في هذه الأيام تتوجه القلوب وترنو الأبصار وتتأجج الأشواق ويزداد الحنين، إلى البيت العتيق والمشاعر المقدسة إلى عرفة والمزدلفة، ومنى والملتزم والحطيم وزمزم، إنها المشاعر التي حركت المشاعر فنطق وجدان الشاعر:
أشـواقنا نحــــو الحجـاز تطـلعــت
كحنين مغترب إلى الأوطـان
إن الطيور وإن قصصت جناحها
تسمو بفطرتها إلى الطيـرانب 1
فالحج فضائل ونوائل، ومثوبات ومكارم، وأسرار ومسائل، فالحج باب رحب لحط الأوزار، وغسل الأدرانِ، وتكفير الخطايا والرزايا، وانقلاب في العادات والذهنيات، وتربية للروح الجماعية وإعداد للرجال الرواحل ما إن حججنا حجا منهاجيا مبرورا، فكيف السبيل لذلك؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في هذه الأسطر متوكلين على الله، مستندين لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسترشدين ببعض ما أثله ودعا إليه الإمام المجدد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى.
أولا: الحج المبرور والمداخل التأسيسية
لنعلم هل حجنا حج منهاجي مبرور نعرض أحوالنا على ثلاثة مداخل تأسيسية، فمن صحت بدايته صحت نهايته، وفيما يلي تفصيل ذلك:
1. مدخل كمال الفهم
من الفهم أن ندرك أن الكمال هو التجرد عما سوى الله، لذلك فقد أنعم الله على هذه الأمة بالحج إذ فيه التجرد عن الأهل والترفه وفيه اختيار الغربة عن الأقارب والعشائر والمساكن، بل وفيه أعمال كثيرة لا حظ للنفس والعقل فيها قال تعالى: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ(سورة الحج، 32)، قال بعض العلماء: أداء الشعيرة شيء وتعظيمها شيء آخر، من تعظيمها أن تؤديَها كما فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن تعظيمها أن تؤديها على شوق وطيب نفس، لا على تأفف وتململ، فلا يعقل ولا يقبل أن يتحرى الحاج سنةً أو مستحباً، ويرتكب من أجلها معصية، أو يتجاوز فريضة، فلا يُعقل ولا يُقبل أن يذهب الحاج إلى بيت الله الحرام قبل أن يتفقه بأركان الحج، وسننه، ومستحباته، وصفة حجة النبي عليه الصلاة والسلام، وما ينبغي أن تكون عليه أخلاق الحاج، يقول عمر رضي الله عنه: “تفقهوا قبل أن تحجوا” 2، فالعبادة في حقيقتها تعني خروج العبد من مراده إلى مراد ربه، وهذا يبدو جلياً في الحج، فالحج لغة القصد والمقصود الله في بيته. والمؤمن دائما في حج لأنه يقصد الله في شأنه كله، في نيته وعمله. وإذا كانت مناسك الحج لأيام معدودات، فإن الحج أشهر معلومات، والحج قبل ذلك وأثناءه وبعده قصد يستغرق سنوات العمر، فليحرص كل حاج مع الأفعال والأقوال على الأحوال، وهذا ما أشار إليه الإمام المجدد رحمه الله تعالى بقوله: “الحج حركات حسية في أماكن ومبانٍ مقدسة تتعلق بجسمانيتها جسمانيتنا، وبمعناها المقدس الخفيّ عنا معنانا وقلبنا وأشواقنا وروحنا. شعائر وحركات للتعظيم، يأتيها المسلمات والمسلمون من مختلف جهات الشوق، وبقاع الأرض، وألوان الخلق، ودرجات الإيمان. فيُفيض الله تعالى رحمته على العباد، ويغفر الذنب، وتَخرج الحاجة المقبولة بيضاء الصفحة جزاء بما أذعنت وأطاعت ورضيت وفرحت بأعمال تقصر الأفهام عن إدراك مغزاها. ويرفعها الامتثال وروح العبودية في الطواف والسعي والوقوف بعرفة إلى الدرجة العليا من القربات” 3 فبما تشعر أيه الحاج وأنت تطوف؟ وبما تشعر وأنت تسعى؟ وهل عاهدت الله في عرفات؟ وما أُلقي في روعك…؟
2. مدخل كمال الهم
