المقدمة: تحت نفحات الذكرى 13 للوفاء
يستدعي فهم أهمية القرآن الكريم في نظرية المنهاج النبوي، الرجوع إلى كتب الإمام المجدد عبد السلام ياسين-رحمه الله- وإلى فعاليات المؤتمر العلمي الدولي الأول حول “مركزية القرآن الكريم في نظرية المنهاج النبوي، عند الأستاذ عبد السلام ياسين” 1. فمصدر استمداد هذه النظرية هو “القرآن الكريم الذي تبوأ المنزلة العليا في صياغة هذه النظرية مبنىً ومعنىً، تأصيلا وتنزيلا، وهو ما جعل الأستاذ ياسين يقرر بإلحاح، أن تجديد الفهم لـما يجري حولنا في العالم، لا يكون إلا بالاستناد إلى القرآن الكريم، إطارا مرجعيا في معرفة الوجود والحياة، ومنهجا للتغيير عقيدة وشريعة ومعرفة، منه ننطلق وإليه ننتهي، فهو معيار كل القيم وميزان كل الـمعارف. وهكذا اتخذ الأستاذ ياسين القرآن الكريم مرجعا تأصيليا يستهدي به في معالجة مختلف القضايا في تفاصيل نظرية المنهاج النبوي، ومعيارا تقويـميا في مراجعاته الفكرية للتراث الإنساني عموما والتراث الإسلامي خصوصا” 2.
أكد واقع المجالس التربوية واللقاءات التنظيمية، التي تنظمها وتعقدها “جماعة العدل والإحسان المغربية” محورية القرآن الكريم، ومادتها الأساسية في التربية المتوازنة للأعضاء، تجنبا للمزالق التي حذر المنهاج النبوي من “إسلام الزهادة والهروب من المجتمع، والإسلام الفكري، والحركية على حساب التقوى والعلم ثلاثة مزالق” 3، والتنظيم الجماعي الإسلامي، والزحف الواقعي نحو الخلافة الثانية على منهاج النبوة، والتدافع السياسي الميداني، والحضور الميداني الفعال. وقد تنوعت طرق وأساليب استثمار القرآن الكريم الذي هو “كتاب هُدى ويقين، ونور، وحكمة، وتبيان، وتعليم، وبشارة، ونذارة، وتشريع، وبركة” 4؛ وتعددت أساليب الغرف من مائدته الربانية بين حفظ حروفه، وصيانة حدوده، والتخلق بأخلاقه، وتعلم حكمه، وتعليم أحكامه، وتدبر معانيه السامية، وتبصرة مبانيه السامقة. وكان هم مرشد الجماعة-رحمه الله- في مجالسه 5 ولقاءاته 6 مع أعضاء وقياديي الجماعة-ذكورا وإناثا، براعم وزهرات وشبابا وشيبا- وكتاباته ومسموعاته رفع هممهم ليكونوا مدارس قرآنية متنقلة عبر الأجيال، وأن تكون لهم عزيمة حفظ القرآن قبل الموت.
بنيت النظرة المنهاجية للتعامل مع كتاب الله، على الربط المتلازم بين الوحيين؛ الوحي الرباني المحفوظ والهدي النبوي المعصوم من جهة. والارتباط المتصل بالواقع المتغير للبلاد، والتوقعات المضطربة للعباد، والاحتدام السائد حول تأويل النصوص وتنزيل الأحكام، بين اجترار المحافظين لإرث السلف، وتحرر الحداثيين منه باعتباره تراثا. فاهتدى الإمام- رحمه الله- إلى النقد المنهاجي لصيانة نقل الإرث من التخريف، والتصدي له من تحريف العقلانية، وبالتالي استنهاض الإرادة لبلوغ المقاصد الشرعية الأصيلة، بتجديد الوسائل المشروعة المعاصر. وهاك كيف حول الإمام المجدد- رحمه الله- هذا الأمر من التعاطي الفردي إلى التربية الجماعية، والتنظيم في المجالس، والزحف به إلى خاصة الناس وعامتهم، لزرع الثمار القرآنية في القلوب والعقول، وتلمس الآثار في واقع الناس. فكيف جدد المنهاج النبوي معاني مُدارسة القرآن الكريم في مجالس المؤمنين؟ وكيف جوّد مباني تدبر كتاب الله المنظور والمسطور في تنظيم المسلمين؟
المبحث الأول: المُدارسة المنهاجية للقرآن
حافظت الجماعة على مفاتيح فهم كلام الله تعالى خاصة في مجالس النصيحة 7؛ المدارسة الجماعية لكتاب الله عز وجل، والتدبر السليم لآياته الكريمة، بعد استنساخ الثمين من صحيح التفسير النبوي واجتهاد فهم الصحابة-رضوان الله عليهم- وكبار التابعين المتقدمين، والاستئناس بمناهج المفسرين المتأخرين الموفقين في استخراج القواعد الجامعة، واستنباط الأحكام الكلية وربطها بواقع الأمة وأولوياتها المرحلية، مع الأخذ بعين الاعتبار غض النظر عن الغث الوارد في بطون أمهات التفسير، والمنسوب إلى كبار المفسرين، وغربلتها من الإسرائيليات والأحاديث الموضوعة، والقصص الكاذبة والأحداث والوقائع المنسوجة من خيال المغرضين من أعداء دين الأمة المتجدد، وخصوم فكرها النير، وطامسي معالم حضارتها الشاهدة، وكابحي نهضتها الواعدة، ودعاة شل توسع حركتها.
