التفاؤل والاستبشار في الهدي النبوي

Cover Image for التفاؤل والاستبشار في الهدي النبوي
نشر بتاريخ

يَٰبَنِىَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَاْيْـَٔسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ لَا يَاْيْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَٰفِرُونَ

قصة سيدنا يوسف من أروع القصص وأعجبها في القرآن الكريم، أنواع من التنقلات من حال إلى حال، من ذل إلى عز، ومن فرقة وشتات إلى اجتماع وائتلاف، فيها يظهر لطف الله تعالى وعنايته بأوليائه وأصفيائه، وتأييده لهم في أحلك الظروف وأشدها.

بدأت آية مدارستنا بترفق جميل (يَٰبَنِىَّ)؛ أب مكلوم مفجوع من فقد ولديه ومع ذلك ينادي أبناءه بألطف نداء: “يَٰبَنِىَّ”، إنها رحمة الأب النبي، وتحقيق الأمور العظيمة يحتاج إلى حكمة وتلطف ورفق وأناة.

ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ؛ أمر حذاه أمل ازداد في قلب الوالد، سيدنا يعقوب بتيقن حياة الابن سيدنا يوسف؛ إما برؤيا أو بإخبار ملك الموت إياه بأنه لم يقبض روحه كما يقول القرطبي رحمه الله.

وَلَا تَاْيْـَٔسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ؛ لا تفقدوا أملكم في رحمة الله وفرجه وتنفيسه، إِنَّهُۥ لَا يَاْيْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَٰفِرُونَ، فاليأس من رحمة الله هو قنوط واستصغار لسعة رحمة الله وتضييق لفضاء جوده وكرمه سبحانه.

وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ قالها من ابيضت عيناه من الحزن. مهما تفاقمت أحزانك بُث في الآخرين الأمل فشدة البأس وطوله ينبغي أن لا يقطع رجاءنا فيه سبحانه وألا يجلب اليأس. ثلاثة فقدها سيدنا يعقوب مجتمعة؛ يوسف وأخوه وبصره، فردها الله عليه كلها بتوكله وفأله وصبره، ويقينه بالركن القوي الذي أسند إليه ضعفه ورجا منه رحمته وغوثه، هؤلاء هم أصفياء الله يتلمسون الفرج عند شدة الابتلاء، فلا يثبت المؤمن رغم المحن والشدائد إلا حسن الظن بالله، وثمة أوجاع في دواخلنا لا يسكنها إلا الأمل في الله عز وجل بأن هناك أياما يدخرها لنا سبحانه ستنسينا آلام الماضي.

يبلغ الألم البشري منتهاه بسيدنا يعقوب عليه السلام؛ تضعضع جسده وابيضت عيناه، ويصل المشهد ذروته حين يفقد أولاده الثلاثة دفعة واحدة، ومع ذلك يقول في ثقة وثبات: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا، وكذلك كان. هذا هو إيمان الأنبياء ويقين الحنفاء.

وهكذا هم المؤمنون على الدوام لا ييأسون من روح الله ولو أحاط بهم الكرب واشتد بهم الضيق، موصولة قلوبهم بخالقهم، ندية أرواحهم مطمئنة بمولاهم عز وجل. أجلى ما تظهر فيه رحمة الله بعباده المومنين في عاقبة المحن والابتلاءات يختبرهم سبحانه ليعلم صدقهم وثباتهم، فإذا اجتازوا عقبة اليأس باليقين ودرجوا في مسالك الكروب بالثبات والصبر الجميل، رفعهم إلى درجات التمكين والعزة في الدنيا والمقامات العلى في الآخرة. هذه هي سنة الله التي لم تتخلف يوما من الدهر: إن النصر مع الصبر، وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرا.

روى الترمذي رحمه الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “سَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ، وَأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ انْتِظَارُ الْفَرَجِ”، انتظار المقبلين على الله لا انتظار الغافلين، انتظار المقتحمين للعقبات لا انتظار العاجزين، انتظار العاملين الموقنين لا انتظار الكسالى المتواكلين. فالتفاؤل ليس شعورا مصحوبا بالقعود، وإنما هو والعمل قرينان وصنوان لا يفترقان، فلا يسمى المرء متفائلا إلا إذا بلغ بالأسباب منتهاها، فهذه السيدة مريم عليها السلام وهي في أدنى درجات الضعف تؤمر بالأخذ بالأسباب وَهُزِّىٓ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا، مع قدرته عز وجل على إنزاله إليها من غير هز، فالتفاؤل أمل وعمل.

ولنستصحب معنا هذا الحديث الشريف الذي رواه الإمام البخاري سماه أحدهم ”ميثاق التفاؤل”، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا)، حث على التفاؤل والعمل وإن لم يبق في الدنيا إلا دقائق لتبقى عامرة إلى آخر أمدها المعدود عند خالقها.

والتفاؤل ليس مجرد أمنية فارغة، فالأماني لا تغير من الواقع شيئا، وقد أنكر الله على من يتعلقون بالأماني في دخول الجنة بغير موجباتها من العمل، فقال جل جلاله: لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا.