هم قطع العلائق ومن معانيه رد المظالم والتوبة النصوح فلا يقدم على الله قدوم العبد العاصي فيرد، وهم قطع علاقة القلب عن الالتفات إلى ما وراءك لتكون متوجها إليه بوجه قلبك كما أنك متوجه بوجه قالبك. وليتذكر الحاج عند قطعه العلائق لسفر الحج قطع العلائق لسفر الآخرة وهذا السفر آت لا محالة، وها هنا لا بد من الصحبة والجماعة فلقد طار بعض العارفين في سماء الحج، وسبحوا في بحوره الواسعة بل غاصوا فيها، فكانت لهم لمحات وضيئة ينبغي أن تستحضر، فخلع الحاج لملابسه المَخيطة والمُحيطة، والتي تعبر بشكل أو بآخر عن دنياه، عن حجمه المالي، عن مرتبته الاجتماعية، بل عن درجته العلمية أحياناً، وارتداؤه اللون الواحد، والتصميم الواحد تجسيد لقيمتي العدل والمساواة، وتجلية لفطرة الإنسان السليمة في مواجهة خالقه الواحد الديان؛ فطرة تذكره بكفنه ولفه فيه، وتدخله في أفق الممنوعات حتى في باطنه إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(سورة الحج، 25)، وقيل: عن الطواف حول البيت أنه طواف المحب حول محبوبه، وتوثيق للعهد بين العبد وربه، وتعبير عن حب عميق لرمز التوحيد، فنعظم الكعبة والحجر الأسود لا لذاتيهما، ولكن نعظمهما لما يرمزان إليه، فالكعبة بيت الله، والحجر يمين الله، فمن فاوضه فقد فاوض كفَّ الرحمن وغير ذلك كثير، ويأتي موقف عرفة بما هو صورة مصغَّرة للمحشر العظيم يوم القيامة، وعليه أن يستعدَّ له منذ الآن لأن رحلة الحج يعود منها إلى وطنه، ولكن المحشر العظيم يوم القيامة لا عودة منه، وفي هذا المعنى يقول الإمام المجدد رحمه الله تعالى: “يجمع الحج في مكان وزمان محدديْن كافة المسلمين ليُشعِرهم أولا أنهم في الدنيا عابرو سبيل، يذكرهم لباسُ الإحرام بكفن الموت، ويذكرهم شظف الحياة وشَعَثُ الحالة الجسدية وتعب التنقل والحمْل والحط أن الدنيا دار امتحان وتَعب لا دار استرواح ومتعة” 4
3. مدخل كمال العزم
كيف أعزم وأنت القاهر وكيف لا أعزم وأنت الآمر، حكمة عطائية تجعلنا نوصي المسلمين بعقد العزم على الحج وفي ذلك تعبير عن الشوق والاشتياق، والتخطيط لإعماله وفي ذلك تحقيق لشرط الاستطاعة والاستباق، والتنظيم الجماعي لرحلات الحج جماعيا وفي ذلك تجسيد للنجاعة والاستحقاق، يوصي المجدد رحمه الله جند الله بتنظيم رحلات الحج مستحضرين كل هذه المعاني بقوله: “يتخذ جند الله الحج، وهو الفريضة الركن، مناسبة لتنظيم رحلتهم. والرحلة والمناسك مناسبة لتحصيل منافع التعارف والصحبة، والتدريب على الصبر. ثم لنشر الدعوة، وإفشاء روح التجديد في الشعوب الإسلامية الممثلة في الموسم بمستضعفيها، وكما يستعمل الإسلام الرسمي الجبري ممثليه في توطيد الدعاية للحكام الجبريين كذلك نبث نحن روح التجديد بوسائلنا إلى أن يأذن الله بتحرير الحرمين فيعود إلى الحج معناه الذي كان له في حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حجات خلفائه الراشدين.” 5
ولتجسيد هذه المعاني يوصي كثير من العلماء العاملين والخبراء المجربين بخمس “صادات” هن شروط نجاح الحاج والمعتمر وفلاحه ينبغي أن يضعها في الحسبان ونصب الاعتبار، وأن يوليها واسعا من الاهتمام والاحترام وهي: الصلاة في وقتها داخل الحرم لا خارجه؛ وبالصحبة لأنها دليل على الخير ومعين على البر وعاصم من الفتنة والعجز والكسل، وحافز على الفطنة واليقظة والعمل؛ وبالصبر بأنواعه الثلاثة الملازم للصلاة والصحبة؛ وبالصرف وهو مالك الذي جمعته من حلال وتنفقه في حلال، وأخيرا يوصون بالصدق وهو من أمهات الخصال.
