أولا: لالة مكة
نخطئ في أربعة أشياء حين نظن أننا نحن الذين نذكر الله، ونعرفه، ونحبّه، ونطلبه.
ثم تمسّنا بعض رحماته سبحانه وتعالى، فنكتشف أن ذكره سبق ذكرنا، ومعرفته سبقت معرفتنا، ومحبته أقدم من محبتنا، وأنه طلبنا قبل أن نعرف كيف نطلبه، وأحبّنا قبل أن نتعلّم كيف نحبّه.
أخرجنا من ظلمة العدم إلى نور الوجود، وأحاطنا بالرعاية، وأمدّنا بالمدد، وهدانا، ثم تلطف بجميل كرمه، فخلق الطاعة ونسبها إلينا، وترك لنفوسنا شرف الادّعاء ليجزيَنا عليها.
فالحمد لله حمدًا يكون منه إليه.
*
إلى وقت قريب، كنت أسمع أن المرء لا يذهب إلى العمرة أو الحج إلا إذا نادته لالة مكة. هكذا تُلقّب العجائز المغربيات البيت الحرام: لالة مكة.
وكنت أظن أن في هذا القول شيئًا من المبالغة، من تلك المبالغات الجميلة التي تحبها الجدات، وتتناقلها الألسن جيلًا بعد جيل، حتى تبدو الحكاية، مع كثرة تكرارها، أقرب إلى اليقين.
إلى أن تأكدت.
كنت قد رتّبت أمري على أن أسافر إلى إسبانيا، وكانت مكة بعيدة عن كل خططي، إلى أن فاجأتني ليلى، أختي الوسطى.
لم أفهم في البداية لماذا كانت تحبس دموعها، ولا لماذا أرادت أن تُسرّ إليّ بأمر ونحن وحدنا.
ثم انهارت فجأة.
كانت تبكي وهي تقول إنها تريد أن تذهب إلى العمرة، وتريدني أن أصاحبها. في عينيها كان يكمن عشق وهيام، ورغبة عارمة في زيارة البيت العتيق. أخبرتني أنها منذ سنتين وفي روحها شغف يحركها ويشعلها، ولا يترك لها سبيلًا إلى الهدوء.
فالله لا يضيّع قلبًا تعلّق، ولا نبضًا تحرق.
وبينما نحن جلوس، حدثت المفاجأة، أخرجت من حقيبتها لباس إحرام كانت أختي الصغرى سمية قد اشترته لي دون علمي وكأنها متيقنة من قبولي الدعوة.
فبكيت.
لم أتردد لحظة.
احتضنتها، وفي اللحظة نفسها شعرت أنني لا أسمع مجرد طلب من أخت، بل أسمع صوتًا آخر يأتي من مكان أبعد.
أدركت أنها كانت سببًا من أسباب الله، وأن وراء دموعها نداءً لم أكن أعرف أنني أنتظره.
قلت في سري:
هذه هي لالة مكة إذن…
ولعلّ المغاربة لم يبالغوا حين قالوا:
إيلا نادتك لالة مكة، تجيها حفيان وبلا بلغة.
*
حين فرغ سيدنا إبراهيم عليه السلام من بناء البيت، قيل له: أذِّن في الناس بالحج.
قال: يا رب، وما يبلغ صوتي؟
فقال:
أذِّن، وعليَّ البلاغ.
ومنذ ذلك النداء، والصوت يعبر القرون والجبال والبحار والوديان والأزمان، ويصل إلى من لا يعرف كيف يمكن أن يصله.
تصوّر أن هذا البلاغ وصلني في الطابق الأرضي لمنزلي في جنوب المغرب، عند الساعة العاشرة والربع ليلًا.
وقبلي بأربعة أشهر، كان قد وصل إلى امرأة مسنّة في أقصى جبال الأطلس الصغير، تسكن دوّارًا منسيًا، لا ماء فيه ولا كهرباء، ولا طريق معبّدة، ولا تغطية هاتفية؛ لا اتصالات المغرب، ولا إنوي، ولا حتى أورونج.
ومع ذلك وصلها النداء.
يحكي من كان معها في الحج أنها، حين وقفت أمام “لالة مكة”، بكت طويلًا، حتى أبكت من حولها.
*
هكذا هي رحمات الله؛ تختصر لك الودّ في محبّات، وتتجسّد لك في ألطاف. تأخذك من مرحلة إلى أخرى، وتدبّر لك الطريق وأنت لا تدري. أتذكر ذات جلسة نورانية بأكادير مع سيدي فتح الله أرسلان؛ رجل يفتح بكلماته البسيطة المضيئة بابًا للفهم والعلم، ويضبط بوصلة السّير دون مَيل.. يجمع عليك صَيد خاطرك، وهو يعيدك الى الصحبة ومظانها… والجماعة ومعينها..