فالحاجة ماسة لنقذ الإرث المتراكم من التفاسير القرآنية، وإنزال أصحابها جزاهم الله خيرا منزلة المجتهد الذي إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد، واستحضار أن الفهم يتغير بطول الزمن وسعة المكان تماما كما تتغير الفتوى وأحوال الأحكام الشرعية والأحكام الوضعية. فلا نمنح العصمة في التفسير لغير تفسير القرآن بالقرآن، وتفصيل مجمله من الرسول ﷺ. نحتاج اليوم إلى تجديد الآليات المتصلة بالأصل والمرتبطة بالعصر لفهم الخطاب القرآني، والحسم في المستجدات الآنية باعتماد التأويل الشرعي والاستنباط الواقعي؛ بعد طول العهد بالقرون الثلاث الفاضلة، وما طرأ على الأمة من تبدل للأحوال، وامتداد للأمصار، واحتكاك بالأفكار المخالفة، وصراع مع العقائد المعاندة ضمنها فتنة خلق القرآن من بني جلدة الإسلام، والتأويل الشاذ للمستشرقين 8 للآيات القرآنية المتشابهة والتشكيك في الآيات المحكمة، والذين أصبحت أسفارهم الملغومة السم القاتل لسلامة الفهم، كما أضحت دراستهم الحداثية المشككة في ربانية القرآن الكريم، والأبحاث اللائيكية الداعمة لتاريخية 9كتاب الله تعالى المعول الهادم للموضوعية، ناهيك عن فرض التعامل مع وحي النص القرآني بمنطق هوى “العقلانية”.
فإذا التمسنا العذر للدراسات القرآنية القديمة من ندرة المصادر المعتمدة، وشح المراجع المتوفرة، وقلة الوسائل المتاحة، وعجز الآليات المتداولة في رصد حشو الخرافات، وضبط تسلل أساطير الأولين. فإن الدراسات القرآنية المعاصرة مجبرة أن يتحلى أصحابها بالموسوعية المعرفية، والمسح الكلي للأبحاث والدراسات والأطروحات التي تناولت القرآن الكريم بالدرس والتحليل سواء كانت أصيلة مؤيدة أو حداثية مناوئة. ولا يكفي التصدي للشبهات التي تنسج ضد الوحي، ودحض الشكوك التي تحاك ضد كلام الله بالواجهة الأكاديمية النخبوية، وإنما ينبغي أن يتعداه إلى الفرد المكلف لفهم الأوامر لإتيانها والنواهي لاجتنابها، وهذا خيار وليس اختيار؛ خيار يمكن تحقيقه بالمجالسة لمدارسة القرآن الكريم، والتجانس في تدبر، لاستبصار المباني الصحيحة التي لا يكتمل الإيمان إلا بها، واستنهاض الهمة للعمل السديد الذي يقبله الله ويرضه رسوله ﷺ.
هذا المسلك في علم معاني القرآن الكريم والعمل بمبانيه قد جدد الإمام عبد السلام ياسين-رحمه الله- مقتضياته بعد نقد الأساليب الجامدة أو الشاردة عن واقع وحال الأمة، تلك التي تكتفي باجترار القصص والتذكير بالأحداث والوقائع السالفة. ونظيرتها المجادلة أو الشاذة في المواقع تلك الرويبضة التي تساند السلطة وتعطل إرادة الأمة، أو الطائشة المستعجلة بالنتائج التي تفوق واقع وتوقع الأمة. والمرمى من هذا التجديد، علاوة على الإضافة النوعية للنهوض بالدراسات المعاصرة الجادة، جعل القرآن الكريم خالدا في ضمير الأفراد وحاضرا في واقع الأمة؛ احتاج تنزيل هذا التصور إلى إحداث لجنة تنظيمية تشرف على جميع الأنشطة الداخلية المرتبطة بالقرآن الكريم، وإلى التركيز على إتقان الحفظ وتحسين التلاوة” 10 لعامة الأعضاء والتنافس في ذلك، والإحاطة بعلوم القرآن للمتخصصين، والاجتماع على مدارسته في المجالس واللقاءات، والاهتداء بتدبر معانيه في سلوك الأفراد وسير الجماعة ومسار الأمة. والمتتبع لسيرة الأستاذ عبد السلام ياسين يجد أن نشأته كانت قرآنية 11 بامتياز.
[2] ديباجية المؤتمر، من الموقع الإلكتروني لمؤسسة الإمام عبد السلام ياسين، https://yassine.org/.
[3] عبد السلام ياسين، “المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا”، ط5، 2022م، دار إقدام للطباعة والنشر، إستانبول، ص393.
