الصحوة الإسلامية وشروط النصر عند الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله

Cover Image for الصحوة الإسلامية وشروط النصر عند الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله
نشر بتاريخ

مقدمة

انطلاقا من رؤية قرآنية منهاجية، وفي كل مكتوباته، يركز الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله على فكرة محورية مفادها أن التاريخ الإنساني تحكمه سنن ثابتة لا تتبدل، وأن إدراك هذه السنن هو السبيل إلى فهم موقع الأمة الإسلامية في خضم التحولات العالمية، وإلى استشراف طريق النهوض من جديد.

وفي قلب مشروعه الفكري، ينظر الإمام رحمه الله إلى الصحوة الإسلامية المعاصرة بأنها تجسيد لسنة الله في التجديد بعد الفتور، وإحياء القلوب بعد غفلتها، “فالتجديد المطلوب للأمة هو تجديد بواعثها لتقوم، أفرادا تجدد إيمانهم بالتربية، وجماعة تجددت قوتها بتجدد بواعث أعضائها الإيمانية، بواجب الجهاد واقتحام العقبة.” 1 حيث استند الإمام رحمه الله على الحديث النبوي الشريف: عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”.

فما ملامح هذه الصحوة من منظور الإمام؟ وما الذي يعيق مسارها عن تحقيق النصر؟ وكيف يمكن للأمة أن تحقق نهضتها المنشودة بفهم سنن الله في النصر والتغيير؟

 1- صحوة إسلامية، ولكن…

يشير الإمام رحمه الله إلى أن الصحوة الإسلامية المباركة، رغم كونها بشارة إلاهية ببزوغ فجر جديد، ورغم أن جذوة الإيمان ما تزال متقدة في هذه الأمة رغم قرون من الانحطاط والاستعمار، فإنها تحمل في جسدها بعض بصمات الجاهلية، لأنها خرجت من رحم واقع فاسد، فكرا وتنظيما وأخلاقا. إن الجيل الذي يقود هذه الصحوة ولد في زمن هيمنة الفكر الغربي، وتربى في مدارس الاستعمار، وتأثر بالمفاهيم المادية الغربية عن الإنسان والمجتمع والسياسة. من بين هذه المفاهيم نجد:

1.      العقلانية: وهي تأليه العقل والحكم المطلق لعقلانية مادية تؤدي إلى إنكار الوحي والتقليل من مقام الإيمان.

2.      الاشتراكية: وهي نموذج ومذهب اجتماعي-اقتصادي يهدف إلى تحقيق العدالة في توزيع الثروات وتنظيم وسائل الإنتاج، لكنه ينفصل في أسسه المرجعية عن الوحي، ويقوم على تصور مادي للإنسان والمجتمع، ما يجعله عاجزا عن إرساء عدالة شاملة ذات بعد أخلاقي ورباني ثابت.

3.      الماركسية: وهي كما يعرفها الإمام رحمه الله، الصيغة المعاصرة من الجاهلية، إيديولوجية ثورية مادية تقوم على تفسير طبقي للتاريخ وتنفي مضمون الوحي الديني، وهي ماركسيات متعددة، فروع ثرّارة انشقت عن أصل كثيف.

4.      القومية العلمانية: ويصفها بأنها رباط جديد مصطنع مستورد في بلاد المسلمين. وهو في نظر قادة القومية العلمانيين بديل عن كل دين، بديل عقلاني مصلحي أرضي انفعالي عنيف. وتكتسب هذه القومية خصائصها العقلانية المصلحية الأرضية من الإيديولوجية القومية المتبناة المستوردة.

ثم يوضح الإمام أن بصمات الجاهلية هذه ليست قدرا أبديا ومحتوما، ولكنها آثار باقية تحتاج إلى تطهير تربوي ومنهجي، وإلا تحولت إلى عوائق أمام اكتمال المشروع الإسلامي. وتبرز هذه البصمات في ثلاثة مظاهر:

·       النزعة إلى العمل السريع والانتصار الظاهري دون إعداد تربوي طويل، فالجيل الجديد من أبناء الصحوة كثيرا ما يغريه الحماس الميداني والشعارات الحركية، بينما يغفل عن التربية الإيمانية التي تهذب النفس وتمنحها الصبر والتأني، وهذا في ذاته من بصمات الجاهلية التي تستعجل الثمرة قبل نضجها.

