“الحمار الذي أكل الدستور”: تحليل نقدي من د. منار للمسار الدستوري وتخمينات رئاسة الحكومة

Cover Image for “الحمار الذي أكل الدستور”: تحليل نقدي من د. منار للمسار الدستوري وتخمينات رئاسة الحكومة
نشر بتاريخ

يستعرض المحلل السياسي الدكتور محمد منار في حلقة جديدة من بودكاست “مساحة وضوح” قراءة نقدية عميقة للواقع الدستوري المغربي بعد مرور عقد ونصف على وثيقة 2011، مستحضرا استعارة “الحمار الذي أكل الدستور” كرمزية لتجاوز روح النص. ويرى منار أن الجدل الدائر حاليا حول هوية رئيس الحكومة المقبل ليس سوى “نقاش مغلوط” في ظل بنية سياسية “كبلت إلى أبعد الحدود” الهوامش الديمقراطية، مؤكدا أن الممارسة السلطوية أفرغت المؤسسات من محتواها.

“الحمار أكل الدستور”: دلالات الخرق ومحدودية النص

أكد عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان الدكتور محمد منار أن عبارة “الحمار أكل الدستور أي أن الدستور تم خرقه”، تعني أن روح الدستور والأقفال التي كانت على مستوى نصه وطبيعة الممارسة السياسية السائدة “كبلت إلى أبعد الحدود الحركة في تلك الهوامش والمساحات على علاتها”.

وأوضح أن أصل العبارة يعود إلى مسرحية سورية قديمة في أواخر سبعينيات القرن الماضي، ومنذ ذلك الحين “أصبحت تلك العبارة عبارة ترمز إلى خرق الدستور وأضحت متداولة بين الباحثين والسياسيين” للتعبير عن تجاوز القواعد القانونية.

واعتبر أن “الدستور الذي لا يوضع بطريقة ديمقراطية لا يمكن أن يكون مضمونه ديمقراطيا”، مشددا على أن “كل ما تم إقراره من مستجدات دستورية لم يتضمن تغييرات بنيوية في طبيعة النظام السياسي”. وإنما فقط تغييرات توازنية فرضتها مرحلة الاحتجاج.

“الأحكام السلطانية”: الدستور أبقى السلط المهمة في يد الملك

ويرى المحلل أن الهندسة الدستورية الحالية وإن كانت تقر استقلال السلطات من حيث النص، فإن ذلك ينحصر في السلطات الأدنى من السلطة الملكية التي “تبقى فوق كل السلط والمؤسسات”، لتبقى “الأحكام السلطانية” أقرب إلى فهم دلالات فصل السلطات في النظام السياسي المغربي منها إلى نظرية فصل السلطات كما صاغها مونتيسكيو.

واسترسل المتحدث، موضحا أن الدستور “حافظ للملك على مجموعه من السلط المهمة في كل المجالات تقريبا”، بما فيها المجال الديني من خلال الفصل 41، والمجال السياسي والوطني والرمزي من خلال الفصل 42، والمجال التنفيذي من خلال الفصول 47 48 49، والمجال التشريعي من خلال فصول 50 51 52 95.

ومن ذلك أيضا المجال العسكري والأمني من خلال الفصلين 53 و54، وكذا المجال الخارجي من خلال الفصل 55، فضلا عن المجال القضائي من خلال الفصول 56 57 58 107 130، وفي مواضيع أخرى منها مراجعة الدستور، من خلال الفصل 174، وموضوع حالة الاستثناء من خلال الفصل 59 ومجالات أخرى كثيرة.

وبينما شدد منار على أن حركة 20 فبراير استطاعت أن تدفع بنص الدستور إلى الأمام، وضح في المقابل أنها لم تبلغ الدستور الديمقراطي التي كانت تطمح إليه، لافتا إلى أن السبب الرئيسي في ذلك هو “عدم دعم جل الأحزاب السياسية لهذه الحركة”.

حصيلة 15 سنة: تراجعات حقوقية ومؤسسات “محكومة”

يرى منار أنه بحلول شهر يوليوز من هذا العام 2026، يكون قد مرت15  سنة على إصدار دستور 2011؛ أي عقد ونصف من الزمن، وهي المدة التي يرى أنها تستوجب “التقييم ومساءلة المسار والممارسة الدستورية”.

