ثانياً: المدينة المنورة
لم أسافر إلى الأراضي المقدسة على ظهر «ضامر»، ولم أقطع الصحراء على ناقة يلفحها الهجير، وإنما وصلت إليها على متن إحدى طائرات “البوينغ”. كنتُ أرتدي سروالاً قصيراً رمادياً، وقميصاً كُتبت عليه بحروف لاتينية بارزة كلمة: «لاكوست»، وتحتها صورة التمساح الأخضر الصغير.
لم أودّع أهلي طويلاً، ولم أكتب وصيتي، كما كان يفعل أجدادي المغاربة وهم يخرجون إلى البيت العتيق..
فالسفرُ إلى ذلك المقام لم يكن بالنسبة إليهم رحلةً عادية، بل مغامرةً كبرى؛ قد تمتدّ شهوراً، وربما سنوات، وربما لا يعودون منها أبداً.
كانوا يقطعون الفيافي والقفار، يتجمعون في قوافلَ ضخمة كأسراب الطير؛ فزعاً من قطاع الطرق، وهرباً من ضواري القفار، واتقاءً لوحشةِ المسافات.
يمتطون الدواب والجمال، ويحملون قلوبهم الكبيرة وزادهم القليل. أما الفقراء منهم، أولئك العاشقون الذين لم تكن لهم دابة تقلّهم، فكانوا يقطعون تلك المسافات الهائلة مشياً على الأقدام:
أشهراً طويلة، خطوةً بعد خطوة، وقلباً بعد قلب.
أما أنا، ابن هذه الألفية الجديدة، المُثقل بأدوات التقنية والراحة الباردة، فقد اختصرتُ تلك المسافات الطويلة وتلك المكابدات العظيمة في ست ساعاتٍ ودقائق معدودات.. قطعتها على مقعدٍ دافئ في جوف طائرة تخرق عباب السماء كغيمة من فُولاذ.
جلستُ في مطار الدار البيضاء أنتظر طائرتي.. من حولي، كانت شركات الطيران تعلن عن رحلاتها إلى مختلف عواصم العالم: طائرة إلى مدريد. وأخرى إلى لندن. وثالثة إلى باريس. أسماء براقة، لا شك. يكفي أن تُذكر حتى يتخيل المرء شوارعها، وفنادقها، ومطاعمها، وناطحات سحابها، وأضواءها. لكن وهجها كله كان يخبو أمام الرحلة التي كنتُ أنتظرها: المدينة المنورة.
ما إن تنطق اسمها حتى تشعر أن شيئاً في داخلك قد خلع نعليه، ومشى حافياً نحو الضوء..
يقول سيدنا أنس رضي الله عنه: “لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء”.
حضورٌ أضاء له كل شيء.. ومذ تجلَّى ذلك الفجر البعيد قبل 1447 عاما، لم يكن النورُ وصفاً عابراً للمدينة، بل جوهراً لكينونتها؛ عالقاً في طرقاتها، وثاوياً في جدرانها، ساكناً في حجراتها، متغلغلاً في مائها وأنفاس قاطنيها، نابضاً في قلوب العاشقين المتلهفين، القاصدين ساكنها العروةَ الوثقى؛ رسول الله سيدَ الكونين والثقلين والفريقين، من عربٍ ومن عجم.
يقول أحد أجدادنا المغاربة، سيدنا أبو الطيب الفاسي في زيارته للمدينة المنورة:
إِذَا لَمْ تَطِبْ فِي طَيْبَةٍ عِنْدَ طَيِّبٍ … بِهِ طَيْبَةٌ طَابَتْ فَأَيْنَ تَطِيبُ؟
وَإِنْ لَمْ يُجِبْ فِي أَرْضِهَا رَبُّنَا الدُّعَا … فَفِي أَيِّ أَرْضٍ لِلدُّعَاءِ يُجِيبُ؟
انتشلني من تأملي صوتُ عاملة المطار تنادي اسماً أجنبياً ليلحقَ برحلته. انتبهتُ مرةً أخرى إلى أسماء المدن وهي تمرّ أمامي لامعةً ومغرية: نيويورك… روما… موسكو… مدنٌ باذخة، جميلة، فاتنة؛ وكلُّ مدينةٍ جميلة ليست، في نهاية الأمر، إلا محاولةً بشريةً لترويض الوحشة ومقاومة العزلة. لكن أضواء مدن الدنيا كلَّها، على تبرُّجها وزينتها، تظل باهتةً واجفة، كذُبالةِ سراجٍ رقيقٍ أمام شمس المدينة المنورة..
