التنمية الممتنعة

Cover Image for التنمية الممتنعة
نشر بتاريخ
علي بادي
علي بادي

التنمية هَم يسيطر على عقول الأفراد والمجموعات، حكاما ومحكومين، وهي هوس يسكن العالم المتقدم منه والنامي والمتخلف. التنمية عملية تغيير تستهدف الأفراد والبلدان بما ينسحب نفعه على الجوانب المادية والمعنوية.

التنمية استثمار فيما أودعه الله تعالى في كونه من إمكانات وطاقات ليعود خيره على الإنسان خليفة الله في أرضه، ويشمل بعد ذلك كل المخلوقات، لا أن تصير هذه الطاقات هدرا وفسادا يعم البر والبحر.

بقي مفهوم التنمية لردح من الزمن، خاصة في النصف الأول من القرن العشرين، لصيقا ومقتصرا على الميدان الاقتصادي بما يعنيه من زيادة في أحجام الإنتاج وبلوغ الأسقف العالية منه وتطوير بنياته وهياكله. ثم انتقل المفهوم إلى الميادين الأخرى فصارت ساكنة العالم وقادته تتحدث عن التنمية الثقافية التي تستهدف الرفع من نسب التعليم والتمدرس وزيادة مستوى الوعي لدى الأفراد. ثم ظهر مفهوم التنمية السياسية الذي يرتبط بنشر الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، ثم التنمية البيئية التي تركز على حماية الأوساط والموارد الطبيعية والمحافظة عليها وترشيد استغلالها، وهكذا سار الأمر في باقي المجالات، إلى أن أحدث برنامج الأمم المتحدة للتنمية (PNUD) سنة 1990م ما سمي بمؤشر التنمية البشرية الذي يشمل ثلاث جوانب أساسية في حياة الأفراد والبلدان وهي: معدل الدخل الفردي ومعدل أمد الحياة ونسبة التمدرس والأمية.

وللأسف فإن ترتيب المغرب في لائحة بلدان العالم حسب مؤشر التنمية البشرية الذي يصدر سنويا تصنيفا لدول العالم، مازال متأخرا كثيرا وهو ما يترجم الواقع المأزوم الذي مازالت البلاد تترنح تحت كلكله. وما قيل عن هذا المؤشر يسري على مؤشرات وتصنيفات دولية أخرى كثيرة.

أما في بلداننا العربية الإسلامية فالتنمية هدف منشود، لكن وسائله وأفقه مسدود، تحول دونه الكثير من العقبات والسدود، الداخلية منها أكبر وأبعد تأثيرا من الخارجية، وما ذلك إلا لسوء التدبير والتبعية للخارج التي مازالت أوطاننا ترزح تحتها.

في المغرب يرفع شعار التنمية والسعي إلى تحقيقها بين الفينة والأخرى، وتُشكل لذلك الهيئات والمؤسسات والمجالس، وتُصاغ الخطط والبرامج، وتُصرف من أموال الشعب المبالغ الطائلة والجهود المعتبرة، لكن من دون تحقيق النتائج المرجوة، بل حتى دون إدراك جزء منها. ويستمر المسلسل، مسلسل التراجع والفشل الذي يلمسه المغاربة في واقعهم اليومي على شكل قطاعات حكومية عاجزة وخدمات محدودة لا تغطي كل مناطق المغرب ولا تسع كل فئات المغاربة.

التنمية في المغرب مازالت ممتنعة عن برامج الدولة التي لا تهتدي إلى طريق سالك يوصل إليها، ومتمنعة عن أصحاب القرار بالبلد نظرا لغياب التربة الصالحة لزراعتها ونموها. يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين “التبذير من عمل الشيطان. أضفه إلى شيطنة الرأسمالية وربويتها لتجد معادلة إفلاس المستضعفين في الأرض وفي مقدمتهم المسلمون. كم حاكم تساوي ودائعه في أبناك الحضارة الربوية ديون بلاده. التبذير وسرقة أموال المسلمين والمسلمات أشد على المسلمين من الكوارث المرسلة. والتنمية حصيلة ممتنعة ما دام قاع الإناء مخروما1.

