجاه ما يحدث في غزة وكل فلسطين، وهو بالتأكيد إيذان بأفول السردية الصهيونية التي سادت لمدة طويلة هناك، ففي مخيلة المجتمع الغربي كانت “إسرائيل“ دائما هي الضحية، مستغلة نفوذها وهيمنتها على وسائل الإعلام الرسمية وتوظيفها لمحرقة الهولوكوس بشكل مبالغ فيه لحشد العالم من حولها.
فهي ومنذ تأسيسها، تحاول جاهدة وبكل الوسائل صنع علاقات عامة مؤثرة ونافذة دوليا، لأنها تخاف من العزلة الدولية بقدر خوفها من التهديد الأمني لكيانها. وهذا بالضبط ما تعانيه “إسرائيل” اليوم بسبب تدهور صورتها دوليا، على خلفية الاتهامات المتصاعدة بارتكابها “جرائم الإبادة الجماعية” وانتهاكها للقانون الدولي الإنساني، مما أثر على علاقاتها مع العديد من الدول، وحتى مع بعض حلفائها التقليديين.
وقد تزايدت هذه الضغوط، بعد صدور قرار الإدانة من المحكمة الجنائية الدولية، الذي اعتبر – ولو من حيث المبدأ – سابقة قانونية وإنسانية، وانتصارا لقيم العدالة الدولية التي يئس منها الكثيرون. صحيح أن نفاذه على الأرض يبدو محدودا جدا، لكنه يكتسي رمزية كبيرة، ومن شأنه أن يعطي زخما قانونيا وسياسيا جديدا للقضية الفلسطينية على الساحة الدولية.
إن التداعيات الاستراتيجية لهذه الحرب القذرة لم تتوقف على المستوى الدولي فحسب، بل طالت حتى الداخل الإسرائيلي سياسيا وعسكريا من جهة، واقتصاديا واجتماعيا من جهة أخرى.
وقد كان نصيب المؤسسات البحثية والأكاديمية وافرا من هذه التداعيات، حيث تكشف العديد من التقارير حجم الضرر الذي لحق التعليم العالي والبحث العلمي الإسرائيلي منذ اندلاع هذه الحرب. سواء من حيث انخفاض حجم الموازنات الداخلية المرصودة للبحث العلمي، جراء استنزافها بسبب تكاليف العمليات العسكرية، أو من حيث تراجع سمعتها دوليا، لتورطها المكشوف في دعم هذا العدوان.
سأتوقف من خلال هذه الدراسة، عند الأدوار الحقيقية التي لعبتها الجامعات الإسرائيلية في دعم سياسات الاستيطان، ثم بيان أن أحداث السابع من أكتوبر 2023، وما تلاها من مجازر وحشية ارتكبها جيش الكيان الصهيوني في قطاع غزة، التي دمرت على الخصوص – وبشكل متعمد – كل بنيات التعليم العالي هناك، كشف بالملموس تواطؤ الجامعات الإسرائيلية في هذه الإبادة الجماعية، وأنه لم يعد خافيا على أحد حجم التعاون القائم بينها وبين الحكومات المتعاقبة في إسرائيل، اليمينية منها على وجه الخصوص.
كل هذا ساهم في عزلة الجامعات الإسرائيلية، وزاد من تضييق الخناق عليها، وانطلاق موجات متصاعدة من الحراكات الطلابية التي شهدتها أكبر الجامعات الدولية، مما أكسب المقاطعة الأكاديمية زخما كبيرا في جميع أنحاء العالم.
فما هي حقيقة الأدوار التاريخية التي لعبتها الجامعات الإسرائيلية في دعمها لسياسات الاستيطان؟ وكيف ساهمت تداعيات حرب الإبادة الجماعية التي ارتكبتها “إسرائيل” في تراجع سمعة هذه الجامعات وعزلتها دوليا؟
المحور الأول: دور الجامعات الإسرائيلية في دعم المشروع الاستيطاني
ارتبط المشروع الاستيطاني بفلسطين بالمشروع الصهيوني الامبريالي، استنادا على أسطورة “شعب بلا أرض لأرض بدون شعب”، حيث اعتمد عليها منظرو الحركة الصهيونية في جلب شتات اليهود عبر العالم إلى فلسطين. وقد شكل “وعد بلفور” غطاء سياسيا لعملية “تهجير فائض أوروبا من اليهود إلى فلسطين تخلصا منهم، ثم لتأسيس قاعدة للاستعمار، على أن يقوم الغرب بحمايتهم في المقابل” 3.