أتذكر أحد الأيام الماضية واللحظات الراضية، قبل عشرين سنة، حين جالسته وأنا صغير (سنا وعقلا ونقلا وفهما وإرادة)، فأخبرني أن الله لا يأتي بك إلا ليعطيك.. وقرت هذه العبارة في قلبي مذ ذاك، وكنت كلما حضرت مجلسا أبحث عن عطاء الله ثم كبرت فبدأت أتساءل من أنا حتى يختارني الله..
عندما أخبرته بذلك قبل سنتين، ابتسم وهو يصحح لي الفهم والعزم والنية كعادة أولياء الله فقال لي: اعكس السؤال… تسمُ…
لا تسأل من أنا؟ بل أسأل من هو الله؟ ما كرم الله ما فضل الله ما لطف الله.. ثم سكت…
جلست أتأمله بكل حواسي وأنا أحمد الله على تلك اللحظة. فنحن نعيش في ظل هؤلاء الذين اجتباهم الله بولاية فتح البصائر ونورانية الشهادة بين الناس بالقسط.. ورحم الله الإمام المجدد عبد السلام ياسين على غرسه، ورزقنا كمال الوفاء.
*
لكل واحد منا حكاياته الخاصة مع لطف الله الخفي. يراك، ويعلم ضعفك وشتاتك، ثم يقول: يا عبادي.
وأنت عبده.
ويقول: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ.
وأنت شيء.
لذلك أحب لطف الله حين يتجسّد في هيئة أخت حنونة، أو صديق طيب، أو عالم جليل، أو موقف مبهج، أو ابتسامة عابرة، أو كلمة تسعد القلب، أو رسالة تنير الدرب، أو فكرة تشعل الإرادة، أو همة توقظ الروح، أو سلام يغمر الأعماق.
أحب كرم الله المختبئ في تفاصيل الأيام. وأحمد الله على لطفه، فقد أكرمني بثلاث أخوات، وكنت الذكر الوحيد بينهن.
وكانت أمي تدلّلني وتقول:
أخو البنات.
كانت أمي امرأة عظيمة ومدهشة. لم تكن مجرد شخص بالنسبة إليّ. كانت مكانًا في العالم. وحين ماتت رحمها الله، كان عزائي الوحيد أنها تركت لي ثلاث أخوات.بعد موتها، صرن ثلاث أمهات.
ولهذا لم تكن العمرة بالنسبة إليّ رحلة فردية. كانت رحلة عائلية؛ زوجتي فاضنة، وأختاي، الكبرى عزيزة والوسطى ليلى، وصهري، ووالده الكفيف. أختي الصغرى سمية أقعدها الحمل لذلك حملناها معنا في دعواتنا.
كنا عائلة تمضي إلى مكة. وكل واحد منا يحمل شيئًا لا يراه الآخرون؛ شيئًا من ضعفه وشيئا من شتاته وشيئا من أحلامه التي أرهقها الانتظار.
فالنفوس غائرة بأسرارها، وكل روح تحمل أثقالها في صمت.
لكننا، من دون أن ندري، كان يحملنا جميعًا شيء آخر:
لطف الله، الذي قاد كل واحد منا إلى البيت العتيق سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ.
*
سمعتُ يومًا امرأةً مباركة تطلق دعوة استوطنتني حينًا، وآنستني طويلًا.
قالت:
يا لطيف… اللطف.
بسكتة خفيفة بين الكلمتين.
وحرتُ، على سبيل التماهي مع لحظة مؤنسة في مرمى عبارتها ومقصد إشارتها، في معنى تلك السكتة الصغيرة التي ترجمت ما قد تعجز عنه الكلمات.
هل كانت تناجي الله باسمه اللطيف، ثم تسأله اللطف؟
أم كانت تثني عليه سبحانه، بأن لطفه لطف خفي؟ أو ربما لم تكن تعرف هي نفسها كل ما حملته تلك السكتة من معنى.
لكنني، منذ ذلك اليوم، بقيت مأخوذًا بالعبارة. كان ذلك الموقف العابر من جملة لطف الله بي.
ومن جملة لطفه سبحانه أنني أغيب كثيرًا…
وذو اللطائف لا يغيب.
أضيع الطريق، ثم أكتشف أن الطريق لم يضيعني.
أتأخر، فأجد أن ما ظننته تأخرًا كان تدبيرًا.
أخطط لسفر دنيوي، فإذا بلطفه يأخذني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومنذ ذلك اليوم، كلما تذكرت تلك المرأة ودعاءها، فهمت شيئًا آخر من اللطف:
أن الله قد يرسل إليك نداءه في هيئة أخت تبكي، أو كلمة عابرة من امرأة لا تعرفها، أو طريق لم تكن قد وضعته أصلًا في خططك.
ثم تنظر إلى الوراء، بعد أن تقطع المسافة، وتدرك أن الأمر كله كان لطفًا.
*
من لطيفِ دعاء ابن أبي جمرة رحمه الله: “جعلنا الله من الملطُوفِ بهم”.
جعل الله كل من يقرأ هذه الكلمات من الملطوف بهم.
يتبع