·       الروح الحزبية الضيقة التي تفكك الصف الإسلامي، فالصحوة الإسلامية بدل أن تكون جسدا واحدا كما أراد الله، انقسمت إلى جماعات متناحرة، كل يدعي أنه الممثل الشرعي للإسلام. وهذه العصبيات التنظيمية تشبه العصبيات القبلية التي كانت سمة الجاهلية الأولى، فهي تفرغ العمل الإسلامي من روحه الجماعية، وتحول الدعوة إلى مشروع دنيوي لتحقيق المكانة والسيطرة.

·       السطحية الدينية التي تكتفي برفع الشعارات دون تجسيد لمعاني الإحسان، وهذا أثر الجاهلية الفكرية والسياسية في العقل الإسلامي الحديث؛ فقد تسللت إلى عقول كثير من الدعاة والمثقفين مفاهيم غربية عن الدولة، وعن الحرية، وعن التقدم، فصار بعضهم يقيس الإسلام بمقاييس الحضارة المادية نفسها التي حاربها الإسلام في جوهره. وهكذا تظهر داخل الصحوة اتجاهات “توفيقية” تحاول الجمع بين الإسلام والفكر الغربي دون وعي بحدود التناقض بينهما.

ويخلص الإمام إلى أن سنة الله تقتضي أن تمر الأمة بـمرحلة تمحيص حتى تصفى من هذه الجاهليات بالتربية القرآنية والصحبة الصالحة والجهاد المنظم، فتخرج نقية مستعدة لحمل الرسالة.

إضافة إلى ما ذكرنا، هناك تحديات أخرى تواجه الصحوة الإسلامية في طريقها نحو النصر والتمكين، فبعد التحدث عن عوائق الصحوة الإسلامية من الداخل، ننتقل للحديث عن القوى المعادية لها من الخارج، حيث يشير الإمام رحمه الله إلى أن سنة التدافع بين الحق والباطل قد انطلقت منذ فجر البشرية، وستظل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. إن هذه القوى تمثل جاهلية معاصرة، بما هي منظومات فكرية وسياسية واقتصادية كبرى. فهي ليست إلا امتدادا لتلك العداوة الجاهلية القديمة، ولكنها اليوم ترتدي لبوسا جديدا، وتستعمل أدوات أكثر دقة وخداعا؛ فهي جاهلية سياسية: أنظمة استبداد تابعة للغرب، وجاهلية فكرية: الماركسية، العلمانية، الليبرالية، وكل فكر يقصي الوحي، وجاهلية ثقافية: الانحلال الأخلاقي، الإعلام الموجه، تغريب المرأة.

لكن الإمام رحمه الله يبرز أن هذه القوى تتحرك بدقة ضمن سنن التدافع التي قدرها الله، ليختبر بها إيمان الأمة وثباتها. ويؤكد أن الصحوة الإسلامية لا يجب أن تكتفي بالتنديد فقط ورفع الشعارات، ولا باستيراد أدوات الجاهلية ومواجهتهم بها، بل أن تفهم طبيعة هذا الصراع وتعد له إعدادا إيمانيا وتنظيميا، وإلا ستهزم كما هزمت الأمم السابقة من قبلها.

2- نحو تصحيح المسار من أجل النصر

نبدأ بحديث الإمام رحمه الله عن تجربة الجهاد الأفغاني ضد الاحتلال السوفييتي باعتبارها من علامات اليقظة الإسلامية في العصر الحديث، والتي يعتبرها بركة لأنها أيقظت الأمة وأعادت للمسلمين معنى الجهاد في سبيل الله بعد قرون من الغفلة، وأظهرت قدرة الأمة على مقاومة الطغيان وهزيمة أعتى الإمبراطوريات وأقواها (الاتحاد السوفييتي). ويحلل هذه التجربة تحليلا سننيا صارما: فبعد النصر العسكري، وقعت الأمة الأفغانية في ورطة التنازع الداخلي بسبب غياب قيادة راشدة وأساس تربوي إيماني متين كان يجب أن يسبق القتال ويصاحبه، فالجهاد قبل أن يكون قتالا وحملا للسلاح، هو جهاد النفس وتزكيتها حتى تكون النية خالصة لوجه الله ولا حظ فيها للجاه أو العصبية أو الغنيمة.