غير أن المشروع الاستيطاني لم يكن ليتحقق على الأرض فقط بسبب الهجرات اليهودية المتتالية إلى فلسطين، ولا بفعل التهجير القسري الواسع للفلسطينيين من ديارهم، ولا حتى بالمجازر المروعة التي ارتكبتها العصابات الصهيونية المسلحة بغية التطهير العرقي. بل لأن الجامعات الإسرائيلية كانت ضالعة منذ البداية في مشروع التصفية وترسيخ سياسات الاستيطان، ولا أدل على ذلك من أن الحركة الصهيونية أسست ثلاث جامعات قبل إقامة دولة “إسرائيل”، وهي:
أولا: الجامعة العبرية التي وضع حجرها الأساس على جبل المشارف في القدس الشرقية، من عام 1918 إبان فترة الانتداب البريطاني، أي قبل تأسيس الدولة بثلاثة عقود، وأما الافتتاح الرسمي لها فكان في فاتح أبريل من عام 1925، وذلك بحضور شخصيات بارزة مثل اللورد آرثر جيمس بلفور، والفيزيائي ألبرت آينشتاين، وحاييم وايزمان (أول رئيس لدولة “إسرائيل”). وقد كان الهدف من تأسيسها هو إنشاء مؤسسة تعليمية وعلمية تخدم المشروع الصهيوني وتدعم “النهضة القومية اليهودية” في فلسطين، حيث سعت الجامعة إلى تعزيز البحث العلمي باللغة العبرية، التي كانت في طور الإحياء في ذلك الوقت 4.
ثانيا: معهد التخنيون في حيفا، الذي أسس من طرف الجمعية اليهودية الألمانية، افتتح في عام 1924 ويعد من أقدم وأهم المؤسسات الأكاديمية والتقنية في إسرائيل. لعب دورا محوريا في تطوير البنية التحتية العلمية والتكنولوجية للحركة الصهيونية قبل إعلان دولة “إسرائيل”. وأيضا كان الهدف من تأسيسه، إعداد مهندسين وتقنيين يهود لبناء “الوطن القومي اليهودي” في فلسطين، ثم دعم البنية التحتية الاقتصادية والزراعية والصناعية للمشروع الصهيوني. وبالفعل تخرج منه آلاف المهندسين الذين ساهموا في بناء الطرق، وشبكات المياه، والمرافق الحيوية، وهو لا يزال يعتبر المصدر الرئيسي للكفاءات في مجالات الهندسة والابتكار والبحث العلمي في “إسرائيل” 5.
ثالثا: معهد وايزمان للعلوم؛ أسس في عام 1934 في مدينة رحوفوت وسط فلسطين، أنشئ بدعم من الحركة الصهيونية لتطوير البحث العلمي، خاصة في الكيمياء والفيزياء، للمساهمة في بناء قاعدة علمية وصناعية للدولة اليهودية، حيث شارك باحثوه في تطوير تقنيات مدنية وعسكرية، ثم عمل المعهد لاحقا في التعاون مع وزارة الدفاع في أبحاث جد حساسة. وهو يعد من المعاهد الرائدة عالميا في مجال الأبحاث متعددة التخصصات 6.
نخلص إذن أن الجامعات الإسرائيلية تعد “من أعمدة نظام التمييز العنصري”، حيث تقدم دعما مباشرا لدولة الكيان الصهيوني في مستويات مختلفة، نذكر بعضها:
أولا: مساهمتها بالأبحاث العلمية النظرية والتطبيقية في مجال الهندسة والتكنولوجيا، إلى جانب مساهمة بعض المعاهد في تطوير تقنيات الزراعة والري، والتي تساعد في توطين المستوطنين في المناطق الجبلية والصحراوية.
ثانيا: توفير بنية تحتية أكاديمية للمستوطنين، وذلك إما بتأسيس جامعات أو فروع للجامعات داخل المستوطنات، ومنح امتيازات للمستوطنين في شكل تخفيضات مالية ومنح دراسية قصد تشجيعهم على الاستقرار في هذه المستوطنات.
ثالثا: التعاون المباشر مع الجيش والمؤسسات الأمنية، حيث تقوم بعض الجامعات بتطوير التكنولوجية العسكرية والصناعات الحربية والابتكار في اللوجستيك الأمني لمراقبة الفلسطينيين وحماية المستوطنات.
رابعا: توفير الغطاء السياسي والقانوني للاستيطان، إذ تقدم كليات القانون والعلوم السياسية دراسات أكاديمية داعمة للسياسات الاستيطانية، وذلك بتبريرها من الناحية القانونية حتى يتحول فعل الاستيطان من جريمة إلى حق.