تتعدد عوامل فشل برامج التنمية ببلادنا إلى الحد الذي يجعلها بعيدة المنال، على الأقل في الأفق المنظور، وذلك في حال استمرار الأوضاع الحالية التي يعيشها المغرب ويسير عليها حكامه في تدبير شؤونه ومعالجة أزماته وقضاياه. ولعل من أبرز الأسباب المانعة لنجاح عملية التنمية بالمغرب:

ــ الفساد الداخلي المستشري في مختلف الأجهزة والمؤسسات الوصية على وضع وتنفيذ البرامج والخطط التنموية الاقتصادية والاجتماعية. فساد تقر به الخطب والتقارير الرسمية، وتؤكده مراكز الرصد والخبرة الدولية. فساد يستلزم من كل غيور على وطنه مواجهته وفضحه والعمل على تحرير البلاد والعباد من براثنه، كأولى خطوة في طريق تحصيل التنمية وإقامتها “إن أمامنا يومئذ من مخلفات الفساد والإفساد والرشوة والتزوير والظلم مشاكل موضوعية تطلب العقل والخبرة والساعد. ويطلب البدء الصحيح في حلها إسناد المهمات الصعبة للرجال الأكفاء والنساء، ممن لا يساومون على ولائهم، ممن لا يبيعون ضمائرهم، ممن لا يرهنون آخرتهم بدنيا غيرهم.2

ــ غياب التصورات الحقيقية والواقعية والإرادات العازمة لوضع وتنزيل الخطط التنموية التي تنهض بالبلاد اقتصاديا واجتماعيا وبيئيا، وتحقق التنمية المستدامة التي ينبغي أن يستظل بظلها كل سكان المغرب، وتكون رحمة على البلاد والعباد وسائر المخلوقات.

ــ التبعية للخارج بل الارتهان للقوى والحكومات الأجنبية ومعها المؤسسات المالية الدولية، والتي لا ترى في المغرب سوى ضيعة لحلب المنافع وجلب الأموال والعائدات. التبعية التي مازال المغرب والمغاربة يؤدون أثمانها من سيادتهم وكرامتهم وقوتهم اليومي. التبعية السافرة التي لم تعد تكتفي بتحصيل الامتيازات الاقتصادية والمالية، بل تعدت ذلك إلى التدخل المباشر في تفاصيل حياة وشؤون المغاربة.

ــ استيراد البرامج الجاهزة للتنمية والتي لا تنطلق من تشخيص حقيقي لواقع المغرب ولا من معرفة إمكاناته وقدراته ولا تراعي خصوصياته وتحدياته. برامج تُستنسخ بشكل فج وتتم دبلجتها من حيث الشكل واللغة، ثم تلقى على أرض الواقع لا يُأبه إن قبلها أو مجها. يقول الإمام المرشد: “لا تُقتنى التنمية كما تقتنى البضائع، ولا يأتي تكديس الأشياء وتلميع واجهات المعامل المنقولة المحطوطة في أرضنا، العاطلة المسيرة بأيدي أجانب الجنس أو الدين إلا بمزيد من الركام الحضاري في ديارنا. ليست التنمية شيئا يؤتى به ويُلصق على واقع متخلف فإذا هو حي. لا ولا هي بالبضاعة الجاهزة تُصنع هناك وتُركب هنا فإذا هي تسر الناظرين. التنمية بناء إن لم يتأصل على إرادة قوية وإن لم يُدبر بأيد حكيمة فلن يكون إلا ثقلا يطمر الساكنين. التنمية لن تحصل في أيدينا، وإن حصلت فستبقى تابعة خانعة، إن لم ننطلق من إسلاميتنا ومن فرضية السعي والكسب والعدل والعمل الصالح. يكون السعي النشيط والكسب الحلال والعدل المعمم والعمل الصالح باعث الفرد، وقانون المجتمع، ودين الدولة، وضابط المستثمر والصانع والأجير. وكل تنمية نحاولها، وهي ممتنعة، دون إسلامنا فإنما تكون تنمية لتبعيتنا وتوغلا في عبوديتنا للأقوياء.” 3

 لم تكن التنمية قط عنصرا تكميليا في حياة الشعوب والدول، ولا واجهة من واجهات تزيين صور الأنظمة الحاكمة وتسويقها خارجيا، بل إن التنمية ضرورة حياتية للأفراد والبلدان، ولازمة من لوازم بناء الدول وقيامها بين العالمين. وهي كذلك مطلب أساسي لكل وطني غيور على بلاده وأمته “إن التنمية مطلب حيوي من مطالبنا، ولن ننتظرها من صدقات المستكبرين، ولن نقتنيها كما تقتنى البضائع في السوق. وسيرى الله جل وعلا عملنا ورسوله والمؤمنون هل نسيح في وادي الهوى إن مكن لنا سبحانه في الأرض أم نحمل مسؤولية البر بعيال الله في الأرض، لنا الكفاية والقوة وللمستضعفين” 4.


[1] محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى، صفحة 78.
[2] الشورى والديمقراطية، صفحة 346.
[3] العدل الإسلاميون والحكم، صفحة 445 ــ 446
[4] العدل الاسلاميون والحكم صفحة 445.