الذوق سلوك الروح

Cover Image for الذوق سلوك الروح
نشر بتاريخ
مومنات نت
مومنات نت

بقلم: عطية معين

هذا العنوان هو لكتاب، خطه الداعية عباس السيسي (1) في إشارة إلى مجموعات من السلوكات والتصرفات التي تصدر من الناس عامة، وأبناء الحركة الإسلامية خاصة.

رصدها الأستاذ عباس السيسي في محاولة لعلاج ذلك مع دوام الود، وعدم التحرج والإحراج، مع الحرص على التحاب وحسن الظن. موجها نصائح وتلميحات يتذكرها وينتفع بها كل أخ – أو أخت – في الله يدفعه حبه لإخوته إلى تجنب ما قد يقع فيه من خطأ يتجافى مع الذوق السليم.

وقد سجل في هذا الكتاب ملاحظات وتصرفات تحدث منا أحيانا، أو غالبا؛ قد تكون عفوية عن غير قصد، أو عندما نتخطى ونتجاوز حدود اللياقة، مستغلين خجل إخوتنا، بإحراجهم ووضعهم في مواقف تضطرهم إلى مجاملتنا ومجاراتنا مرغمين باسم الأخوة الدينية وكظم الغيظ والصبر على الخلق…

وكـما نتشارك كــلـنا في الأخلاق فإننا نتفاوت في درجاتها، والآيات والأحاديث توضح ذلك، منها قول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” (رواه أحمد). وقوله عليه الصلاة والسلام: “إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا” (رواه الترمذي).

ويعتقد الكاتب أن الذوق هو الأخلاق حين ترتدي أجمل ثيابها، وهو عطر الأخلاق ونفحاتها.

والذوق هو قمة الأخلاق حين تتألق في إنسان وتتجلى في أحاديثه وتعاملاته التي تنطوي على أجمل المشاعر وأنبل العواطف. فالذوق حركة من لطائف الروح وصفاء القلب…

والذوق هو الإنسان في أبهى صورة وأرقى حضارة. وصدق الله الذي عظم شأن رسوله بالثناء على أخلاقه: وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ (القلم، 4).

ولقد اختلطت كلمة الذوق بالكلمة المتداولة اجتماعيا؛ “الإتيكيت”، والتي يعتبرها البعض خلقا أوربيا خالصا، في حين نجد أن الإسلام أول الأديان التي وضعت أساسا يتعامل فيه المؤمن مع الجميع، انطلاقا من قوله صلى الله عليه وسلم: “اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحسنةَ تَمْحُهَا، وخَالقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ” (رواهُ التِّرْمذيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ).

بل ويعتبر الذوق وأدب التعامل من أهم مكونات الشخصية المسلمة وليس من الكماليات.. بل هو أمر جمالي مهم في حياتنا. ويعتبر التعامل مع الآخرين أولى الخطوات في العلاقات الإنسانية والاجتماعية.

إن الــذوق مـبـني عــلى ثلاثة أسـس هــامة؛ و تعـتبر الأخلاق الحميدة أهمها وأولها؛ إذ إن المستوى الأخلاقي للأفراد والمجتمعات لهو خير دليل على تطورها وتمدنها ورفعتها بين الأمم. وثانيها هي حسن التصرف مع الآخرين، والإنسان ملزم بمعرفتها وتعلمها. أما الثالثة فهي التقاليد والعادات داخل كل مجتمع، ومن المهم أن يحترم الشخص تقاليد مجتمعه ولا يتخطاها، خاصة طريقة الأكل والشرب واللباس.

ويعتقد البعض أن الالتزام بالقواعد الذوقية تزمت وتصلب، وأن اتباعها يحد من الحرية، بل على العكس تماما؛ ذاك لا يدعو لقولبة البشر، بل يترك حرية التصرف للجميع شرط عدم تخطي حرية الآخرين.

الذوق سلوك مبني على التواضع والاحترام، عكس ما يعتقده البعض، وهو أساس فطري نقله إلينا الأجداد مندرجا في حسن التصرف.

ويعتقد البعض أن التكبر والتعالي يحافظ على ما يسمى بـ”البريستيج”، مع أن العكس هو الصحيح، فالبساطة والتواضع سبيل للنجاح وقوة الشخصية.

وهذا ما ورد في كتاب الله، حيث يقول جل وعلا في سورة لقمان: وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ  (19).

وأول ما يمكن الحديث عنه في الجانب الذوقي هو فن التعامل مع الوالدين، لمكانتهما الدينية والدنيوية ولأنهما أولى الناس بمراعاة الذوق في معاشرتهما.

– التأدب مع الوالدين:

ووجوب طاعتهما والإحسان إليهما والبر بهما، مصداقا لقوله سبحانه وتعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً (الإسراء، من الآية 23).