واضح إذن أن لمؤسسات التعليم العالي الإسرائيلية “دور أساسي في التخطيط للاحتلال الإسرائيلي وسياسات الفصل العنصري وتنفيذها وتبريرها” 7.
وعلى الرغم من كل ذلك، ظلت الجامعات الإسرائيلية تتغنى بالحيادية، وأنها ليست مسؤولة عن سياسة حكومتها، كما تدعي كذبا بأن هيئات التدريس فيها وكل الباحثين مجرد متفرجين على المجازر التي ترتكبها الدولة. وللأسف فقد انقاد المجتمع الأكاديمي الغربي لتصديق هذه الادعاءات بدون تبين لمدى صحتها، لأنها كانت جزءا مهما من الرواية الصهيونية المنتشرة عبر العالم، حيث “لاقت الجامعات الإسرائيلية لعقود عدة احتفاء في الغرب لحريتها الاستثنائية” 8. حتى أن مؤسسة فريدوم هاوس الأمريكية ومعهد فارايتيزر أوف ديموكراسي منحا إسرائيل عام 2022 تصنيفا دوليا جيدا من حيث مؤشر الحرية العلمية 9.
غير أن هذا الوضع سيتغير تماما بعد السابع من أكتوبر، إذ انكشف للعالم بأسره الوجه الحقيقي لإسرائيل كدولة وكحكومة وكنخب أكاديمية وفكرية، وبأنهم جميعا مشاركون أساسيون في جريمة الإبادة الجماعية.
وقد أجادت تعبيرا الباحثة في قسم الانثروبولوجيا في جامعة كولومبيا “مايا ويند” بقولها “وللوقوف على كيفية استمرار هذه الحرب، لا يكفينا النظر إلى الجيش الإسرائيلي والصناعات العسكرية، ولا إلى حكومة اليمين المتطرف الإسرائيلي، بل علينا النظر بعد هذه وتلك إلى مفخرة إسرائيل الليبرالية _وأعني جامعاتها_” 10.
وللإشارة فإن الباحثة أعلاه ألفت في هذا السياق كتابا عنونته بـ”أبراج عاجية فولاذية: كيف تمنع الجامعات الإسرائيلية الحرية الفلسطينية”. وهو يعد “مساهمة مميزة ومهمة، لإثبات تورط الجامعات الإسرائيلية باعتبارها أساسا محركا رئيسيا في انتهاك الحقوق والحريات الفلسطينية، بل واعتبار سياسات الجامعات الإسرائيلية جزءا من منظومة تكريس سياسة إسرائيل العنصرية والاستيطانية” 11.
المحور الثاني: عزلة الجامعات الإسرائيلية كلفة باهظة لحرب الإبادة على غزة
أكيد أن هذه الحرب القذرة خلفت تداعيات استراتيجية دوليا وإقليميا، ولم تستثني حتى الداخل الإسرائيلي، سواء على المستوى السياسي والعسكري وأيضا على المستوى الاقتصادي والاجتماعي.
فالمجتمع الإسرائيلي أصبح اليوم أكثر من أي وقت مضى منقسما على ذاته، بين مؤيد للحرب ومعارض لها، وقد زادت حدة هذا الانقسام بعد استئناف الحرب، وما يشكله ذلك من تهديدات متزايدة على سلامة الرهائن، مما سيؤدي إلى تعميق الأزمة الحكومية والدعوات المتزايدة لاستقالتها، هذا على المستوى السياسي.
أما على المستوى العسكري: فيكفي أن ندرك بأن الروح المعنوية للجيش الصهيوني، الذي كان ينعت غير بعيد بالجيش الذي لا يقهر، قد تهاوت وتصدعت أمام الروح القتالية العالية والصمود الأسطوري للمقاومة الباسلة، وأن استمراره في خوض الحرب رهين بالأساس بالدعم الخارجي.
كل ما سبق له انعكاساته الاقتصادية والاجتماعية الوخيمة، بسبب تكاليف الحرب ونفقات التعبئة العسكرية وتعويضات المتضررين. لكن ما يهمنا أكثر في موضوعنا، هو واقع المؤسسات البحثية والأكاديمية التي تمر اليوم بأزمة حقيقية تعصف باستقرارها واستمراريتها، وهو بالضمن ما يهدد قدرات الدولة التي ترتكز بشكل كبير على إمكانياتها العلمية، وهو ما عبر عنه مجموعة من الأكاديميين بجامعة تل أبيب. “إن الرأي العام مشغول بغزة، مما يجعل الأكاديميا خارج أولويات السياسيين” 12 فالانخفاض الحاد في الميزانية المخصصة للبحث العلمي في الجامعات، انتهت بتوقف العديد من مختبرات البحث أبرزهم “معهد فولكاني للأبحاث الزراعية”، كما أن محاولات الحكومة السيطرة على مجلس التعليم العالي وإضعاف لجنة التخطيط والموازنة المكلفة بالحفاظ على البحث العلمي والحرية الأكاديمية وجودة البحث والتدريس، يشي بما عبر عنه رئيس جامعة تل أبيب “بنهاية استقلالية التعليم العالي في إسرائيل” 13. وقد ذكر رئيس مجلس عمداء الجامعات في حكومة نتنياهو بمخاطر ما يفعله مع قطاع البحث قائلا: “التعليم العالي أساس إعادة بناء إسرائيل عندما تنتهي الحرب” 14.