وتبعا لذلك؛ سجل المتحدث “التراجع الكبير على المستوى الحقوقي ومستوى الحريات”، من خلال المتابعات والاعتقالات بسبب الرأي والتدوينات على الفيسبوك، واستمرار اعتقال الشباب، والتضييق على المعارضين وتشميع البيوت… هذا فضلا عن غياب كل ما تحدث عنه الدستور من ديموقراطية تشاركية وحوار وإشراك للمجتمع المدني الذي كان قليل منه في البداية، لكنه تبخر ولا نجد عنه شيئا في الواقع.

وأكد بمرارة أن “الحكومة ليست هي السلطة التنفيذية” كما جاء في الباب الخامس من الدستور نفسه، مشيرا إلى أنها محكومة وفق العبارة الشهيرة التي ترفع في الاحتجاجات، موضحا أن “العديد من الأمور تنفذها الحكومة وتنزل عليها من الفوق” بعيدا عن استقلاليتها المفترضة.

ووضح أن “البرلمان له دور تشريعي ورقابي جد محدود”، حيث سجل أن أغلب القوانين يتضح أن مصدرها الظاهر من الحكومة، كما سجل الفشل المتوالي في مساءلة الحكومة، فضلا عن “ملتمس الرقابة” الذي لم يقدم إلا مرة واحدة منذ انتخاب أول برلمان سنة 1963. بالإضافة إلى عدم ممارسة “حق العفو العام للبرلمان” رغم هذه الانتهاكات الصارخة”.

الدستور بين الرهان على التأويل والمرتكزات الديموقراطية

وأكد المحلل أن “الرهان على التأويل والتفعيل الديمقراطي للدستور يكون رهانا خاسرا إذا لم تكن هناك مرتكزات ديمقراطية واضحة في نص الدستور، وإذا لم تكن هناك نخب سياسية تتحمل مسؤوليتها”، داعيا إلى قطع الطريق على “ثقافة السعي لرضا الجهات العليا” على حساب الدستور وعلى حساب الشعب.

وإذا كان الدستور مهما فإنه لا يقل أهمية عن مسؤولية الالتزام به يقول منار، لأن الدستور ليس تلك العصا السحرية التي يمكن أن تنقلنا بين عشية وضحاها “من واقع سلطوي إلى واقع كله عدالة وكرامة وحرية”، لافتا إلى أن الدستور ومسؤولية الالتزام به يشكلان الدعامة الأساسية لكل تغيير حقيقي.

وبعد الحديث عن غياب إي حديث عن المطالبات بالإصلاحات حرصا على سلامة الحياة السياسية، رغم ما تأكد من اختلالات دستورية، خلص منار عطفا على ما تطرحه الوثيقة السياسية لجماعة العدل والإحسان، إلى أن المخرج يكمن في “وضع الدستور بطريقة ديمقراطية” عبر “صياغة ميثاق جامع عن طريق الحوار والتوافق يعبر عن الرؤية التي يريدها المغاربة لبلدهم”، و”انتخاب الهيئة التأسيسية المكلفة بوضع مشروع الدستور الجديد”، ثم عرضه على “استفتاء حر ونزيه وشفاف”، بعد فسح المجال للاقتراح الشعبي ومنح مهلة كافية للهيئة التأسيسية لإعداد مشروع الدستور.

تخمينات رئيس الحكومة: “الولاء” أولا قبل الكفاءة

وفي محور آخر من البودكاست، يعتقد منار أن “الكلام الذي راج وانتشر بكثرة هذه الأيام هذه التخمينات بخصوص من سيكون رئيس الحكومة” قد يتضمن “محاولة لجص النبض وقد يكون مؤشرا على ما يطبخ فعلا”.

وأكد جازما أن “تحديد رئيس الحكومة لا يكون الحاسم الأول فيه الانتخابات”، مشيرا إلى أن “الحاسم الأول فيه اختيارات فوقية وتوجهات فوقية” تسبق يوم الاقتراع، معتبرا أن الممارسة أثبتت ذلك، ومن ذلك رئيس الحكومة الحالي “الذي أريد له أن يكون رئيس الحكومة قبل انتخابات 2021 ولذلك تم إلحاقه بالتجمع الوطني للأحرار وجعله رئيسا له وتم دعمه”.

ويرى منار أن الضجيج الحالي حول المنصب يصدق عليه قول المغاربة “المندبة كبيرة والميت فار”، مؤكدا أن “رئيس الحكومة في الواقع السياسي المغربي أصبح لا يشكل في حقيقة الأمر تحديا أو رهانا”، مشددا على أن الشرط الأول لتكون رئيس الحكومة في المغرب هو “الولاء أما الكفاءة وتحمل المسؤولية في الفعل فهذا لا اعتبار له أو في أحسن الأحوال يأتي في المرتبة الثانية”.