[4] عبد السلام ياسين: “تنوير المؤمنات”، ج1، ط1، 1996، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ص363.
[5] خاصة لقاء الأحد وهو مجلس مفتوح يجتمع فيه أعضاء الجماعة مع الإمام المرشد- رحمه الله- كل أحد ببيته العامر بعد رفع الحصار عليه على إقامته الإجبارية التي دامت من 30 دجنبر 1989م إلى غاية 16 ماي 2000م.
[6] قال الاستاذ عبد السلام ياسين:” نبغي أن يكون طموحكن إلى أن يقال يوم القيامة لكل واحدة منكن وقد أصبحت مدرسة قرآنية تعلم وتربي وتنشأ الأجيال على القرآن وحب القرآن وحفظ القرآن يقال لها هذا غرسك يا أم فلان”، https://www.youtube.com/watch?v=bufN6OfmGls لقاء مع حاملات كتاب الله.
[7] تم تدشين هذه المجالس في 1998م، ويعقد مجلس النصيحة” مرة في الأسبوع، فإن تعذر فمرة كل شهر على الأكثر، يستغرق بين العشاءين إلى شروق شمس الغد. مجلس لا يأخذ الصبغة التنظيمية الإلزامية، إذ المعول فيه التطوع والرغبة، والاستعداد والقابلية، فضلا عن حد لا بأس به من الكفاءة والأهلية يشترط توفرها في المشرفين عليه، وتبقى الضوابط التنظيمية مساعدا لا وصيا، وهل ينفع مع إرادة وجه الله والسعي لذلك سعيه وصاية أو تحجر!؟ مجلس علم وحلم، مجلس تلاوة ومدارسة…”. منير الركراكي: “مجلس النصيحة”،ط1، 2003م، ص21.
[8] نذكر منهم على سبيل المثال شيخ المستشرقين الألمان، تيودور نولدكه (1930-1836)Theoder Noldek ، صاحب كتاب تاريخ القرآن سنة 1860م؛ أنظر عبد العالي المسؤول: “تيودور نولدلكه والنص القرآني دراسة نقدية للفصل المتعلق بالقراءات القرآنية”، مجلة منار الهدى، ع14، ط1، 2009 مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، من ص22 إلى ص 38.
[9] ممن تناولوا هذا الموضوع المفكر المغربي محمد عابد الجابري (1935-2010)، صاحب كتاب: “مدخل إلى القرآن الكريم.. الجزء الأول في التعريف بالقرآن”، عن مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2006م، والمفكر الجزائري محمد اركون(1928-2010) في كتابه: “القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني”، ترجمة هاشم صالح، ط2008م، دار الطليعة، لينان. وبالنسبة لمفهوم التاريخية: “تنتسب التاريخية(historicité) إلى التاريخ(histoire) مما يحيل إلى الماضي، وإلى قطيعة مع الحاضر أو المستقبل. فتاريخية شيء ما يعني تجاوزه الحاضر ولم يعد سوى ذكرى أو تاريخ”؛ احمد بوعود: “القرآن والتاريخية عند أركون”، مجلة منار الهدى، م.س. من ص10 إلى ص21.
[10] وأمر سبحانه هذا الناطق[الإنسان] أن يستفرغ الوسع لتحسين صوته وتجويد الحروف المنطوق بها، خصوصا إن تعلق الأمر بالأصوات القرآنية، التي أمرنا ببلوغ الغاية في إتقان أدائها، وذلك بإعطاء الحروف حقوقها، وترتيبها في مراتبها، ورد كل حرف من حروف المعجم إلى مخرجه وأصله وإلحاقه بنظيره وشكله، والتمكن من النطق به على صيغته وهيئته، وذلك واجب على كل تال لكتاب الله، قادر على التعلم وقابل له، ووجد من يهديه إلى الصواب'”. عبد العالي المسئول؛ ”الكافي في التجويد: رواية ورش عن نافع من طريق الأزرق”، ط1، 2002م، مطابع افريقيا الشرق، الدار البيضاء، ص9.
[11] “وهذا ما وجدناه حاضرا في جميع مراحل حياته الطاهرة النقية؛ فقد حفظ القرآن الكريم في طفولته، وعاد يتعهده بعد اعتقاله سنة 1974، وقد مر بنا أنه قضى ستة أشهر يقرأ القرآن ويختمه في جلسة واحدة بسجن لعلو في 1984. وكان رحمه الله طيلة حياته المباركة يخصص كل يوم وقتا لسماع القرآن وتدبره، وقضى مدة طويلة وهو يستمع بعد صلاة الصبح لكبار القراء كالشيخ محمد رفعت، والشيخ سيد متولي، والشيخ محمد صديق المنشاوي. وكان رحمه الله ينوع الطرق في التعامل مع القرآن الكريم، تلاوة وتدبرا، فتراه يقرأ الحزبين من المصحف (ورد اليوم) ثم يقرؤهما مرة ثانية في قيام الليل، ثم يقرؤهما مرة ثالثة بدون مصحف.yassine.net