ثانيا: الحج المبرور والمقاصد الأصلية
الحج عبادةٌ تتّحد فيها عناصر كثيرة كالخضوع والتضرّع والزهد والتقوى وذكر الله والتضحية في سبيله، وإنفاق المال والانقطاع عن الشهوات وملذّات الدنيا لإظهار العبودية لله عز وجل في أنقى وأعمق حالاتها، لا مجرد “تراث حضاري وطقوسٌ وراثية يتعرف فيها الممارس على هويته بتقليد الآباء والأجداد، ويوثق الصلات بجذوره القومية بالسير حيث ساروا وترديد ما قالوا” 6، كما يدعي أصحاب الفكر التسطيحي والخطاب القومي الذي “زهقت منه الروح وبقي جسما ثقافيّاً يتنفَّس هواء الجاهلية وينطق نطقها” 7، ولذلك سأمر سراعا وباختصار شديد أسأل الله ألا يكون مخلا لأعرج في هذا المحور على أسرار الحج وحقائقه، فلا يُعقل ولا يُقبل أن تُؤدى هذه العبادة الجليلة أداءً بعيداً عن مقاصدها ونتائجها وهذه ثلاث حقائق وثلاثة مقاصد على كل حاج أن يستحضرها ليسهل عليه بعد ذلك كمال الإقبال وحسن الإعمال والله الموفق لكل خير.
أولا: الحج سفرٌ إلى الله تعالى ووفادةٌ إليه
اعلم أيها الحاج الموفق أن الحج رحلة قلوب لا رحلة قوالب، رحلة أفئدة لا رحلة أبدان، رحلة أرواح لا رحلة أشباح، قال الله تعالى: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾(سورة إبراهيم، 37)، وقال حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم: “الْحُجَّاجُ وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللَّهِ إِنْ دَعَوْهُ أَجَابَهُمْ وَإِنِ اسْتَغْفَرُوهُ غَفَرَ لَهُمْ” 8 ومدخل بلوغ ذلك واحد وحيد ألا وهو تصحيح القصد، فالحج إذن سيرٌ وسلوكٌ معنويٌّ وهجرةٌ إلهية، وشعبة إيمان تورث الرضوان، وشعيرة ربانية تعظيمها طريق للغفران، وفريضة شرعية مدخلها الاصطفاء ومخرجها الارتقاء؛ سفر معنوي تتجلّى فيه العبودية لله بأجلى صورها وأبهاها، وعنوان للخضوع التام لملك الملوك فعلا وتركا، ومن تم صار على الحاج آكدا أن يصحح عزمه بالإخلاص فليبعد عزمه عن كل شوائب الرياء والسمعة والشهرة والجاه فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم، وللحج منافع عديدة أذن بها الشرع نهدف لتحقيقها بالقصد الثاني بعد القصد الأول الذي هو إخلاص العبودية لله.
ثانيا: الحج استِسلام وانقياد لله عز وجل
فالحاج يَسلُك سبيل الاستِسلام والانقياد؛ فيُعلِن منذ أن يُحرِم ذلك التصوُّر بقوله: (لبَّيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنِّعمة لك والملك لا شريك لك)، تأسيا واقتداء بخليل الله عليه السلام الذي أكد مفهوم الاستِسلام يوم أن قذف في النار، فقال: حسبي الله ونعم الوكيل، وأكد الانقياد يوم أن أمر بأن يأتي بأهله بوادٍ غير ذي زرْع، فتركهم هناك، وأكد غاية القَبول يوم أن أمر بذبح ولده وفِلذة كبده إسماعيل عليه السلام فأطاع.. وكذلك فعلت أسرته، فلا يُعقل ولا يُقبل أن يقتصر أمر الله في هذه الفريضة على أن يأتي الحاج من بلاد بعيدة ليجلس في المشاعر المقدسة دون أن يشعر بأية مشاعر مقدسة، يأكل وينام ويتكلم في شؤون الدنيا، إن أمر الله في هذه العبادة ليس كذلك، وهو أعظم وأجلّ من أن يكون كذلك، أن تأتي إليه من بلاد بعيدة لتحقق وجودك المادي في المكان ليس هذا هو الحج، بل الحج انقياد شوق وتشام وذوق، ومدخل بلوغ ذلك واحد وحيد ألا وهو تجديد الود، فإنما ينبعث الشوق لزيارة بيت الله عز وجل، إذ شرفه