جلس بجانبي مسافرٌ بحقيبة أنيقة وفرنسية سليمة، سمعتُ من مكالمته الهاتفية الصاخبة أنه يمنّي نفسه بإجازة ممتعة في جبال البيرينيه.
أما أنا، فلم أكن أريد البيرينيه، ولا الأنديز، ولا جبال الألب. كنتُ أريد جبال القلب.
أريد سهوله وأغواره، ومرتفعاته ومنخفضاته، وكل تضاريسه التي أهملتها طويلاً..
حين أعلن الصوتُ عن رحلتي، زقزق قلبي ببهجة، كأنه يعود إلى عشه بعد طول ترحال. شعرتُ أن روحي تشتاق وتحنّ إلى شيء لم تره من قبل. ثم تذكرتُ النداء.. نداء سيدنا إبراهيم.
صعدتُ إلى الطائرة، وجلستُ في مقعدي، وربطتُ حزام الأمان. أنصتُّ باهتمام إلى إرشادات المضيف، ثم استويتُ على مقعدي. وأمام وجهي، على ظهر الكرسي، شاشةُ حاسوبٍ لمشاهدة أحدث الأفلام، أو لسماع أنجح الأغاني، أو لمتابعة خط الطائرة في السماء بتقنية «جي بي إس».
انتبهتُ إلى أن الطائرة تتفادى المرور فوق أجواء الجزائر، فتألمتُ بصمت.
حتى في السماء، ما زالت الحدود التي رسمها الاستعمار تذكّرنا بنفسها. تذكرتُ أولئك الذين جلسوا يومًا حول موائد المفاوضات، يقسمون خرائطنا كما تُقسَّم الغنيمة، ويرسمون بالمسطرة والبركار خطوطاً على الورق، ثم يتركون الشعوب تدفع ثمن تلك الخطوط أجيالاً طويلة.
أغلقتُ الشاشة. لم أرد أن أترك لهذا الحزن أن يسرق مني الطريق. فأنا الآن في رحلة أخرى. رحلةٌ لا تعترف بالحدود.
في منتصف الرحلة، خيروني بين اللحم والسمك، ثم منحوني غطاءً ووسادةً لأنام قرير العين وأنا فوق السحاب.
ولم يدركوا أن العاشق لا يعرف النوم حتى «يقبل ذا الجدار وذا الجدار»، وليس حبُّ الديار شغفَ قلبي، ولكن حبَّ من سكن الديار…
من نافذة الطائرة، كنتُ أتأمل السماء، حاملًا معي عصري كله: هاتفاً ذكياً، وحقيبةً مملوءة عن آخرها بملابس صيفية، ومرطباتٍ لاتقاء الشمس الحارقة، وأدويةً للصداع، وسماعات حديثة، وقارورة عطر، وفرشاة أسنان، وسجادةً صينية الصنع، ونعلاً مريحاً، وقطعتين من قماش أبيض خالٍ من الخياطة، بلا جيوب، ومصحفاً برواية ورش ورثه عن جدي، وفيديوهات على اليوتيوب تشرح تفاصيل العمرة، وكتيباً صغيراً يجمع الآيات والسور الفاضلة، وقلباً متلهفاً يكاد يثب من بين الضلوع وهو يصارع التمساح الحقيقي الذي يسكن بداخلي: تمساح النفس الأخضر الكبير…
ما إن تخبر الناس في الـمغرب برحلتك الشريفة حتّى تتساقط عليك الوصايا كـحبات الـمطر، فـتتحرك فيهم عادات الأجداد الـخائفين؛ يحذّرك أحدهم من الطعام الغريب في تلك الديار، فيوصيك بالأطعمة الجافة التي لا تتلف سريعًا وتمنحك طاقة لمواجهة مشقة المناسك من مقرمشات، وحلويات جافة، ومعلبات.