غير أن الضرر الأكبر الذي أصابها في مقتل، هو المقاطعة الدولية التي تهدد بقاءها، حيث أصبحت كبرى المؤسسات الأكاديمية الغربية تنفض من حولها لتواطئها المكشوف في حرب الإبادة الجماعية.
لقد كانت البدايات الأولى لنشأة حركة المقاطعة الأكاديمية في عام 2004، حيث تم تأسيس الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل، التي أطلقها في البداية مجموعة من الأكاديميين والمفكرين الفلسطينيين، ثم توسعت لتشمل منظمات المجتمع المدني الفلسطيني بكل مكوناته النقابية والنسائية والجمعوية. وقد لقيت هذه المبادرة استجابة واسعة من المجتمع الدولي في أمريكا وأوروبا. وعرفت فيما بعد بحركة BDS، حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، وهي تهدف إلى:
أولا: إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية المحتلة عام 1967 (الضفة الغربية، قطاع غزة، القدس الشرقية، الجولان).
ثانيا: إنهاء نظام الفصل العنصري داخل إسرائيل ضد الفلسطينيين داخل الخط الأخضر.
ثالثا: عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وفقا للقرار الأممي 194.
وسرعان ما انتشرت الحركة عالميا، وانضم إليها العديد من النشطاء الدوليين، بالإضافة إلى تبني مشاريعها في كل من أمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا. وبطبيعة الحال، كان رد فعل الحكومة الإسرائيلية إلى جانب المنظمات الصهيونية الدولية شديدا على هذه الحركة المتنامية، حيث استخدمت كل الوسائل القضائية والتشريعية وحتى حملات الترهيب والتشهير لعرقلة نشاطاتها أو شيطنتها، ووصلت إلى حد تجريمها. كما فعلت بعض الدول الغربية الموالية لإسرائيل مثل الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وألمانيا، معتبرة أن دعوتها للمقاطعة تندرج تحت جريمة “معاداة السامية”. مع أن الحركة تؤكد أنها ليست موجهة ضد اليهود، بل ضد الصهيونية بما هي حركة للتطهير العرقي، ويعزز هذا انضمام نشطاء يهود في صفوفها. رغم كل هذا مازالت إسرائيل تعتبرها تهديدا استراتيجيا، لدرجة أنها أسست وحدة خاصة في وزارة الشؤون الاستراتيجية لمحاربتها.
لكن هذه الأساليب الملتوية التي كانت تتبعها “إسرائيل” للحد من فاعلية “سلاح المقاطعة الأكاديمية” لم تعد تجدي نفعا مع تصاعد وتيرة عدوانه الأخير، لما أوغل في قتله للمدنيين واستهدافه الممنهج للمستشفيات وإحراقه المتعمد لخيام اللجوء. الأمر الذي كانت له انعكاساته السلبية على الجامعات الإسرائيلية، حيث ستعرف المقاطعة الأكاديمية منحى جديدا بانتقالها من حالات فردية معزولة إلى مقاطعة أكاديمية كاملة بالغرب، وهي سابقة خطيرة في عالم الأكاديميا، وخطوة جريئة من النخب العلمية والقامات الفكرية البارزة، ستكون لها بالتأكيد تداعياتها الاستراتيجية على الداخل الإسرائيلي.
وقد توالت تباعا، بالنظر إلى تطورات الأحداث في غزة، العديد من الجامعات الغربية التي أعلنت تعليق أو إنهاء تعاونها الكامل مع الجامعات ومراكز البحث الإسرائيلية، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر كل من: جامعة برشلونة وغرناطة، والتحق بها مؤتمر رؤساء الجامعات الإسبانية، جامعة غينت والجامعة الحرة (بروكسيل) في بلجيكا، جامعة أمستردام وتيلبورغ وأكاديمية الفنون الملكية (لاهاي) في هولندا، جامعة هلسنكي في فلندا، جامعة ميلانو في إيطاليا، كلية ترينيتي (دبلن) في أيرلندا، جامعة كوبنهاغن في الدانمارك، جامعة أوسلو متروبوليتان وبيرغن في النرويج، جامعة لندن ووست لندن في المملكة المتحدة، جامعة ولاية بورتلاند ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في الولايات المتحدة الأمريكية 15.
