الشباب والفاعلية المجتمعية.. ندوة علمية ترسم معالم الاستثمار في الطاقات لبناء النهضة

Cover Image for الشباب والفاعلية المجتمعية.. ندوة علمية ترسم معالم الاستثمار في الطاقات لبناء النهضة
نشر بتاريخ

نظم “المركز الدولي للقيم الإنسانية والتعاون الحضاري” ندوة علمية متخصصة تحت عنوان “الشباب والفاعلية المجتمعية”، في سياق تدارس التحولات الاجتماعية والثقافية المعاصرة التي تفرض المراهنة على التنمية والنهضة الشاملة عبر الاستثمار في الموارد البشرية. وقد شهدت الندوة، التي سيرتها الأستاذة أسماء فاضل، نقاشا عميقا حول كيفية تحويل طاقات الشباب إلى قوة إبداعية قادرة على المبادرة وتحمل المسؤولية في إدارة الشأن المجتمعي.

وتهدف هذه الفعالية العلمية إلى الإجابة عن إشكالات جوهرية تتعلق بمدلول الفاعلية ورؤيتها التأصيلية، ودور مؤسسات التنشئة الاجتماعية كالأسرة والمدرسة والإعلام في غرس القيم النبيلة لدى الشباب. وشارك في تأطير محاور الندوة كل من الدكتور إدريس العلمي، والدكتور محمد بن مسعود، والدكتورة أسماء فاضل، حيث ركزوا على ضرورة الانتقال بالشباب من حالة الركود إلى حالة الفاعلية التاريخية التي تسهم في بناء مستقبل الأمة.

التأصيل القيمي والمعرفي للفاعلية المجتمعية

في أولى مداخلات الندوة، اعتبر الباحث والأكاديمي الدكتور إدريس العلمي، أن مفهوم الفاعلية في اللغة يعود إلى الجذر (فَعَلَ)، وهو أصل صحيح يدل على إحداث شيء في الواقع، بحيث يمتد أثر الفاعل إلى الآخر ويظهر في الغير وما يفعل من حسن. وأشار إلى تعريف مالك بن نبي الذي يرى الفاعلية بأنها “حركة الإنسان في صناعة التاريخ”، وتابع “إذا تحرك الإنسان تحرك المجتمع والتاريخ”.

وفي معرض تأصيله الشرعي للمفهوم، أكد العلمي أن الحق سبحانه وتعالى قدم لنا في سورة النحل نواقض الفاعلية كالسكوت والعجز ليوضح خصائصها، مبرزا صفتين أساسيتين هما الأمر بالعدل والثبات على الصراط المستقيم. وشدد على أن التميز بين الناس لا يكون إلا “بدرجة خدمة المجموع من حيث البذل والخدمة والتحمل والفاعلية في كل أطوار ومراحل السفر في هذه الحياة الدنيا”.

واستعرض المحاضر مواقف نبوية في بناء الشباب، مشيرا في ذلك إلى أن الرسول ﷺ خاطب ابن عباس وهو غلام بمعانٍ عميقة جدا (احفظ الله يحفظك)، “مما يدل على ضرورة عدم استصغار الشباب وتلقينهم عظائم الأمور”. واعتبر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجهنا للانتباه للقامات الفاعلة حين تمنى بيتا مملوءا برجال كأبي عبيدة بن الجراح، لأن بهم يحيي الله الأمة.

وحدد العلمي عشر صفات لبناء الشخصية الفاعلة، من أبرزها الشخصية المؤمنة بالله واليوم الآخر المخلصة لله عز وجل، ومنها الشخصية الصالحة للاندماج ومحبة خدمة ونصحا، ثم الشخصية الشجاعة المبادرة، ثم الواعية بمسؤوليتها تجاه المستضعفين، تليها الحريصة على التعليم والتعليم، فضلا عن المنتجة القاصدة في فعلها وحركتها وغيرها. ودعا في ختام كلامه مؤسسات التنشئة إلى التصالح مع ذاتها وتحديد مواصفات المخرجات التعليمية التي نبتغيها، ومدى حضور خصوصية الشباب في برامجنا.

الفاعلية المجتمعية من منظور علم الاجتماع السياسي

من جهته انتقد الأستاذ الجامعي في ديداكتيك العلوم، الدكتور محمد بن مسعود المقاربات التي تحصر الفاعلية في تطوير الإنتاج بمفهوم رأس المال البشري أو الاجتماعي كما صاغها آدم سميث وبير بورديو، واختار مقاربة علم الاجتماع السياسي لمعالجة إشكاليته في أحد جزأيها “لماذا تظل الفاعلية ضعيفة رغم كثرة الحديث عنها في المجتمع”. وأكد أن الفاعلية الحقيقية هي “وجود اجتماعي مصحوب بقدرة على تحويل هذا الحضور إلى فعل مؤثر ومنتج للتغيير”.