ثم يضيف الإمام رحمه الله أن القوى العالمية التي فرحت سابقا بانتصار المسلمين على الشيوعية لم تكن صادقة في تضامنها ودعمها لهم، بل كانت تستعملهم أداة في صراعها مع خصومها، وألقت بهم حين انتهت حاجتها إليهم. هذا ما يشير إليه الإمام بمرارة؛ فحين لا يكون للمجاهدين المسلمين مشروع إيماني واضح ولا قيادة ربانية جامعة، يصبحون مجرد وقود في لعبة السياسة العالمية. يقول رحمه الله: “تورطت الدولة العظمى الأخرى، الولايات المتحدة الأمريكية، وانكشف نفاقها وانتهازيتها وازدواج سياستها الهيمنية. ففي الوقت الذي تتزعم فيه الحملة على الإسلام في عُقر دار الإسلام فلسطين القدس، نراها تبدي غيرة عجيبة على الشعب الأفغاني المظلوم، غيرة الذئب حين يسبقه الذئب إلى فريسة كانا يَهُمان بها. ويرتفع الاحتجاج الأمريكي في أروقة الدبلوماسية العالمية وفي الإعلام الداخلي والخارجي. ويُكثر التلفزيون الأمريكي من عرض الصور عن وقائع الجهاد الأفغاني وعن انتصارات المجاهدين…” 2.

يفكك الإمام رحمه الله ملامح المرحلة التي تعيشها الصحوة الإسلامية في ضوء سنة الله في التاريخ والابتلاء والتمحيص، ويسميها مرحلة شفافية وانكشاف 3، إذ فيها انكشفت وجوه الجاهلية العالمية وانكشف عداؤها للإسلام، وانكشفت عورات الصف الإسلامي نفسه. ويؤكد رحمه الله ضرورة مرور الأمة بهذه المرحلة، مرحلة يرفع فيها الحجاب بين الظاهر والباطن، وبين الكذب والحقيقة؛ فمع تصاعد الصراع بين الإسلام والجاهلية، ومع اشتداد المحن وتكاثر الابتلاءات، أصبحت الساحات الدعوية والسياسية والفكرية تظهر كل ما كان خفيا من عيوب. فهذه الشفافية سنة من سنن الله، لأن الله يظهر الحق ليمحص المؤمنين ويفرز الصادقين من المدعين، يقول الإمام رحمه الله: “حوادث أفغانستان، وجهاد الليوث الأفغان، وقعود القاعدين، وتورط المتورطين، امتحان وتمحيص ومحك. على محك الأحداث الضخام يتميز الخبيث من الطيب، ويذهب الخبيث جُفاء.” 4.

–          فما السبيل إلى تصحيح المسار من أجل النصر والتمكين؟

للإجابة عن هذا السؤال نجد الإمام يحدثنا عن الأسس الصلبة التي ينبغي أن تبنى عليها النهضة الإسلامية من جديد، حيث يشرح بأنه إذا كانت الصحوة مهددة ببصمات الجاهلية والانكشاف، فلابد أن تعود إلى قواعد الإسلام الأصيلة. ويقصد بذلك العودة إلى منهاج النبوة، الذي يجمع بين الإيمان بما هو معرفة الله، واليقين بموعوده، والإحسان تزكية للنفس ومجاهدة للهوى، والعدل بما هو إقامة نظام حياة يسوده الحق والشورى.

يتحدث الإمام رحمه الله عن هذه القواعد فيبرز أن القاعدة الأولى هي قاعدة الإيمان والإحسان، وهي لب المشروع الإسلامي ومنطلق كل إصلاح حقيقي. ثم قاعدة الشورى والعدل، يذكر فيها الإمام رحمه الله أن الإسلام جاء ليحرر الإنسان من عبودية الجاهلية الطغيان، والعدل في الحكم، والمساواة بين الناس، ومشاركة الأمة في القرار. أما القاعدة الثالثة، فهي قاعدة الأخوة والجماعة، حيث يرى -رحمه الله أن المسلم لا يستطيع أن يحقق الإيمان الكامل إلا في إطار جماعة مؤمنة تربطه بها روابط المودة والنصيحة والعمل المشترك.

