التعديل الحكومي: وهم الملهاة

أجزم بداية أن لا أحد من المغاربة، هذه المرة، كان يلقي بالا للضجيج الذي حاول المخزن المغربي وأبواقه أن يثير غباره في سماء المغرب المتلبدة أصلا بغيوم الأزمة الكالحة، ويتعلق الأمر بما أرادوا تسميته الحدث التاريخي وهو التعديل الحكومي. لا أحد من المغاربة اهتم للأمر أحرى أن يعول عليه أو يغرق في تحليل تداعياته، لسبب مباشر وواضح هو فقدان الثقة في كل الإجراءات المخزنية التي اقتنع المغاربة أنها أضحت ملاهي ولعب "عيال" لا طائل من ورائه إلا كسب قليل من الوقت في سياق تدبير الأزمة نفسها التي غرق فيها المغرب منذ ثبت المخزن أركانه في المغرب.
وأظن أن أصحاب الشأن أنفسهم، هذه المرة أيضا، كانوا مقتنعين أن هذه "اللعبة" لا ترقى إلى مستوى إلهاء الآخرين، لكن أقدموا عليها علها تلهيهم هم وتروح عنهم وسط تراجيديتهم اليومية.
كيف يريدون لنا اللهو والأمر جد وأكبر من المشاغبات وتغيير السحنات والالتفاف على صلب المشكل.
بالمباشر أرادوا مرة أخرى أن يقنعونا، بعدما عرفوا بعسر الوضع، أن المآسي مسألة سوء تدبير حكومي، أو بالأحرى قطاع من قطاعات الحكومة، وإذن لنغير رأس القطاع، وأعطوا للأمر، من خلال الدعاية الجرائدية، صبغة الإجراء التأديبي. وهم يخفون الحقيقة المرة، وهي سبب كل البلاء، أنه مهما تغيرت الحكومات أو الوزارات، ومهما تضخمت أو تقلصت، ومهما يكن أصحابها تقنوقراطا أو حزبيين، فالمشكل قائم. القضية الأصلية هل للحكومة، كل الحكومة، صلاحيات حقيقية؟ هل فعلا أن الوزير، عدا أسفاره وذهابه وإيابه من مقره الفخم، والجلبة التي تثار له وحوله في وضع الأحجار الأساسية، مع العلم أن كثيرا منها يبقى دائما أساسا بلا بناء، وعدا التلاسن بينه وبين النواب في البرلمان، عدا هذا هل يفعل شيئا؟ كيف يفعل بل ماذا يفعل وهو أريد له، وهو على علم مسبق بذلك مما يعطي للقضية بعد الاشتراك في الجريمة مع سبق الإصرار والترصد، أريد له أن يكون واجهة بلا جوهر وشبحا بلا حقيقة وظلا لمخلوقات، كانت تصر أنها غير مرئية، وهي الآن مكشوفة مفضوحة.
فلا فائدة في أي إجراء اتجاه الحكومة ولا معنى لأي موقف منها لا بالتأييد ولا بالغضب. وعلى ذكر الغضب روجت الصحف هذه الأيام قصة، يراد منها أيضا أن تكون ملهاة عن المشكل الحقيقي، وهي أن الملك غاضب على الحكومة والأجواء متوترة بينه وبين بعض وزرائها، وكأنهم يريدون من هذه التخريفة أن يؤكدوا لنا أن الحكومة فعلا مسؤولة وأن لها مجالات للتحرك والابتكار وهي مقصرة. وهذا ما لا يمكن لعاقل أن يصدقه، والمعنيون بالقصة أدرى من الكل بهذه الحقيقة، وحتى إن كان الحدث، أي التوتر، فجزما غير متعلق بالمسؤولية عن تدبير قطاع ما اللهم إلا إن كان سيناريو متراضى حوله من أجل تعزيز الملهاة.
لنأتي من الآخر، ما معنى الحكومة أصلا، بله تعديلها، ومعظم المجالات تسير من خارجها، وعدوا معي بالأصابع: قطاع التعليم تتكفل به لجنة تحت إشراف مستشار للملك. قطاع العدل يرأسه وزير سيادة تابع مباشرة للملك، والقطاع كله تحت وصاية المجلس الأعلى للقضاء والذي يرأسه وزير العدل ليس بصفته الوزيرية لكن بصفة النيابة عن الملك. "شؤون الدين" يرأسها وزير سيادة ليس بصفته الوزيرية لكن بحكم تبعيته للملك بصفته أميرا للمؤمنين. شؤون الرياضة أهم قطاعاتها على رأسها جنرالات، والملفات الحساسة منها، مثل ملف المونديال 2010، تشكل له لجنة ملكية. قضايا الأسرة والأحوال الاجتماعية تابعة كلها لمؤسسة محمد الخامس الواقعة تحت إشراف مستشارة للملك أو يؤسس لبعضها لجان ملكية، القضايا الخارجية والحدودية لا يعرف منها وزيرها نفسه، وإن كان وزير سيادة، إلا أرقام الرحلات الجوية وغرف الفنادق، وهذا دلت عليه كم واقعة وكان أبرزها مشكل جزيرة تورة وملف المبادلات الحرة بين المغرب وأمريكا.
قطاع الإعلام ليس من فرصة لوزيره ليتنسم ريح الوزيرية إلا لحظة انتصاب الميكروفونات أمامه عقب الاجتماع الحكومي.
والأخيرة، التي لو ابتدأنا بها لما كنا في حاجة إلى كل هذا الاستطراد، وهي أن أهم القرارات والقوانين لا تقرر في المجلس الحكومي الذي يرأسه الوزير الأول، وإنما تقرر في المجلس الوزاري الذي يرأسه الملك.
لنقتصر على هذه المجالات بحكم أنها حساسة وأساس التنمية وضمانتها وهي التي طفحت فيها العيوب مؤخرا، فكان اللجوء للتعديل الحكومي من أجل التستر عليها. وأقصد بالمعايب، بل الفضائح، كارثة تدبير آثار زلزال الحسيمة، مهزلة مونديال 2010، الدوران والدوار الذي يتخبط فيه التعليم وهيأته ورجاله. الفوضى والاضطراب وخبط العشواء الذي سموه حملة على الإرهاب والتي حصت المئات وأثخنتهم تعذيبا وسجنا وتشريدا للعائلات من غير حسيب ولا رقيب ولا تمييز.
أظن أنه بعد كل الذي جرى ويجري، وبعد كل ما قلته آنفا، آن الأوان لطرح السؤال الحقيقي، من يتحمل فعلا مثوبة النجاحات وجريرة الإخفاقات في المغرب؟ سؤال حقيقي لتحديد المسؤوليات بدقة لمعرفة ما ينبغي فعلا تغييره أو تعديله. هل هي الحكومة؟ أم وزراء محددين؟ أم طبيعة البنية السياسية من أساسها؟




