الصحة النفسية للمرأة بين الرؤية المعتمدة للمنظمات العالمية ومشروع جماعة العدل والإحسان

Cover Image for الصحة النفسية للمرأة بين الرؤية المعتمدة للمنظمات العالمية ومشروع جماعة العدل والإحسان
نشر بتاريخ

أضحت الصحة النفسية إحدى القضايا المركزية في الخطاب المعاصر، لما لها من أثر مباشر في استقرار الفرد وتماسك المجتمع. وتكتسب هذه القضية بعدا خاصا حين يتعلق الأمر بالمرأة، نظرا لما تتعرض له من ضغوط بيولوجية ونفسية واجتماعية وثقافية متشابكة. غير أن مقاربة الصحة النفسية للمرأة تختلف باختلاف المرجعيات الفكرية والمنظمات القيمية التي تؤطرها، ففي حين تعتمد المنظمات العالمية، وفي مقدمتها منظمة الصحة العالمية، رؤية وظيفية إنسانية ذات خلفية علمانية، يقدم مشروع جماعة العدل والإحسان مقاربة إيمانية حضارية تجعل الصحة النفسية جزءا من المشروع العدلي الإحساني والاستخلافي في الأرض.

1- مفهوم الصحة النفسية للمرأة في الرؤية المعتمدة لدى المنظمات العالمية

‏تعرف منظمة الصحة العالمية الصحة النفسية بأنها «حالة من العافية يتمكن فيها الفرد من إدراك قدراته الذاتية والتكيف مع ضغوط الحياة اليومية، والعمل بإنتاجية، والمساهمة الإيجابية في مجتمعه، ولا تقتصر على غياب الاضطرابات أو الأمراض النفسية» 1.

وينطلق هذا التعريف من تصور يعتبر الصحة النفسية شرطا لتحقيق الأداء الوظيفي والاجتماعي، ويركز على الرفاه النفسي، والقدرة على التكيف والإنتاجية والاندماج الاجتماعي.

‏وتشير التقارير الدولية إلى أن المرأة أكثر عرضة لبعض الاضطرابات النفسية نتيجة عوامل متداخلة، من أبرزها التغيرات الهرمونية، وأعباء الرعاية الأسرية، والعنف القائم على النوع، والتمييز الاجتماعي والاقتصادي، والظلم والتهميش. غير أن هذه المقاربة، رغم أهميتها، تبقى في أفق وظيفي محدود، تعالج الصحة النفسية باعتبارها مسألة تكيف وأداء وظيفي، دون ربطها بالسؤال الوجودي أو المصير الأخروي.

2- العوامل المؤثرة في الصحة النفسية للمرأة في منظور جماعة العدل والإحسان

يرتكز مشروع جماعة العدل والإحسان في مقاربته للصحة النفسية للمرأة من المرجعية الإسلامية ضمن منظومة شاملة تجعلها إنسانا مكرما له دوره الأساس في بناء الأسرة، دون أن يلغي ذلك مشاركتها في الحياة العامة، مع استحضار خصوصية السياق التاريخي الذي أفرز في العالم الإسلامي تقاليد وذهنيات بعيدة عن المنهاج النبوي.

‏وفي هذا السياق يرجع الإمام عبد السلام ياسين أسباب التردي العام لقضية المرأة وصحتها النفسية بالخصوص إلى عاملين أساسيين: الصدمة الأولى المتمثلة في الانكسار التاريخي، والصدمة الثانية التي جسدها الاستعمار التغريبي. فبعد ما أعز الإسلام المرأة ورفع مكانتها لتكون شريكة الرجل في الحقوق والواجبات، انحطت بانحطاط الأمة، وأصبحت حالتها النفسية مرتبطة بعوامل ذاتية وأخرى خارجية متشابكة.

‏يقول الإمام عبد السلام ياسين: «والمرأة أمام العقبة المزدوجة بين باعث يدفعها لفعل الخير وخاذل يثبطها، الخاذل عميق الجذور في الفكر والعادات والفقه المنحبس التي رسخت في المرأة على مر العصور الانحطاطية الشعور بالدونية والعجز، وكسّرت ثقتها بنفسها وربها… والباعث نداء الإسلام الأصيل… كلمة تسمعها المرأة ويسمعها الرجل فيصحوان ويسألان: ما العمل وما الطريق؟» 2.

‏وعليه فإن اختلال الصحة النفسية لا يفهم باعتباره اضطرابا فرديا معزولا، بل هو نتيجة سياق بنيوي مركب تتداخل فيه العوامل الذاتية والتاريخية والحضارية. فالمرأة تواجه من جهة أولى؛ عقبة نفسية ذاتية تتجلى في ضعف الثقة بالنفس والخوف والقبول بالتهميش ومحدودية التكوين العلمي والثقافي والدعوي. كما تواجه، من جهة ثانية، عقبة خارجية ممتدة الجذور في الانحراف التاريخي وفساد الحكم وتسلط الاستعمار، وهو ما أفرز ذهنيات إقصائية وكرس فقها منحبسا بتأويلات متشددة جعلت المرأة تعيش الجهل والدونية والعجز؛ يفعل بها ولا تفعل.

‏وفي المقابل، دفعت رياح التغريب بعض النساء إلى الانبهار بالنموذج الغربي في معتقداته ومذاهبه، بما استلب هويتها وأفضى إلى تحويلها إلى «دمية مكدودة» سيدة جسدها تحت مسمى التحرر.