ويحذّرك آخر من الحرارة المرتفعة، رغم أنه لم يذهب يومًا، وإنما سمع ممن سمع ممن ذهب.
ويأتي ثالث، فيوصيك أن تحمل الزيت والسمن والعسل ودقيق الݣوفيو، وربما أشياء أخرى لا تعرف كيف يمكن أن تحتاج إليها في رحلة لا تتجاوز بضعة أيام. وتستغرب.
كيف يركز الناس كل هذا التركيز على حقيبة السفر، ويغفلون عن زاد العشق المكنون الذي من أجله تُشدّ الرحال؟
قبل أن تقلع الطائرة، أكرمني الله بمكالمة «واتساب» من سيدي عبد الهادي ابن الخيلية، ففرحت.
ظللت لثوانٍ أتأمل وجهه على شاشة الهاتف قبل أن أجيب.
فمنذ صغري، ومجالسة هذا الرجل تضيء لي الطريق، وترفع منزلة اليقين في، وهو الذي ما فتئ يذكرني كل لقاء بالنية وحُسنها، والهمة ووسعها، والإرادة وشوقها..
سيدي عبد الهادي أحد تجليات رحمة الله التي لا ممسك لها.. صاحب الإمام لسنوات بالعدد، فأحبه وارتوى، ومن ذلك الارتواء ظل يفيض عطاء حتى صار له في كل الجنوب غرسا، هو بعض من جنته التي يدخل إليها هامسا ما شاء الله ولا حول ولا قوة الا بالله..
كبيرة محبتي لهذا الرجل، عجيبة في أثرها ونورانيتها، ومثلي كثيرون، ما نكاد ننظر إليه حتى يتجدّد كل شيء بداخلنا، وتَبتَلّ ارواحنا، فقد دأب في كل لقاء أن يدعو الله ببحته المميزة كي ترتفع همتك لتحمل همَّ المئة وأنت واحدٌ، وأن تَتَهَمم بالأمة فكرًا وفي القلب ذكرًا، وأن تذوبَ في مشروع يجعلك متحرِّكًا مُحرّكًا لا تنسَ خلوتك، ولا تترك غايتك ولا تُرهقك حياة فارغة… بعد كل هذه السنوات لازلت أتعجب كيف كان يصبر علي وأنا صغير غرير لا أدرك حجم التعب الذي يثقل كاهله ولا حجم الازعاج الطفولي الذي أسببه له وهو القادم حديثا من سفر طويل أو جلسة مرهقة أو سهر يريد أن يغمض عينيه لسويعة فأطرق بابه بابتسامة كبيرة بلهاء ولكن بقلب محب..
تحدّث معي سيدي عبد الهادي بصوت خافت كالنسمة، وهو العائد حديثاً من عملية جراحية: شقّ الأطباء صدره، ولمسوا بأيديهم ذلك القلب الواسع الفسيح، ذلك القلب الذي هو محلّ نظر الله. فيا سَعْدَهم!
فلما انتهت المكالمة، أدركتُ أنها إشارة إلهية على غير موعد: فمن صَحّت بدايته أشرقت نهايته…
ثم ابتسمتُ.
أخبرني ابنه حمزة ان سيدي عبد الهادي قبل أن يخرج في رحلة الحج، سأل الأمام أن يوصيه فقال له كلمتان باللسان الدارج المغربي:
عرف فين ماشي وعرف لاش ماشي..
يتبع