والمغرب على بعد حوالي ثلاثة أشهر من الانتخابات في شتنبر المقبل، وفي الوقت الذي تتوجه السلطة والأحزاب والقوى التقليدية إلى التعبئة الشاملة، وإلى ترتيب بيوتها الداخلية بصيانة الآلات الانتخابية واختيار المرشحين ومنح التزكيات وتجديد الاستقطابات وشحذ الأدوات الإعلامية وتغيير الولاءات وتبديل التموقعات السياسية، أو بتجديد أدوات التحكم في النسب وتحديد معالم المشهد السياسي القادم، تتجه أنظار الأكاديميين والمثقفين إلى قراءة خارطة المواقف من هذه الاستحقاقات وتحيين المعطيات والخلفيات حول المشاركة من عدمها، وما لهذه المواقف من انعكاس على الحياة السياسية والسياسوية المغربية، ولعل أهم الأسئلة التي تطرح لماذا لم تنجح الدولة في استمالة المقاطعين وإقناعهم بخيار المشاركة خاصة الشباب؟ ولماذا أخفقت بكل وسائل “الاختراق والإحراق” في تغيير مواقف التيارات المقاطعة خاصة حزب النهج وجماعة العدل والإحسان؟ ولماذا سيظل كابوس نسبة المشاركة الضعيف يؤرق المخزن ويشوش على أحلامه الوردية في ديمقراطية سعيدة؟ وهل نسب المقاطعة الكبيرة هي نجاح للتيارات المقاطعة أم هي نتيجة للسياسات السلطوية التي أفرغت العمل السياسي من محتواه وجوهره وقوت بفشلها معسكر أصحاب خيار المقاطعة؟
ورغم أن العدل والإحسان لم تعلن موقفا رسميا لحد الآن كما وقع في 2016 حيث أصدرت أمانتها العامة للدائرة السياسية يوم 1 أكتوبر 2016 بلاغا -وإن جاء متأخرا- مقتضبا إلى الشعب المغربي يتضمن الموقف والتعليلات هذا نصه: “بعد الدراسة المعمقة للحيثيات الدستورية والسياسية والقانونية والتنظيمية للانتخابات التشريعية المزمع تنظيمها يوم 7 أكتوبر 2016، والتي تكرس الاستبداد والفساد، وتنبثق عنها مؤسسات صورية وشكلية يغيب فيها تحقيق العدل الكرامة والحرية للمواطن، تعلن جماعة العدل والإحسان مقاطعة انتخابات 7 أكتوبر 2016، وتدعو الشعب المغربي وكل القوى الحية إلى مقاطعتها رفعا لأية شرعية عن قوى الفساد والاستبداد، ورفضا لتزكية مؤسسات الأقلية التي تنبثق عن انتخابات شكلية يقاطعها السواد الأعظم من المغاربة، واستمرارا في العمل والضغط لتوسيع هامش الحرية واستعادة الإرادة الشعبية” 1موقع الجماعة https://aljamaa.com/ar/113891/%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%82%D8%A9-%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AF%D9%84-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AD%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D8%AA%D8%AF%D8%B9%D9%88-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%85%D9%82/.
غير أن التصريحات الأخيرة لبعض مسؤوليها خاصة في الأمانة العامة للدائرة السياسية كالأساتذة بناجح وفتحي والونخاري ومنار وإحرشان تنبيء بتبني نفس الموقف مبكرا، كما يضاف إلى تلك التصريحات تداول بعض التدوينات السابقة لأعضاء في مجلس إرشاد الجماعة على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل واسع، لكن الأساس في كل هذا هو الآراء المعبر عنها في الوثيقة السياسية والتي أستند عليها في هذا المقال.