ثم يفرد الإمام رحمه الله الحديث عن القاعدة البشرية والتنظيمية التي يحتاجها الإسلام ليقوم من جديد، ويصفها بالقاعدة الممتازة؛ أي الجماعة المؤمنة الراشدة التي تجمع بين صفاء الإيمان وقوة التنظيم. ويميز الإمام بين نوعين من القواعد: قاعدة متحمسة بلا علم ولا تربية سرعان ما تنهار، وقاعدة ممتازة رباها الإيمان ودربها الجهاد. ويربط هذه الفكرة بسنة الله في بناء الأمم: فكما لم تقم دعوة النبي ﷺ إلا بعد تربية جيل الصحابة، لن تقوم نهضة اليوم إلا بقاعدة مشابهة في النوع، وإن اختلف الزمان.  فلا جهاد إلا بجماعة منظمة: “المسلمون في العالم بحاجة ماسة لتوحيد الكلمة، والفكر، والخط، والمنهاج. من المسلمين من يقتصر في دعوته على العلم، ومنهم من يقتصر في تربيته على التقوى الفردية، ومنهم من يجعل كل همه الفكر الإسلامي، ومنهم من تغلبه الحركية فيتحرك على سطح الواقع لفقدانه عمق الإيمان الكفيل وحده بإكسابنا الثقة بالله، وترشيحنا لتلقي نصر الله، والخلافة في الأرض عن الله.” 5 ويشدد الإمام رحمه الله على أن إعداد هذه القاعدة يتطلب قيادة ربانية تحسن التربية والتخطيط، قيادة تجسد في نفسها المعاني التي تدعو إليها، وتربط الناس بالله لا بذواتها. فكل مشروع ينجح بقدر ما تكون قيادته صادقة ومؤمنة ومحسنة. ولذلك يربط الإمام بين هذه القاعدة الممتازة والصحبة في الله، أي العلاقة الروحية التي تنشئ في القلوب حب الله ورسوله. وهذا ما يسميه الإمام رحمه الله بشروط التربية تنظيما، باعتبارها مقومات داخل بناء منظم يحفظ الاستمرار والفاعلية. فالصحبة والجماعة تنظيما تعني أن التربية لا تتحقق خارج إطار جماعي مضبوط، له قيادة تربوية، ووظائف، وروابط التزام، لأن الصحبة الصالحة لا تؤتي ثمرتها إلا داخل جماعة مؤسَّسة تضمن التدرج، والمراقبة، والتكامل بين التزكية والعمل. والذكر تنظيما هو عبادة مؤطرة داخل برنامج تربوي جماعي، له أوقات وضوابط ومقاصد، يراد به بناء القلب باستمرار وانتظام، وليس بالانقطاع والتذبذب. أما الصدق تنظيما فيقصد به الإمام رحمه الله إدماج خلق الصدق في بنية التنظيم نفسه، بحيث يصير الصدق معيار الانخراط، والاستمرار، وتحمل المسؤولية، ومطابقة القول للعمل، وبهذا يصبح التنظيم أداة تربية، وتغدو التربية ركيزة البناء التنظيمية.

خاتمة

على ضوء ما سبق، يخلص الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله إلى أن الصحوة الإسلامية تمثل مرحلة أساسا في مسار التجديد الحضاري للأمة، وأنها رغم ما يعتريها من ضعف وتأثر بالجاهلية الحديثة، تظل بشارة بعودة الأمة إلى مكانتها الطبيعية والرائدة. ويؤكد رحمه الله أن نجاح هذه الصحوة مرهون بمدى ارتباطها بسنن الله في التمحيص والنصر، وبقدرتها على بناء قاعدة مؤمنة صادقة تجمع بين الإيمان العميق والعمل المنظم.

يمكن وصف خطاب الإمام رحمه الله بأنه دعوة إلى الثبات على الحق والإيمان بسنن الله التي لا تتبدل، لأن طريق النهضة الإسلامية الحقيقية يبدأ من إصلاح النفس والمجتمع بالإيمان والعمل الصالح، وينتهي إلى النصر الحضاري والتمكين الذي وعد الله به عباده الصالحين. وذلك مصداقا للآية الكريمة: وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًۭا ۚ يَعْبُدُونَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْـًۭٔئاسورة النور، الآية 55.


[1] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ط 5، ص 50.
[2] عبد السلام ياسين، سنة الله، ط 1، ص 175.
[3] نفسه، ص 181.
[4] نفسه، ص 180.
[5] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ط 5، ص 151.