فالرجاء يوجب للعبد السعي والاجتهاد فيما رجاه، أما اليأس والقنوط فهي صفات مقيتة وسمات سيئة تضعف الإنسان وتغضب الرحمن وتورث الحسرة والندامة، فمن أساء الظن بربه ولم يتحر الخير في قوله عوقب بسوء ظنه ولفظه، فإن البلاء غالبا موكل بالنطق، ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- دخلَ على أعرابيٍّ يَعُودُه، وكان إذا دَخَلَ على مَن يَعودُه، قال: “لا بأس؛ طَهُور إن شاء الله”، فقال له: ”لا بأس؛ طَهُور إن شاء الله”، قال الأعرابي: قلت طهور، كلا بل هي حمى تفور على شيخ كبير تُزيرُه القبور، قَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: فَنَعَمْ إذًا. أي لك ما أحببت ورغبت به من الموت، قال ابن حجر في الفتح: فأصبح الأعرابي ميتا.

وفي الحديث الصحيح قال الله عز وجل: “يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: أنا عند ظنِّ عبدي بي فليظُنَّ بي ما شاء”. قال القرطبي رحمه الله في شرح هذا الحديث: “ظن عبدي بي” معناه ظن الإجابة عند الدعاء، وظن المغفرة عند الاستغفار، وظن المجازاة عند فعل العبادة بشروطها. ولذلك ينبغي للمرء أن يجتهد في القيام بما عليه موقنا بأن الله يقبله ويغفر له، لأنه وعد بذلك وهو سبحانه لا يخلف الميعاد، فإن اعتقد أو ظن أن الله لا يقبلها وأنها لا تنفعه فهو اليأس من رحمة الله وهو من الكبائر، ومن مات على ذلك وُكِل إلى ما ظن والعياذ بالله.

التفاؤل خلق نفساني فاضل حث عليه كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم في سياقات مختلفة وبمفردات متنوعة؛ فتارة بالحث على الاستبشار بالخير وبرحمة الله، وتارة بالنهي عن اليأس واعتباره من أخلاق الكفار كما في آية المدارسة، وتارة بالنهي عن القنوط واعتباره ضلالا، وتارة بالحث على إحسان الظن بالله.

لنتذكر نبأ ثاني اثنين إذ هما في الغار في تلك الساعة الحرجة العصيبة، وقد انتشر الأعداء من كل جانب ليقضوا عليهما فأنزل الله عليهما من نصره ما لا يخطر على بال.

التفاؤل نور في الظلمات وانشراح في القلب ومخرج من الأزمات والكربات مقرون بالإيمان بالله عز وجل  وبأسمائه الحسنى وصفاته العلى، لأن المؤمن يستشعر معية الله (لا تحزن إن الله معنا)، ويعرف ربه بأسمائه الحسنى (وهو أرحم الراحمين)، (الله لطيف بعباده)، (ورحمتي وسعت كل شيء)، (غافر الذنب وقابل التوب)..

وسيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تجدد فينا الروح وتضع أقدامنا على الطريق وتمنح عقولنا وقلوبنا البوصلة.

الأمل والعمل؛ هذا شعارنا ومنهاجنا، وهذا ما سنسأل عنه. تجتاز أمتنا اليوم مرحلة عصيبة ومحنة حقيقية؛ فأرضها مستباحة وخيراتها منهوبة وكرامتها مدوسة، وقرارها بيد غيرها لا بيدها، غثائية واستضعاف وفقر وجهل واستبداد وفساد واستعباد.

لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم غرس فينا النظر إلى ما وراء هذا الواقع الكئيب، حيث بلج الصبح المنتظر وأفق النصر والتمكين، واليقين بأن الله ناصر المستضعفين وقاهر المستكبرين ولو بعد حين. عن سيدنا تميم بن أوس الداري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك اللهُ بيتَ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلا أدخَله الله هذا الدين، بعزِّ عزيز أو بذلِّ ذليلٍ، عزًّا يُعِزُّ الله به الإسلامَ، وذلًّا يُذِلُّ الله به الكفر).

هذا هو التفاؤل الذي غمر حياة النبي صلى الله عليه وسلم ورشحه مبدأ ساميا وربى عليه الأوائل الأفذاذ.

فمن أخطر أنواع الهزيمة أن تمتلئ القلوب باليأس والقنوط من رحمة الله تعالى ومن الأمل في وعد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم

فحامل الدعوة ينبغي أن يكون جبلا راسخا في الصبر واليقين، مؤديا رسالته منتظرا النصر والفرج باستبشار وحسن ظن وسعي حثيث، يقول سبحانه وتعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ. من لا صبر له ولا يقين أنى يكون هاديا بأمر الله تعالى.

مداخلة في مجلس النصيحة الجامع الذي نظمته عن بعد الهيئة العامة للعمل النسائي يوم الأربعاء 7 رجب 1443 الموافق 9 فبراير 2022.