بالطبع تعد جماعة العدل والإحسان من أبرز القوى الدعوية والسياسية في المغرب التي اتخذت موقفا ثابتا تقريبا من الانتخابات منذ تأسيسها الرسمي في 1981، إذ اختارت المقاطعة بدل المشاركة في مختلف الاستحقاقات التشريعية والجماعية، وكان آخرها 2016، وهو ما يطرح عدة أسئلة هل حقا لم يتغير شيء في المغرب طيلة خمسة عقود وفي عهدين ملكيين مختلفين؟ ألم تحرز مكتسبات وتحقق منجزات؟ أليست هذه قمة العدمية والسلبية؟ لماذا لم تقم الجماعة بمراجعات لمواقفها بقراءة جديدة على ضوء الواقع ومعطياته وتحيين الوضع؟ إلى أي حد ستظل أسيرة للموقف المبدئي الذي خطته رسالة “الإسلام أو الطوفان”؟ ألا تستوعب الجماعة أن موقفها هذا تعيش منه وترتزق به قوى الفساد والاستبداد ويريحها أكثر ما يقلقها، بل ويطيل عمرها؟ ألم يكن بإمكان الجماعة أن تفكر في تكتيكات أخرى بالتحالف مع القوى الجادة والمسؤولة كما فعل الإخوان في مصر والأردن؟ أليس من الخيانة للوطن وللمغاربة أن تحرم المجتمع من خدمات وكفاءات أطرها التي ظهرت بشكل بارز في مقترحات “الوثيقة السياسية” الصادرة في 2024؟ إلى أي حد سيظل أعضاء العدل والإحسان في “الفريكو” على رأي بوعشرين؟ وإلى أي حد تعتبر إجاباتها النمطية المكرورة مقنعة وصالحة لكل زمان ومكان؟
فعلى ماذا تبني الجماعة موقفها، وهل تنفرد به أم تتقاسمه مع هيئات وشخصيات أخرى؟ وماهي المقترحات والبدائل التي تقدمها؟ وكيف يقيم المتابعون من مختلف المواقع هذا الموقف؟
أولا لا ترفض الجماعة الانتخابات بشكل مبدئي، بل تعتبرها إحدى الآليات الضرورية للتداول السلمي على السلطة، فالوثيقة تنص على أن الدولة المنشودة هي دولة القانون والمؤسسات القائمة على الفصل والتوازن والتعاون بين السلطات، وعلى التداول السلمي للسلطة من خلال انتخابات حرة ونزيهة ومنتظمة وفعالة. وهذا يعني أن الجماعة تقبل الانتخابات باعتبارها وسيلة ديمقراطية مشروعة عندما تكون حرة ونزيهة وذات أثر حقيقي في صناعة القرار، كما تؤكد الوثيقة السياسية، على أن الانتخابات آلية ضرورية للديمقراطية وليست مرفوضة في ذاتها، لكن فعاليتها مشروطة بوجود دستور ديمقراطي وسيادة شعبية حقيقية وفصل للسلطات وضمان للحريات، ولذلك فإن الجماعة تنتقد الانتخابات المغربية الحالية لأنها تعتبرها تجري داخل بنية سياسية ودستورية لا تحقق هذه الشروط بالكامل.
على ماذا تبني قرار المقاطعة؟
بحسب بيانات الجماعة وتصريحاتها الرسمية وخاصة الوثيقة السياسية، وبشكل إجمالي ترتكز المقاطعة على عدة مرتكزات رئيسية:
1 رفض الإطار الدستوري والسياسي القائم
ترى الجماعة أن دستور 2011 لم يؤسس لنظام سياسي ديمقراطي، وأن مراكز القرار الأساسية لا تخضع للمحاسبة الشعبية الكافية، وتعتبر أن الانتخابات تجرى ضمن بنية سياسية لا تسمح بتداول فعلي وحقيقي على السلطة، وترى أن المشكلة الأساسية ليست في الانتخابات نفسها، وإنما في الإطار الدستوري والسياسي الذي يحكمها، فهي تعتبر أن الدساتير المغربية كرست “السلطوية” بسبب احتكار السلطة التأسيسية وعدم انبثاق الدستور من إرادة شعبية كاملة، لذلك فإن الانتخابات، في نظرها، لا تكفي وحدها لتحقيق الديمقراطية إذا كانت تجري داخل بنية سياسية لا تتحقق فيها السيادة الشعبية الكاملة، لذلك تدعو الوثيقة إلى أن يكون الدستور نابعا من هيئة تأسيسية منتخبة ثم معروضا على استفتاء شعبي حر، معتبرة أن السيادة يجب أن تكون للشعب في وضع القواعد الدستورية نفسها، ومن ثمة فالجماعة ترى أن الانتخابات ينبغي أن تكون جزءا من منظومة ديمقراطية متكاملة تشمل:
دستورا ديمقراطيا.
