أمرنا الحق سبحانه وتعالى بإعداد القوة وذاك في قوله عز وجل: وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ [الأنفال: 60].
دلنا الحق عز وجل على أنه يجب أن يتم الاستعداد بكل القوة التي نستطيع، فلم يخصص القرآن قوة دون غيرها. فما هي أنواع القوة المطلوب منا إعدادها؟
أ- أنواع القوة
كلمة القوة لفظ لا يقتصر على أمر محدد، إنما تشمل كافة مجالات الحياة، فتشمل القوة الروحية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والنفسية والمعنوية والبدنية والتدريبية والحربية. ومن أهم تجليات القوة؛ القوة العددية إن كانت نوعية لا غثائية.
ب- القوة العددية النوعية
من كلام الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله (رسالة الدعوة بتاريخ 25 جمادى الثاني 1406): “ألا وإن من إعداد القوة تعزيز الصف بعد معنويات الإيمان، ووضوح الرؤية، ورفعة الأفق بتكثير العدد. لقد منّ الله عز وجل على المؤمنين الأولين حين خاطبهم في سورة الأنفال قائلا: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ. يذكرهم سبحانه بالعهد الأول قبل أن يكثرهـم عددا ومددا. وذكر نبي الله شعيب عليه السلام قومه بمــن الله عليهم حيـــن كثـرهم فقـــــال ما قصـــه الله عـلينـا فــــي ســورة الأعــراف: وَٱذْكُرُوٓاْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ“. والكثرة العددية إن كان معها تربية وإعداد فهي تصنع الرجال والنساء، تصنع التاريخ المضيء. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوماً لجلسائه: تمنوا. قال أحدهم: أتمنى أن يكون ملء هذا البيت دراهم، فأنفقها في سبيل الله. قال عمر: تمنوا، فقال آخر: أتمنى أن يكون ملء هذا البيت ذهباً، فأنفقه في سبيل الله. فقال عمر: ولكني أتمنى أن يكون ملء هذا البيت رجالاً من أمثال عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان، فأستعملهم في طاعة الله 1.
فأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وهو يدير شأن الأمة، يعلم أن أحوج ما تحتاجه الأمة هو أمثال هؤلاء الرجال. واليوم تتأكد حاجتها إليهم بصفة أكثر إلحاحاً، إنهم الرجال الأقوياء الأشداء الأمناء، إنهم فخر كل زمان، وصناع مجده وتاريخه.
ج- قوة الأمة أساسا في شبابها
وللشّباب دورٌ كبير في تنمية وبناء الجماعة والمُجتمع، ولا يقتصر دورهم على مَجالٍ مُحدّد، بل يتقاطع مع جميع المجالات الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، ومُختلف قطاعات التّنمية، فمن أهمّ مُميّزاتهم ودورهم كقوّةِ تغيير مُجتمعيّة ما يأتي:
1- الشّباب هم الأكثر طموحاً في المجتمع، وعمليّة التّغيير والتقدُّم لا تقف عند حدودٍ بالنّسبة لهم، فهم أساس التّغيير والقوّة القادرة على إحداثه، لذلك يجب أن يكون استقطابُهم وتفجير طاقاتهم وتوظيفها أولويةَ جميع المُؤسّسات.
2- الشّباب هم الفئة الأكثر تَقبُّلاً للتّغيير، وهم الأكثر استعداداً لتقبُّل الجديد والتّعامل معه، والإبداع فيه، وهم الأقدر على التكيُّف بسهولةٍ دون إرباك، ممّا يجعل دورهم أساسياّ في إحداث التّغيير في مُجتمعاتهم.
3- الحماس الفكريّ لدى الشّباب والطّاقة الجبّارة التي يملكونها تُساعدهم بشكلٍ كبيرٍ نحو التقدّم والحيويّة في التّفاعل مع مُختلف المُعطيات السياسيّة والاجتماعيّة المُتغيّرة.
4- الشّباب قوّةٌ اجتماعيّة هائلة، ففي بلدنا هم أكثر الفئات عدداً، وهم بالطّبع الأكثر نشاطاً، وبالتّالي يُمكنهم تغيير الكثير من خلال الاشتراك بأعمال التّنمية المُجتمعيّة في جميع المجالات، والمُساهمة في إصلاحها، والتّأسيس للأجيال القادمة لتكون ظروفهم أفضل.
5- روح المُبادرة لدى الشّباب، والمُنافسة الشّريفة في الإبداع والابتكار تُشجّعهم على إطلاق أفكارهم وخلق مُبادرات ومُؤسّسات وجمعيّات في مُختلف المجالات، وكلّها تُساهم في تنمية المُجتمع حسب عملها.
6- الشباب نظرا لحداثة سنهم أمامهم عمر مديد للعمل والتغيير، فهم الخلف وهم المستقبل لهذه الأمة.
د- تكوين الشباب وتعزيز دورهم
ما سنعرضه هنا هو الدور المفترض للقادة لتكوين الشباب وتعزيز دورهم في الجماعة والمجتمع. ويتمثل ذلك في التالي:
1. العمل على تنمية الروح الجماعية لدى الشباب من خلال الإيمان بمفهوم العمل الواحد، وبما يخلص الشباب من النزعات الفردية، شريطة أن يتلمس الأعضاء الشباب قيمة العمل الجماعي ومردوده من خلال ترشيد الجهود والأوقات والنفقات، وتوحيد الهم والعزم.
2. تعزيز روح المبادرة لدى الشباب، وإطلاق الطاقات للمنافسة الشريفة في الإبداع والابتكار، من خلال الحوافز المعنوية والمكافآت التشجيعية مما يفتح باب اكتشاف طاقات واعدة لخدمة الدعوة.
3. تطوير الطاقات الإبداعية والمواهب والملكات الكامنة لدى الشباب في مختلف وشتى الميادين العملية والعلمية والفنية وغيرها، وتبنيها وإعطائها فرصتها الكاملة لكي تعطي وتبدع وتطور.
4. تعزيز قيم التسامح والتآخي وقبول الآخر من موقع الاختلاف والإقرار بوجوده، وتعددية الأفكار والقناعات في المجتمع كجزء من قيم الشورى والديمقراطية ومبادئهما التي يشكل العنصر الشاب صمام أمان لتعزيزها في عموم المجتمع والبيئة السياسية.
6. دفع الشباب للانفتاح على الثقافات الأخرى من خلال الزيارات والاستزارات والمطالعة، بما يعزز من دورهم في التمكن من امتلاك معارف جديدة وتنمية الكفاءات وتطوير المهارات.
7. تعزيز دور الشباب في الخدمة العامة وخدمة البادية والأحياء الشعبية من خلال الأعمال التطوعية. مما يمكن من فتح آفاق جديدة للعمل.
8. إدماج الشباب في مراكز المسؤولية واحتكاكهم مع ذوي السابقة والخبرة مما يكسبهم فعالية كبيرة وأداء متميزا في وقت وجيز.