وبر الوالدين ليس آيات وأحاديث نرددها، وإنما تصرفات وسلوكات، نوضحها في بعض الأفكار التالية:

1. ذكر الوالدين عند المخاطبة بألفاظ الاحترام.

2. عدم حد النظر فيهما، خاصة عند الغضب.

3. عدم المشي أمامهما، بل بجوارهما أو خلفهما.. أدبا وحبا.

4. خفض الصوت عند مخاطبتهما وعدم مقاطعتهما.

5. عدم البدأ بالأكل قبلهما إلا إذا أذنا لك.

6. تلبية نداء الوالدين برضى نفس، وعدم التذمر من ذلك.

7. الدعاء للوالدين خاصة في الصلاة.

قال ذون النون رحمه الله: ثلاثة من أعلام البر: بر الوالدين بحسن الطاعة لهما ولين الجناح وبذل المال. وبر الولد بحسن التأديب لهم والدلالة على الخير. وبر جميع الناس بطلاقة الوجه وحسن المعاشرة.

8. عدم إكثار الطلبات منهما.

9. ملازمتهما عند المرض ما استطعت، وخدمتهما ومتابعة علاجهما، والحرص على راحتهما.

10. حفظ أسرارهما وعدم نقلها، وإذا سمعت عنهما كلاما يكرهانه فرده، ولا تخبرهما حتى لا يتكدر خاطريهما.

11. الأنانية تجعلنا نخطئ أحيانا.. ولكن الإيمان ورجاحة العقل  تساعدنا على الاعتذار لهما.

12. نحافـــظ عــلى اســم والــدينـا من السب  بأن لا نَسب… فذلك من دلالات البر.

– آداب التحية وإلقاء السلام:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده، لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم” (صحيح ابن ماجة، 57).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: “يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد والقليل على الكثير “ (سنن أبي داود، 5198).

 وإلقاء التحية خلق عظيم، ومدعاة إلى التآلف والتحاب.

– اللباقة في الحديث:

وتجمع اختيار نبرة الصوت المناسبة للكلام، والموضع، وكذا مراعاة المخاطبين. كما أن في رفع الصوت رعونة وإيذاء إلا ما دعت إليه الحاجة، مصداقا لقوله تعالى: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (سورة لقمان، من الآية 19).

وأيضا حسن الإنصات وعدم مقاطعة الآخرين أثناء تحدثهم، ومراعاة مستوياتهم في الفهم والإدراك، ومراعاة السن.

– طيب رائحة الفم:

إن المحافظة على رائحة الفم الطيبة، لهي من دواعي إقبال المستمع إليك وتقبله لك، فقد حث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على استخدام السواك، ونهى عن أكل كل ما من شأنه أن يجعل رائحة الفم نفاثة، خاصة عند الاجتماع بالناس. قال صلى الله عليه وسلم: “مَن أكَلَ ثُومًا أوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا، أوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا” (صحيح البخاري، 5452). وفي رواية: “أو ليقعُدْ في بيتِه”. وقال صلى الله عليه وسلم: “السِّواكُ مَطهَرةٌ للفمِ مَرضاةٌ للرَّبِّ” (تخريج صحيح ابن حبان، 1067).

– مراعاة شعور الآخرين وعدم إيذائهم:

جاءت الشريعة الإسلامية مطيبة للنفوس مراعية لمشاعر الناس؛ فكانت التعزية لأهل الميت تسلية ومواساة لهم، وكذلك التهمم لذوي القلوب المنكسرة جراء الظلم الاجتماعي والسياسي في هذا الزمان..

ولعل ما يطيب الخاطر هو ذكر بالخير، ودعاء، ومساعدة، وقضاء حاجة، وكلمة طيبة، وبذل مادي ومعنوي..

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الحرص عـلى عدم إيذاء شعور الآخرين، فكان يتحاشى أن يواجه الناس بالعتاب المباشر، فيقول: “ما بال أقوام…”، وأيضا: “إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر، حتى تختلطوا بالناس فإن ذلك يحزنه” (صحيح الألباني)..

– آداب الطريق:

قال تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرض هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلاَماً (سورة الفرقان، 63).

تعتبر هذه الآية معيارا ودستورا مؤسسا لآداب الطريق، ومنظمة للعلاقات الاجتماعية التي نص عليها الشرع الحكيم، وتدخل في باب العبادات فيثاب عليها المسلم ويؤجر.

وجاء النهي عن التسكع في المشي مع الحث على المحافظة على الذوق في الطرقات. فعن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إياكم والجلوس في الطرقات، قالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، قال: فأما إذا أبيتم إلا المجلس، فأعطوا الطريق حقه، قالوا: يا رسول الله، فما حق الطريق؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” (أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري في صحيحهما).