فصلا حقيقيا للسلطات.
المحاسبة والمسؤولية.
ضمان الحقوق والحريات.
2. محدودية صلاحيات المؤسسات المنتخبة
تؤكد العدل والإحسان أن المجالس المنتخبة والحكومة لا تملك السلطة الحقيقية الكافية لصنع السياسات الكبرى، وأن القرار النهائي يبقى بيد مؤسسات غير منتخبة، وهي أقوال تؤكدها كل التجارب، لهذا تدعو إلى رفع يد الدولة/المخزن عن الأحزاب وعن مؤسسات الدولة الدستورية حتى تقوم بدورها الطبيعي في التنافس على الحكم وتمثيل المواطنين، وهذا يدل على أن الجماعة لا تعارض التنافس الحزبي أو التمثيل الانتخابي من حيث المبدأ، فالعدل والإحسان حسب الوثيقة تسعى: “إلى الإسهام في بناء دولة عصرية عادلة منضبطة للتعاقد الدستوري المنبثق عن الإرادة الشعبية، دولة مدنية بكل ما يعنيه ذلك من بعد عن طبيعة الدول التيوقراطية والعسكرية والبوليسية، دولة القانون والمؤسسات القائمة على الفصل والتوازن والتعاون بين السلطات، وعلى التداول السلمي للسلطة من خلال انتخابات حرة ونزيهة ومنتظمة وفعالة، دولة تسعى عرب مؤسساتها وبرامجها إلى مشاركة المواطنين في الحياة العامة، مع خضوع مسؤوليها للمحاسبة والمساءلة بغض النظر عن مكانتهم السياسية ومواقعهم الاجتماعية” 2
3. غياب شروط المنافسة المتكافئة
تشير إلى ما تصفه بالتضييق على الحريات العامة والعمل السياسي والإعلامي، مما يجعل الانتخابات غير قادرة على التعبير الحر عن الإرادة الشعبية، كما تؤكد الوثيقة أن مساحة الحرية والاستقلالية عن فلك المخزن شبه منعدمة، وبالتالي فالمغاربة أمام ديمقراطية صورية لا تعبر في الحد الأدنى عن إرادتهم وتطلعاتهم، وتكرس هذا الواقع مع الحكومات الأخيرة، وترى أنه لا بد من جعل التعددية السياسية أساس العمل السياسي، أما الإصرار على واقع الحكومة حكومة الملك والمعارضة معارضته والبرلمان برلمانه، والمشاريع مشاريعه والمبادرات مبادرته، فلا معنى لانتخابات أو حكومة أو دستور أو معارضة، حيث تؤكد الوثيقة السياسية: “رغم تبني المغرب لنظام التعددية الحزبية منذ الاستقلال، إلا أن التجربة أثبتت إفشال هذا المسعى، فمنذ السنوات الأولى انخرط نظام الحكم بالمغرب في مواجهة الأحزاب السياسية الوطنية، محاولا تدجينها وإضعافها عوض اللجوء إلى أساليب الاختراق أو تشجيع الانشقاقات وافتعالها، أو تأسيس أحزاب موالية؛ بغية التحكم في الخريطة السياسية وإخضاعها للضبط المخزني، وذلك للحفاظ على نظام الحكم واستقراره واستمراريته. ومن جهة أخرى، تعاين بعض الأحزاب السياسية في المغرب غياب الديمقراطية الداخلية وانتشار ظاهرة الترحال السياسي، وتأثير البلقنة الناجمة عن القوانين الانتخابية.” 3
4 رفض منح الشرعية للنظام الاستبدادي
تعتبر أن المشاركة تمنح شرعية لمسار سياسي استبدادي ترى أنه لا يؤدي إلى إصلاح جذري وإنما يغير الواجهات دون العمق والجوهر، ولذلك تصف المقاطعة بأنها موقف سياسي مقصود وليس انسحابا من الشأن العام، فالمقاطعة الانتخابية ليست مقاطعة سياسية، بدليل أن فعلها السياسي والدعوي ومواقفها، تثير النقاش، وتوجه صانع القرار وشركاءه، فالعدل والإحسان تؤكد في الوثيقة السياسية صراحة:
“لا تخرج مختلف التجارب الدستورية التي عرفها المغرب عن مسار تكريس السلطوية من خلال وثائق دستورية ممنوحة تُكرس الحكم الفردي. لذلك، نرى أن هناك علاقة وطيدة بين طريقة وضع الدستور وبين مضمونه وتفعيله، فلا يمكن لدستور تم وضعه بطريقة غير ديمقراطية أن يحقق فعلا ما يقتضيه الدستور الديمقراطي على مستوى مضمونه وتفعيله من سيادة شعبية وفصل للسلط وضمان للحقوق والحريات” 4.