ولا ننسى أن نذكر بالضغط الذي شكلته الحراكات الطلابية من داخل هذه المؤسسات وغيرها، ومساهمتها بقوة في الدفع نحو تصاعد الدعم لحركة المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل، هذا الحراك الذي لم يكن وليد اللحظة، بل إن تجربة الحركات الطلابية الداعمة لفلسطين تعد تاريخيا من أبرز صور التضامن الشعبي عبر العالم، إذ لعبت هذه الحركات دورا مهما في إيصال صوت الفلسطينيين إلى الرأي العام، خصوصا في الأوساط الجامعية التي لا ينكر أحد كونها فضاءات حيوية للنشاطات السياسية والفكرية والثقافية.
هذا ما يجعل الرهان على الفعل الطلابي الشبابي في دعم القضية الفلسطينية ومقاومة الاحتلال وفضح جرائمه اليوم، رهان رابح بامتياز، خصوصا مع التحولات الرقمية وتزايد وعي الجيل الجديد بذلك، وهو ما يجعل من الفضاءات الجامعية ساحات نضال مهمة وملهمة على اعتبار أنها تجسد حقيقة أن فلسطين ليست مجرد قضية الشعب الفلسطيني، بل قضية إنسانية عادلة.
خاتمة
خلاصة الأمر أنه، ومع استمرار العدوان على غزة بأدوات جديدة، والذي سيؤدي لا محالة إلى تزايد الرفض الدولي لها، تخشى الجامعات “الإسرائيلية” أن تكون ضحية لتلك العزلة الدولية التي دخلتها “إسرائيل” نفسها؛ بتعنتها وإمعانها في إبادة شعب غزة على مرأى ومسمع المنتظم الدولي.
فالمطلوب منا اليوم، أن نساهم في تعميق هذه العزلة الدولية التي تئن منها الجامعات الإسرائيلية، وذلك بفضح تورطها المباشر في حرب الإبادة الجماعية. وأن نبدع بكل الوسائل المتاحة في التعبئة لإنجاح المقاطعة الأكاديمية.
إننا اليوم، في سياق لحظة فارقة في التاريخ، مستحيل أن نسمح بتخلفنا كباحثين أكاديميين عن الالتحاق بركبها، فما لنا من عذر يعفينا من الانتصار إلى أعدل قضية في الوجود، ومن أداء واجب الوقت، وهو إسناد ظهر المقاومة بما نتقنه، فلنوجه إذن سهام أقلامنا وأبحاثنا في الاتجاه الصحيح.
https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2023/10/25/الدعم-الأميركي-لإسرائيل-حجمه-وأهدافه
[2] حكومي غزة يعلن حصيلة الأضرار الكارثية لمنخفض “بيرون”، أخر تحديث 13/12/2025
https://www.aljazeera.net/news/2025/12/13/عاجل-مدير-المكتب-الإعلامي-الحكومي-في
[3] موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، عبد الوهاب المسيري، ص 22.
[4] الجامعة العبرية في القدس، ويكبيديا، Jerusalem: The biography ‘by’ Simon Sebag Montefiore.
[5] موسوعة المعرفة _التخنيون.
https://www.marefa.org/
[6] موسوعة المعرفة _معهد وايزمان
https://www.marefa.org/
[7] الجامعات الإسرائيلية من أعمدة نظام التمييز العنصري:
https:/ /alsifr.org/israeli-universities-apartheid
[8] المرجع السابق.
[9] المرجع السابق.
[10] المرجع نفسه.
[11] مقال “ما دور الجامعات الإسرائيلية في قتل وتعذيب الفلسطينيين” فادي الزعتري عن مركز الجزيرة آخر تحديث : 13 _5_2025.
[12] هاجس البقاء “المؤسسة العلمية الإسرائيلية تئن من المقاطعة والحرب واليمين”، الجزيرة نت، آخر تحديث 2_4_2024 .
[13] المرجع السابق.
[14] المرجع السابق.
[15] يمكن التوسع بالرجوع إلى: ويكيبيديا ، وكالة أنباء الأناضول ، العربية ،
Arabnews. Sciencebusiness. Timeshighereducation. Brusselstimes. Lemonde. Opendemocracy.