بالإضافة إلى نفسه ونصبه مقصدا لعباده. فقاصده قاصد إلى الله طامع في رضاه راجيا النظر إلى وجهه الكريم في دار القرار، والمستلم المقبل المشير للحجر الأسعد مستلم ليمين الله، فالشوق إلى بيته يشوقه إلى رب البيت والمحب مشتاق إلى كل ما إلى محبوبه إضافة، فكيف لا أشتاق للحج ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عنه: ”الحج يهدم ما قبله“ 9، كيف لا أشتاق للحج وهو عليه الصلاة والسلام يقول: ”تابعوا بين الحج والعمرة فإن متابعة بينهما تنفي الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد” 10، كيف لا أشتاق للحج والمصطفى صلى الله عليه وسلم يقول: ”ثلاثة في ضمان الله عز وجل رجل خرج إلى مسجد من مساجد الله. ورجل خرج غازياً في سبيل الله، ورجل خرج حاجاً“ 11، كيف لا أشتاق للحج وهو الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم يقول: “إن عبداً أصححت له جسمه، وأوسعت عليه في المعيشة، يمضي عليه خمس أعوام لا يفد إلي لمحروم“ 12، كيف لا أشتاق للحج وسيد الخلق الحبيب للحق يقول: “من لم تحبسه حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو منع من سلطان جائر ولم يحج، فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا” 13، كيف لا أشتاق للحج والعلامة ولي الله الدهلوي يقول في كتابه حجة الله البالغة: “وربما يشتاق الإنسان إلى ربه أشد شوق فيحتاج إلى شيء يقضي به شوقه فلا يجد إلا الحج” ولله در الشاعر إذ يقول:
يا راحلين إلى منـى بقيـادي
هيجتم يوم الرحيـل فـؤادي
سرتم وسار دليلكم يا وحشتـي
الشوق أقلقني وصوت الحادي
حرمتم جفني المنـام ببعدكـم
يا ساكنين المنحنـى والـوادي
ويلوح لي ما بين زمزم والصفا
عند المقام سمعت صوت منادي
ويقول لي يا نائما جد السـرى
عرفات تجلو كل قلب صـادي
من نال من عرفات نظرة ساعة
نال السرور ونال كل مـرادي. 14
ثالثا: الحج نقلة وانقلاب ومدرسة ومنهاج حياة
“الحج نقلة في العادات لتنقلع النفس عن أرض كسلها وعبثها وارتفاقها” 15، الحج انقلاب “يخرج المرء من عاداته وأنانيته وإلفه ورخاوته إلى التقيد بالشرع في الحركة والكلمة والخطرة، إلى التواضع والتخلق والتحمل” 16، الحج مدرسة لشحذ الهمم و”استنهاض للنفوس أن ترتفع عن صغائر الأمور وسفسافها إلى التجرد عن الماديات، بالتقلل منها، والصبر على دواعي الغضب ونوازع الشهوة” 17، الحج اختيار وتقوية وتدريب وتربية للروح الجماعية، لرابطة الأمة الواحدة وذكر الله هو الهدف والزاد، “فالحج جهاد من أشرف الجهاد، كله للذكر وبالذكر. قال رسول الله ﷺ فيما رواه أبو داود والترمذي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، ورمي الجمرات لإقامة ذكر الله” 18، ومدخل كل ذلك تجديد العهد، فعلى كل مؤمن أن يجعل من الحج فرصة للوفاء بعهد “طهرا بيتي”، فليكن أكثر عمل الحاج في موسم الحج الطواف والاعتكاف والركوع والسجود، والقلب بيت الرب كما جاء في الأثر، فليكن فهم الآية على نحو أدق وأعمق. طهر قلبك للطائفين… فلا حالقة من غل أو كراهية أو حسد، بل حلم وسماحة، وعفو وصفح، وإفشاء روح التجديد في الشعوب الإسلامية الممثلة في الموسم بمستضعفيها، وليكن خير الحجاج متعديا للغير غير قاصر على النفس، فلنحرص في حجنا على تصحيح القصد وتجديد الود وتجديد العهد وترشيد الجهد وتكثير الورد لاستمطار المدد.