– حقوق الجوار:

روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “حق الجار أربعون دارا هكذا و هكذا و هكذا وهكذا؛ يمينا وشمالا وقداما وخلفا” (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) في تأكيد منه صلوات ربي وسلامه عليه على أهمية هذه العلاقة الإنسانية وضبط لها دون انتهاك لحرمة ولا تضييع لحق.

ونظرا لأن النساء كثيرات المكوث بالبيت وأكثر احتكاكا بالجارات كان لابد لهن من وصية خاصة ببعضهن البعض، فقد ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تحقرن جارة لجارتها ولا فِرسِنَ شاة” (متفق عليه)، ومعنى فرسن شاة أي الشيء اليسير جدا.

– الذوق وشبكات التواصل الاجتماعي:

لقد بات الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي شريكا أساسيا في حياتنا المعاصرة، فكان لا بد من قواعد ذوقية، حتى نتجنب الوقوع في مشاكل مع الآخرين خلال تعاملنا مع هذا النوع من التكنولوجيا.

فقد رصدت صحيفة “الغارديان” مجموعة من تلك العناصر؛ كالضحك على الإنترنيت، وطرق الخروج من مجموعات الواتساب، وكذلك متى يجب المشاركة أو التعليق، وآداب استعمال الفيديو، أو إجراء مكالمة صوتية أو مرئية… إلخ.

خاصة وأننا نتعامل مع عالم افتراضي تفتقد فيه لغة الجسد التي تعطي دلائل أو مؤشرات تقدم فيها على سلوكات بعينها أو تتجنبها.

ومن ثم كان لا بد من الحذر في التعامل من وراء ستار، تجنبا للوقوع في مشاكل مع المتلقي.

ثم إن الحرص على نشر الخصوصيات من صور المأكولات والحفلات والمشتريات، لفيه إيذاء لشعور الآخرين، وعدم اكتراث لحالاتهم النفسية والاجتماعية، وإذاية المسلم حرام.

وتقاسم خصائص الحياة الشخصية وأسرارها في بوح فج لا يليق بالمؤمن.

الــذوق روحــيـا

اهـــتم أطـباء الـقانون وعـلماء التربية بالذوق كسلوك ومعــراج للروح حتى ترتقي بالمسلم في مدارج الإيمان.

وسأعرض هنا نموذجا للمدرسة القادرية التي أسسها الولي “سيدي عبد القادر الجيلاني” (2) كنموذج تربوي روحي نهل من معين النبوة والسنة النبوية الشريفة، في عرض لسلوكات تربوية وتعاملات يومية، تهدف إلى تربية إرادة المتعلم أو المريد حتى يصبح صفاء بلا كدر، ويصير مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ عقلا و مشاعرا، دليلا وقدوة، مجاهدة وتجليا بأعمال أولي العزم. ومن هذه الأعمال:

– ألا يحلف بالله عز وجل صادقا أو كاذبا، عامدا أو ساهيا.

– أن يفي بوعــوده، وأن يعـمل على ترك المواعدة أصلا، حتى يتجنب الكذب أو الحلف.

– أن يتجنب لعن شيء وخلفه الله، ويبتعد عن إيذاء درة فما فوقها.

– أن يترك الدعاء على أحد وإن ظلمه.

– أن يتجنب النظر إلى المعاصي وأن يكف جوارحه عنها.

– أن يتجنب الاعتماد على الخلق في حاجته صغرت أو كبرت.

– أن يقطع طمعه من الآدميين فذلك الغنى الخالص والعز الأكبر والتوكل الصحيح.

– التواضع وبه تعلو منزلة العبد.

هـــذا عــلى النطـاق الفــردي، أما عــلى النطاق الجـماعي وعــلاقــات المــريـدين بعضهم ببعــض:

– أن يقدم الفرد منهم الآخرين في جميع حالاتهم، ويسعى في قضاء حاجاتهم.

– ألا يرى لنفسه على أحد حقا، ولا يطالب أحدا بحق.

– إظهار الموافقة لهم في ما يقولون أو يفعلون (إلا إن كان في موطن تشاور).

– أن يلتمس الأعذار لهم، ولا ينافرهم، ولا يجادلهم، وأن يتعامى عن عيوبهم.

– أن يتجنب فعل ما يكرهون ويحفظ مودتهم.

– ألا يحقد على أحد منهم، وإن خامر قلب واحد منهم كراهة له يتودد لهم حتى يزول ذلك، ويتحاشى إيذاءهم أو غيبتهم.

– على الغني منهم أن يؤثر الفقراء على نفسه دون أن يرى له بذلك فضلا.

– ألا يمــنــع أدواته عن إخوانه، وإن استعار شيئا رده، وينظر على ما في يده أنه ملك لله.