وشدد بن مسعود على أن “الفاعلية المجتمعية ليست محايدة دائما، لأننا عندما نتحدث عنها فإننا نفترض وجود فاعلين داخل المجتمع قد تتناقض مشاريعهم”، وبالتالي فالمسألة “مسألة تنافس وتدافع بين قوى مجتمعية تسعى كلها للحفاظ إما على الوضع القائم وإما لإصلاحه جزئيا وأخرى تسعى لتغييره جذريا”. موضحا أن “كل فاعل مجتمعي يروم إلى أن تكون له فاعلية مجتمعية في مجتمع ما، فهو لا بد من أن يتعرض للظواهر المعروفة في علم الاجماع السياسي؛ الاحتواء أو الإدماج داخل النسق العام القائم، أو التهميش أو المقاومة، أو ما يسمى باستلاب الفاعلية المجتمعية، خاصة إذا كان مشروعه يهدد مصالح أطراف أخرى داخل المجتمع”.

واستدعى بن مسعود خصلة البذل في المنهج النبوي، التي يرى أنها تبرز التطوع كوسيلة لتحبيب الإسلام والتعريف به والدعوة إلى الله، ثم يستمر لتهيئة ثقة الناس بالمؤمنين وتحريك عواطفهم إليهم والتفاتهم حولهم وزحفهم خلفهم، وهذا لا يتوقف بعد قيام الدولة بل يستمر تكميلا لجهود الدولة تعبئة شعبية لإنجاز ما لا تقدر عليه الدولة. مشيرا إلى أن التحدي لا يكمن فقط في “إعداد شاب فاعل فحسب، بل إن التحدي كذلك -وهو معضلة في حد ذاته- في العزوف عن العمل السياسي والبعد عن العمل التطوعي وفقدان الثقة في مؤسسات الدولة ومؤسسات الوساطة.

واختتم مداخلته بتوضيح مفهوم التمكين الذي يجمع بين شقين، الأول أن يكون بناء الذات الشابة معرفيا وقيميا ومهاريا وتربويا وتنظيميا وهو مهم جدا، أما الشق الثاني فهو توفير البيئة الداعمة لها والفرص الملائمة حتى يصبح هذا الشاب قادرا على إحداث تغيير حقيقي في المجتمع. لافتا إلى أن التمكين ليس هو الاحتضان “لأن الاحتضان يصنع لنا شابا مستفيدا، بينما التمكين يصنع شابا مبادرا وقادرا على الفعل”.

التحديات المعاصرة واستشراف مستقبل الفعل الشبابي

وفي مداخلتها، أكدت الباحثة قضايا الحريات والفكر الإسلامي، الدكتورة أسماء فاضل أن “مرحلة الشباب ليست مجرد عمر بيولوجي يعيشه الإنسان كما يعيش باقي المراحل، وإنما هي مرحلة العطاء والإنتاج والإبداع والمبادرة والمشاركة والانخراط، وهي كلها مفاهيم مؤطرة وللفعل المجتمعي الناجح”. متوقفة على ارتباطها بمفهومي الفتوة كقوة إيمانية وأخلاقية متوازنة، والاقتحام كدعوة للنهوض والمشاركة واقتحام كل العقبات، وهما مفهومان أصيلان يشكلان أساس كل فعل سليم.

وحذرت المتحدثة من نوعين من العقبات منها الذاتية والموضوعية، أما الأولى فهي التي يتقدمها فقدان الثقة في الذات وتكريس منطق الإحباط، وتغييب الأساس الإيماني التربوي مع تهميش دوره في تحقيق فعل واقعي متزن، مشيرة إلى تحدي “غياب المعنى وفقدان الهدف”، مما يجعل بعض الشباب عرضة للسقوط في دوامة الفراغ والقلق المفرط والتيه النفسي، وهي حالة من الاغتراب تجعل فئة من الشباب تؤمن بالركود رغم أنها مأمورة بالسعي والكدح”، منبهة إلى خطورة الإدمان بكل أنواعه، بما يسببه من عجز وكسل وقصور في أداء الواجب، وقفت على الإدمان الرقمي خاصة، الذي “شل ملكة الإبداع والابتكار عند الشباب”.

وفي العقبات الموضوعية، انتقدت فاضل “غياب الشباب أو تغييبهم عن مراكز صنع القرار”، و”غياب الثقة في المؤسسات المسيرة للشأن العام”، مما يدفعهم إلى الانزواء وتفضيل الابتعاد. كما لفتت الانتباه إلى “نظام التفاهة الذي ساهم في تكريس أعطاب معقدة عملت على تغيير محركات هذا الفعل المجتمعي، وتشتيت الوعي وإبعاد الشباب عن التفكير في قضايا المجتمع الجادة، وجعلهم ينشغلون بالمظاهر الزائفة عوض السعي نحو تحقيق الرقي الحضاري.

وفي رؤيتها الاستشرافية، دعت الدكتورة إلى “تثبيت الأمن الروحي عند الشباب وبناء الشخصية الإيمانية الفاعلة”، وإلى “ربط الفاعلية المجتمعية عند الشباب بالخلاص الفردي والجماعي” الذي من شأنه أن يتجاوز بهم الأنانيات. وأكدت في نهاية مداخلتها على ضرورة “إعادة بناء وعي الشباب ليصبح وعيا مشتركا ينضبط بضوابط تحفظ الهوية البشرية وتضمن الكرامة الإنسانية، وهذا الوعي ينتقل بهم “من واقع الجمود والتقليد والاستلاب إلى مطلب التعاون والتدافع والتكامل والإشراك والمشاركة”.