ما البديل الذي تقترحه؟
العدل والإحسان لا تطرح المقاطعة كهدف في حد ذاته، بل تربطها بمشروع إصلاحي أوسع، ومن أبرز ما تدعو إليه في أدبياتها ووثيقتها، وبالتالي فهي تمارس السياسة بالمعنى الاستراتيجي:
· انتقال ديمقراطي حقيقي يفضي إلى سيادة الإرادة الشعبية.
· فصل فعلي للسلطات وربط المسؤولية بالمحاسبة.
· ضمان الحريات السياسية والنقابية والإعلامية.
· حوار وطني واسع بين مختلف الفاعلين السياسيين والمجتمعيين.
· بناء نظام حكم تعتبره أكثر تمثيلا للشعب يحقق “العدل والحرية والكرامة والرفاه للجميع”.
كيف يقيم المتابعون هذا الموقف؟
تقييم الموقف منقسم بين مؤيدين ومنتقدين:
المؤيدون يرون أن:
· المشاركة في مؤسسات محدودة الصلاحيات لن تحقق تغييرا حقيقيا.
· المقاطعة تحافظ على استقلالية الجماعة وتمنع دمجها في نظام تعتبره غير ديمقراطي واستبدادي.
· موقفها منسجم وثابت منذ عقود، وهو ما يمنحها مصداقية لدى أنصارها وفي أوساط المغاربة.
المنتقدون يرون أن:
· المقاطعة تحرم الجماعة من التأثير المباشر في السياسات العامة.
· الإصلاح التدريجي من داخل المؤسسات قد يكون أكثر فعالية من البقاء خارجها.
· غيابها عن الانتخابات يجعل من الصعب قياس وزنها الشعبي الحقيقي عبر صناديق الاقتراع.
فالعدل والإحسان تقاطع الانتخابات لأنها تعتبر أن المشكلة ليست في نتائج الانتخابات، بل في قواعد “اللعبة” السياسية نفسها، أما البديل الذي تطرحه فهو إصلاح دستوري وسياسي عميق يسبق المشاركة، ويظل تقييم هذا الموقف محل خلاف: فأنصار الجماعة يرونه موقفًا مبدئيا، بينما يعتبره خصومها تفويتا لفرص التأثير من داخل المؤسسات.
خلاصة القول انطلاقا من الوثيقة السياسية، يمكن فهم مقاطعة الجماعة للانتخابات المغربية على أنها موقف سياسي مرتبط بشروط الممارسة السياسية القائمة، وليس رفضا مبدئيا لفكرة الانتخابات، فالوثيقة تعلن صراحة أنه: “لا معنى لوجود دستور إن كان الحاكم يجمع بين يديه كل السلط: التشريعية والتنفيذية والقضائية، ويجعلها في خدمته وعلى الهامش من وجوده، ففكرة الدستور ارتبطت في نشأتها وتطورها بمبدإ فصل السلط، كما ارتبطت بحفظ حقوق المواطنين وحرياتهم، لذلك لا بد أن تحقق الوثيقة الدستورية نوعا من التوازن بين مختلف السلط الدستورية”[5]، وحينها يمكن تجسيد مضامينه كالتداول السلمي على السلطة، عبر الانتخابات الحرة والنزيهة، وتحقيق التعددية السياسية وليس الحزبية، مما سيفضي منطقيا إلى المشاركة الشعبية الواسعة في تأسيس نظام ديمقراطي حر.