– إذا نزل رباطا أو مدرسة تأدب مع الشيخ والمريدين، ولا يكثر النوافل بين أيديهم ولا يكلمهم بأمور الدنيا، وأن يصاحبهم بآداب الشرع في كل أحواله.

أما فيما يتعلق بعلاقات المريدين مع المجتمع فنبرزها في هذه النقاط:

– يوالي الأشخاص ويجافيهم حسب طاعتهم لله عز وجل أو معيتهم له سبحانه.

– ألا يخالط المقصرين، وينفر من البطالين، ولا يعادي الناس وإنما المقصور موالاة القلب وبعضه.

– أن يعامل الناس بالشفقة والرحمة، ويحفظ حرماتهم، ويصبر على سوء أخلاقهم، ولا يستغيبهم، ولا يتبع عوراتهم.

– أن يـصـلـي أربع ركعات يجعل ثوابها لمن خاصمه منهم آملا أن يكفيه الله أمرهم يوم القيامة.

لقد كانت هذه مسيرة الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى في التعليم والتربية وتقوية الروابط الاجتماعية، واهتم أيضا بالأمور العامة كإصلاح الحكام، فحذر الناس من الانصياع لهم بما يخالف الشريعة، وكانت له مواقف عملية معهم.

وأصلح الأخلاق العامة الاجتماعية المعاصرة، وعمل على تنقية التصور مما طرأ عليه من انحرافات في الفكر والممارسة، ورده إلى وظيفته الأصلية كمدرسة تربوية هادفة.

وتكملة، بل وعودا إلى ما انتهجه السابقون من أئمة التربية وسيرا على النهج النبوي الحكيم، وضع الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله منهاجا تربويا من بين ما يتضمنه من عبادات وشعائر.. سلوكات ذوقية تعرج بالمؤمن إلى المقامات العلا، وتضبط علاقاته بالآخرين وفق كتاب الله وسنة نبيه وحياة الصحابة وسلوك أئمة التربية؛ بدءا من يوم المؤمن وليلته كبرنامج يومي، يعتبره الإمام “ورد الكسول”، تحفيزا للمؤمن والمؤمنة كي تشرئب أعناقهما إلى ما عند الله من خير وكرم، فالقناعة من الله حرمان، وانتهاء بالخصال العشر بشُعبها، فيتمثل المؤمن والمؤمنة هذه الخصال في كل تفاصيل حياتهما.

ولن يتأتى ذلك إلى بصحبة داخل جماعة تعين على وعثاء الحياة، وتأخذ إلى بر الأمان، شرط ذكر دائم غزير، وصدق قلبي يجلو الكدر وسوء النية والظن، فيجعل المقصد الله، والوجهة الله، وبذل الغالي والنفيس في سبيل ذلك، فهذه الطريق ليست للشحيحين بوقتهم ومالهم وجهدهم، فالأمة بحاجة إلى علماء عاملين.

ولا قيمة لعلم دون عمل يتزينان بتؤدة تجمل السلوك وتتحلى بالسمت الحسن فيكون المؤمن والمؤمنة بذلك شامة بين الناس، في اقتصاد وتوسط واعتدال،  فجهاد مستميت مع هذه النفس، لأن أعظم جهاد هو جهاد النفس ومخالفتها حتى تتخلى فتتحلى بمعالي الأمور.. في تدرج نحو أشكال وأنواع من الجهاد، تتنوع وفق حاجة البشرية؛ مواساة بالمال للمحتاجين، وحضور كلمة الحق والصدع بها عند تكالب الطغاة والظالمين، أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر.

مجاهدة ومصابرة ترقى بالمسلم في معراج ذوقي يحذو به طريق الأنبياء والمرسلين، فلا دين لمن لا خلق له، وحرمة المسلم عند الله أشد من حرمة الكعبة، فما بالك إذا كانت الإذاية؛ كلمة لا نلقي لها بالا، أو نظرة انتقاص واستهزاء تحط من الكرامة وتشعر بالمهانة، أو إثقال كاهل بطلبات تفوق التحمل يتقبلها الآخرون مكرهين بداعي الأخوة، مما ينتج عنه سوء ظن يجلب التنافر.

فاللهم ارزقنا الذوق، وجمل به أخلاقنا ومعاملاتنا، واجعلنا خفافا لا ثقالا، مخمومي القلب صادقي اللسان.


(1) عباس السيسي، من مواليد 1918، أحد أشهر دعاة جماعة الإخوان المسلمين بمصر، توفي سنة 2004.

(2) عبد القادر الجيلاني، الغنية لطالبي الحق، تحقيق فرج توفيق الوليد، مكتبة الفكر، بيروت 1998، ج 3.