‏هكذا تجد المرأة نفسها، بين مطرقة التقليد وسندان التغريب، بين فقه منحبس يقيد فاعليتها، ونموذج غربي يشيّئها باسم المساواة المطلقة، وهو ما يعمق اغترابها النفسي بدل معالجته. ‏ومن ثم فإن هذا الاغتراب النفسي لا يمكن علاجه دون تحرير المرأة من العبودية لغير الله، لأن الخلل في عمقه خلل في الوجهة والمرجعية.

يقول الإمام رحمه الله تعالى: «لم تنحطَّ المرأة وحدها، بل انحطَّت بانحطاط المجتمع، وانحطَّ المجتمع بانحطاط الحكم وانتقاض عروته، وانحبس الفقه، وسد باب الاجتهاد، ودارت الفتوى في حلقة ضيقة مقلدة رابط في أركانها المركنة جهابذة العلماء للحفاظ على سائر عرى الإسلام أن تنتقض، ولصيانة الحياة في دائرة الشرع. وغفا العقل المسلم الذي كان ذات يوم رائداً في مجالات العلوم الكونية كما كان سابقاً في فقه الشرع غفوته التي توشك أن تعقبها صحوة شاملة ونهضة عاملة وحرية حقيقية كاملة للمسلمة والمسلم» 3.

3- مفاتيح تحقيق التوازن النفسي للمرأة في مشروع العدل والإحسان

‏إن أولى خطوات استعادة التوازن النفسي للمرأة تبدأ بتجاوز العقبة الذاتية وامتلاك إرادة تحررية بطلب ما عند الله عز وجل، ومن ثم يبدأ التغيير بتوعية المرأة بقضيتها الأساسية المتعلقة بمصيرها الروحي، ثم المطالبة بحقوقها المشروعة التي انتزعت منها، بما يحيي فيها الإرادة والهمة لطلب درجات الكمال والسعي إلى مقامات الإحسان والمشاركة في جهاد التعبئة والبناء.

في هذا السياق فإن المرأة مدعوة لاقتحام العقبة طلبا لمعالي الأمور وسعيا للهدف المنشود ‏الذي هو طلب وجه الله عز وجل، وذلك بالتسلح بالإرادة والعلم والعمل، لتسير مع ركب الأصفياء والأتقياء الصالحين، في إقامة الدين وتجديده والدعوة إليه، بتعاون مع الرجل، في إطار تكامل وظيفي يحقق الاستقرار الأسري والتوازن الروحي انطلاقا من مبدأ الولاية، بعيدا عن منطق الصراع أو الندية.

يقول رحمه الله تعالى: «حقوقك التي كفلها الشرع تنتزعينها من تعسف الرجل، وتتقدمين عليه بالعلم كي لا يحتكر هو الجهاد ويميل به إلى سوء استعمال الدرجة، ثم واجباتك في صد العدواني على الدين مما يليك علما يشرق في القلوب إيمانا تصديقا وفي العقول تدبيرا وتطبيقا» 4.

‏ومن أولى مفاتيح اقتحام العقبة “القوة الذاتية” التي يعرفها الإمام رحمه الله بقوله: «أقصد بالقوة الذاتية قوة الإيمان الفاعلة، معززة بأخلاق الإيمان وإرادة الإيمان المتوجهة الوجهة المرضية عند الله الواعية بصعوبة الطريق السعادي ووعورتها وعقباتها السخية بالمال والنفس تبذلهما ثمنا بخسا لجزاء الغرفة والتحية والسلام والنظر إلى وجه الله الكريم» 5.

‏وتعزز هذه الإرادة الإيمانية بانخراط المؤمنة في المشروع التربوي المتكامل الذي يتحقق فيه شروط التربية: الصحبة والجماعة، الذكر والصدق، لتحقق بعدها باقي الخصال العشر (البذل، والعلم والعمل، والسمت الحسن، التؤدة، والاقتصاد، والجهاد) ارتقاء وصعودا في مدارج الكمال الروحي والخلقي والعلمي والجهادي.

يتبين أن الصحة النفسية للمرأة في منظور الجماعة لا يفهم بمعزل عن الإيمان والعدل والإحسان، لأن سلامها الداخلي ينعكس طمأنينة في بيتها، وإحسانا في علاقاتها، وإصلاحا في محيطها. فالغاية ليست مجرد راحة فردية، بل أن تكون الصحة النفسية طريقا إلى الإحسان: إحسان إلى النفس بتزكيتها، وإحسان إلى الخلق بحسن العشرة وتحمل المسؤولية، وإحسان إلى الله تعالى بتحقيق العبودية له وحده.

‏وعليه، ‏فالصحة النفسية للمرأة هي حالة من السكينة الداخلية والتوازن الروحي والعاطفي تتحقق بالصلة المتينة بالله تعالى، وبيئة أسرية مجتمعية عادلة تصون كرامتها وتقدر دورها. جامعة بين مصيرها الفردي إلى الدار الآخرة ومصير أمتها إلى الاستخلاف في الأرض.


[1] منظمة الصحة العالمية WHO.
[2] عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، ج 1، ص 18.
[3] المصدر نفسه، ج 1،  ص 21.
[4] نفسه، ص 163–164.
[5] نفسه، ص 16.