ثالثا: الحج المبرور والمخرجات العملية
الإمام عبد السلام ياسين رحمة الله عليه لم يتعامل مع الحج باعتباره عبادة شعائرية فردية فحسب، بل عده محطة كبرى للتزكية والسلوك إلى الله، ووسيلة معتبرة لإعداد “جند الله” وبناء “جماعة المسلمين” وتحقيق معاني “الأمة الجامعة”، فالحج عند الإمام محطة من محطات التوبة الانقلابية واليقظة القلبية، وفرصة من الفرص السانحة لتجديد الإيمان، والاستمداد من الرحمان، وتجسيد معاني العدل والإحسان فالحج في نظره ليس نزهة، بل هو مناسبة للمجاهدة والاجتهاد تتطلب صبرا ومصابرة، وصحبة وجماعة، ففي الحج يتحرك الحجاج كجسد واحد، يتعلمون فيه نكران الذات وخدمة الآخرين، والتحلي بمعاني “الإحسان” الثلاثة في نفس المؤمن؛ وفي حركة الجماعة المجاهدة، فالإمام المجدد رحمه الله تعالى ينظر للحج كـ “مؤتمر سنوي عام” للمسلمين يمهد لتحقيق وحدة الأمة، “فأي منفعة أعظم للمسلمين من جمع شملهم ليتأتى لكل منهم ذكر الله ومعرفته، ليتأتى للأمة أن تسمع رسالة ربها للعالم، وتكون بوحدتها من القوة بحيث يحترم صوتها ويقدر؟” 19، ففي الحج تذوب الفوارق الطبقية والعرقية وتبرز الأخوة الإيمانية.
على سبيل الختم
الحج المبرور في شرع ربنا، وفي سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وفي مشروع إمامنا رحمه الله تعالى هو سلوك فردي نحو الخالق، وانخراط جماعي في هموم الأمة، إنه رحلة توبة وإنابة إلى الله بالقصد والعبودية، رحلة تزكية للنفوس وتصحيح للنيات والعزمات، رحلة تجديد للإيمان وتوحيد للأوطان، محطة للتذكير بالنبأ العظيم، فالحج المبرور عند الإمام رحمه الله تعالى هو الذي يفيض على صاحبه رحمة ونوراً، وينعكس على سلوكه وأخلاقه حكمة وحضورا، ويجعله يعود “نقيّاً تقيّاً طيباً زكيّاً”، وباختصار شديد الحج المبرور “رحلة عمر” تربوية لإعادة بناء الإنسان المسلم، وربطه بربه وبالأمة الإسلامية، وختاما أورد القطف 414 للإمام المجدد رحمه الله تعالى يتحدث فيه عن كل هاته المعاني شعرا، نسأل الله تعالى أن يوفقنا لإعمالها:
الحجُّ رُكْنٌ شَامِخٌ
مِنْ دِينِنا السَّمْحِ النّزِيهْ
هُوَ لِلْجِهَادِ تَدَرُّجٌ
مِنْ ذابِلِ العَيْشِ الرَّفِيهْ
فِيهِ النُّفُوسُ تَفَطَّمَتْ
بالحَزْمِ عمَّا تَشْتَهيهْ
وتَزَهَّدَتْ وتطَهَّرَتْ
فالحجُّ لاَ أَرْجَاسَ فِيهْ
وتَنَزَّهَتْ عَنْ كُلِّ سَفْـ
ـسَـافِ الأُمُورِ وعن مُلاَحاةِ السَّفيهْ
طَافَتْ بِبَيْتِ اللهِ كَيْـ
مَا تَهْتَدِيَ وَلاَ تَتِيهْ
صلى الإله على النبيِّ
وآلِــهِ والتَّــابِـعـيــهْ 20
[2] أثرٌ جليلٌ ينسب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه
[3] عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات ج 1، ص295.
[4] عبد السلام ياسين، الشورى والديمقراطية، ص: 133.
[5] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص 465.
[6] عبد السلام ياسين، الإحسان ج 2، 458.
[7] الإحسان ج 2، 458.
[8] أخرجه ابن ماجة (2892)، والطبراني في ((الأوسط)) (6311).
[9] أخرجه ابن خزيمة (2515) واللفظ له، ومسلم (121)
[10] أخرجه ابن خزيمة (2515) واللفظ له، ومسلم (121).
[11] أخرجه الحميدي في ((مسنده)) (1090)، والفاكهي في ((أخبار مكة)) (926)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (9،251).
[12] أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (486)، وابن حبان (3703)، والبيهقي (10695).
[13] الحديث ضعيف الإسناد، أخرجه الدارمي (1785) واللفظ له، وأبو يعلى في ((المعجم)) (231).
[14] قصيدة للشاعر عبد الرحيم بن أحمد بن علي البرعي اليماني.
[15] المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص 464.
[16] نفسه، ص 465.
[17] نفسه، ص 465.
[18] الإحسان ج 1، 222.
[19] المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص 465.
[20] المجموعة الشعرية الكاملة، ص 309.